تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية
الجامعة العربية والأزمة السورية

هل سيتمخض الربيع العربي عن ميلاد جديد للجامعة العربية؟

من الأمور المثيرة للدهشة أن تتعامل الجامعة العربية بحزم مع نظام بشار الأسد الذي لا يبدي رغبة في إجراء إصلاحات ديموقراطية حقيقية. لكن هذا النشاط المفاجئ للجامعة العربية يمثل رد فعل على المتغيرات المرحلية وتغيير موازين القوى في العالم العربي. لؤي المدهون في قراءة لدور الجامعة العربية في خضم ثورات الربيع العربي.



لعقود طويلة من الزمن كانت الجامعة العربية بمثابة رابطة دولية عاجزة ومنظمة متداعية تنقصها الهياكل الواضحة والأهمية السياسية. وعلى الصعيد الدولي كان هذا "النمر الورقي العربي" مدعاة للسخرية في مناسبات وفي خضم أحداث عديدة. ولهذا مثلت هذه المنظمة بالنسبة للكثير من المراقبين والناشطين في مجال الديموقراطية "مرضاً عربياً"، اتضحت معالمه في الجمود السياسي وعجز الشعوب العربية بشكل خاص. لكن يبدو أن التغيرات التاريخية التي أتت بها رياح الربيع العربي حررت هذه المؤسسة من سلبيتها الذاتية ومن قصورها.

 

التدخل في ليبيا كنقطة تحول


اجتماع جامعة الدول العربية بشأن سوريا
صحوة الجامعة العربية بفعل الثورات الشعبية العربية هل هي صحوة مؤقتة أم تنبئ بتحول جذري؟

​​

إن الحراك المفاجئ للجامعة العربية بدأ في آذار/ مارس من هذا العام في خضم الصراع في ليبيا بين الثوار ونظام القذافي، حين صادقت للمرة الأولى في تاريخها الممتد لستة وستين عاماً على تدخل خارجي. حين طالبت الجامعة العربية بفرض منطقة حظر جوي على ليبيا، أضفت الشرعية على مهمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ليبيا، متخلية بذلك عن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية الأخرى. ونقطة التحول هذه جديرة بالملاحظة، كونها تعود في المقام الأول إلى تغيرات في ميزان القوى الإقليمية في ظل حركة الثورات في العالم العربي، وإلى حقيقة أن الشعوب العربية عادت إلى المسرح السياسي كعامل قوة. إذ لم يعد من الممكن الاستمرار في تغييب الرأي العام عن عمليات القرار لسياسي في العالم العربي بحقبة ما بعد الثورات، منذ أن أُسقط ابن علي في تونس ومبارك في مصر، ومنذ أن صعدت قناة الجزيرة القطرية لتكون ناطقة بلسان الثورات العربية، باستثناء انتفاضة البحرين، التي قللت القناة من شأنها واصفة إياها بـ"اضطرابات ذات خلفية طائفية".

حزم مذهل ضد نظام الأسد

كان نظام القذافي في ليبيا ممقوتاً من أغلب الدول الأعضاء في الجامعة العربية ومعزولاً إلى حد بعيد، لكن الحالة السورية مختلفة، إذ إن سوريا تعد تاريخياً وثقافياً من البلدان العربية ذات الأهمية الكبيرة، كما أنها تعد مهد الحركة القومية العربية. وعرف نظام الأسد كيف يظهر أمام الشعب السوري بمظهر المدافع الوحيد عن المصالح العربية ضد تأثيرات الهيمنة الغربية. إضافة إلى ذلك فإن سوريا تحافظ على تحالف استراتيجي مع إيران وحزب الله في لبنان، وهما حليفان قويان في المنطقة. وعلى الخلفية تلك يجب أن يتم تقييم قرار الجامعة العربية بتجميد عضوية سوريا، لأنها لم تلتزم ببنود خطة الوساطة المتفق عليها. لكن هذا الأمر يختلف تماماً عن الفيتو المتعلق بالحالة الليبية.

قطر والمملكة السعودية – قوى محركة

الأسد والعاهل السعودي
شكلت السعودية وقطر قاطرة الدفع العربي باتجاه تجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية

​​لكن هذا الحراك غير التقليدي للجامعة العربية لا يعود إلى حماس محتمل للديمقراطية من قبل الدول الموجهة في الوقت الراهن، ولا إلى التعاطف مع الثوار السوريين، إذ إن جميع الدول الأعضاء الجامعة العربية تقريباً تقمع الاحتجاجات السلمية وترفض أي إصلاحات ديمقراطية أساسية على أراضيها. إضافة إلى ذلك أرسلت السعودية والإمارات العربية المتحدة في منتصف آذار/ مارس قواتها الأمنية إلى البحرين، انطلاقاً من رغبة الحكومة البحرينية في مساعدتها لقمع الاحتجاجات ضد العائلة السنية الحاكمة هناك.

إن ملكيات البترول الغنية في المملكة العربية السعودية وقطر ترغبان في استغلال فرصة التغييرات الحادثة في العالم العربي لصالحها، فالعائلة الحاكمة في قطر ترغب في جعل إمارتها الصغيرة قوة إقليمية في المنطقة. ولذلك فإنها تستغل "سياسة دفتر الشيكات المفتوح" بشكل حاذق وقناتها التلفزيونية "الجزيرة" كأداة إعلامية للقوة الناعمة.

الصورة د ب ا
"إن الحراك المفاجئ للجامعة العربية بدأ في آذار/ مارس من هذا العام في خضم الصراع في ليبيا بين الثوار ونظام القذافي، حين صادقت للمرة الأولى في تاريخها الممتد لستة وستين عاماً على تدخل خارجي"

​​وبدورهم يتحين المخططون الاستراتيجيون في المملكة السعودية فرصة تاريخية أخرى: فبعد سقوط نظام صدام حسين في العراق نما النفوذ الإيراني في المنطقة، ومن خلال الإطاحة بحليف إيران بشار الأسد يمكن أن يتراجع نفوذ طهران في المنطقة من جديد. إن النخب المتنفذة حول العاهل السعودي تعتقد في الوقت الراهن أن سوريا ما بعد الأسد ستهيمن عليها القوى السنية، وهم أقرب إلى "المعقل السني للإسلام"، منها إلى إيران الشيعية. وحتى حزب الله الشيعي في لبنان، حصان طروادة الإيراني في العالم العربي، لن يبقى دون نظام الأسد قوة يحسب حسابها.

وهذا التوجه داخل الجامعة العربية يستمد زخمه أيضاً في أن حركة حماس، الفرع الفلسطيني لحركة الإخوان المسلمين السنية في مصر، تمتنع عن دعم القمع الدموي لحركة الاحتجاجات على نظام بشار الأسد. لكن ليست المخاوف الواضحة لملكيات الخليج من السيطرة الإيرانية فقط تدفع الجامعة العربية إلى انتهاج سياستها التدخلية، بل وأيضاً الضعف الذي يعاني منه الغرب في الوقت الراهن، فللمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية لا يقوم الغرب بدور يُذكر في تشكيل معالم الأوضاع الجديدة في منطقة الشرق الأوسط. وهذا ما قد يمكن أن يؤكده نهج الجامعة العربية الجديد.

 

لؤي المدهون
ترجمة: عماد غانم
مراجعة: هشام العدم
حقوق النشر: قنطرة 2011

اقرأ أيضًا: موضوعات متعلقة من موقع قنطرة
اطبع المقال
أرسل المقال إلى صديق
إضافة تعليق
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : هل سيتمخض الربيع العربي عن ميلاد جديد للجامعة العربية؟

النغمة النشاز التي صدرت عن المايسترو السعودي هي ذاتها التي صدرت عن بقية حكام أنظمة الغلبة والاستبداد ( المتظاهرون يرتبطون بجهات أجنبية), ودون حياء ولا خجل يقولها الناطق بأسم الحكومة, يتزامن هذا التصريح مع ما جاء به تقرير لجنة تقصي الحقائق البحرينية التي قالت أن إيران لا علاقة لها بأحداث البحرين والتي أكدت السعودية مراراً وتكراراً ان إيران تقف وراء الحراك البحريني فما عساها ان تقول الآن؟؟؟؟
وبينما كان السعوديون هم من يعترضون على هذه الجملة النشاز حينما أطلقها القذافي ومبارك وحاكم اليمن وحاكم سوريا, وأعتبروها خطيئة . راحوا اليوم يرددونها ويؤكدون عليها, فأحداث القطيف ومن قبلها العوامية وتقارير البي بي سي والجزيرة وسكاي نيوز كلها تتحرك بأجندة أجنبية بين قوسين ( إيرانية) لأن الذين خرجوا يطالبون بحقوقهم هم ليسوا من سنخ الحاكم وحاشيته, وليسوا مظلومين ... وهل هناك مظلوم في ظل خادم الحرمين الشر.... ياللعجب, وهل يسمح للسعوديون أن يطالبوا بحقوقهم , فالسعودية واحة منزوعة من الحرية والديمقراطية, فلا ديمقراطية في أرض الحرمين فأنها ممنوعة , لقد أخطأ السعوديون بهذا التصريح وهم سيخطأون لو تعاملوا مع الاحداث بهذا النفس الطائفي الذي لن يوصلهم الى ما يريدون , فالخطأ الذي سيقعون به هو أن يسلبوا مواطنيهم الولاء ويجبرونهم على الاتجاه الى صوب الآخر أو أن الآخر هو منْ سيستغل الأحداث ويدخل على الخط , فالافضل ان يتجهوا الى الحوار بدل الصدام فالصدام سيجر الى الفوضى ولغة التهديد لن تجدي نفعاً, فأذا كان المتظاهرون يطالبون بحقوق مدنية وسياسية فيجب على الحكومة ان تتجه الى الحوار بدل تحويل الأمر الى نزاع طائفي لا يبقي ولا يذر فالحكمة سيدة الموقف كما يقال.
فقد باتت اللعبة مكشوفة والنغمة سمجة. والحق يقال أن المنظقة الشرقية التي تعيش فوق بحر البترول السعودي هي أكثر المناطق فقراً وتهميشاً في المملكة, وأن سكانها لم يتمتعوا بالحقوق السياسية كمواطنين فليس هناك اي مسؤول سعودي ينحدر من هذه المنطقة ناهيك عن القيادات العسكرية, فهم في خانة الإتهام على الدوام.
وعلى القيادة السعودية أن تعي أن المعادلة قد تغيرت,وان زمن جهيمان العتيبي قد ولى فلغة الإتهام والتخوين لم تعد مثمرة

علاء الخطيب 26.11.2011 | 11:12 Uhr