الإسرائيليون والفلسطينيون يرفضون أن يكونوا أعداءً
الجانب الإنساني في الصراع الشرق الأوسطي

الإسرائيليون والفلسطينيون يرفضون أن يكونوا أعداءً

يصف الصحفي والناشط السياسي هجاي مطر العديد من الشراكات التي تمّت في السنوات الأخيرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين الذين يرفضون أن يكونوا أعداء.



"أنا شخصياً ليست لدي مشكلة مع الإسرائيليين، ولكن لمصلحتك، الأفضل ألا تخبر الآخرين هنا من أين أنت". هذا ما قاله لي سائق سيارة تاكسي خلال زيارتي الأخيرة إلى عمّان. لم يساعدني كثيراً عندما شرحت له أنني أشارك في مظاهرات بشكل منتظم ضد الاحتلال، وأنني أتيت إلى الأردن مع أصدقاء فلسطينيين. إلا أن حقيقة واحدة استحوذت على انتباهه وأقنعته بأنني قد لا أكون عدواً للعالم العربي في نهاية المطاف: قبل حوالي عشر سنوات رفضت التجنيد وقضيت سنتين في سجن عسكري إسرائيلي بسبب ذلك. "إذا قلت ذلك، أعتقد أنك ستكون مقبولاً لدى الجميع تقريباً"، وافق سائق التاكسي. لم يكن رد فعل سائق التاكسي هذا فريداً بأي شكل من الأشكال، وقد تعلّمت عبر السنين أن رفض الخدمة في الجيش يخلق جسراً قوياً جداً بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

الصورة ا ب
المبادرات المدنية ضرورة لتحقيق ما قد يكون قد أخفق فيه الساسة

​​في مثل هذا الشهر قبل عشر سنوات، كنت جزءاً من مجموعة من طلاب المدرسة الثانوية قاموا بكتابة ونشر رسالة إلى رئيس الوزراء آرييل شارون في ذلك الوقت. ذكر الموقّعون على الرسالة وعددهم 62 طالباً، وجميعنا مؤهلون للخدمة العسكرية الإجبارية، أننا نعتبر أعمال إسرائيل في المناطق الفلسطينية المحتلة "عملاً شائناً ينتهك بشكل صارخ المعاهدات الدولية". لم يترك لنا ذلك خياراً سوى "أن نطيع ضمائرنا ونرفض المشاركة في أعمال قمعية ضد الشعب الفلسطيني." اختار بعض الموقعين قبول التجنيد والخدمة فقط داخل حدود إسرائيل القانونية لعام 1967، بينما رفض آخرون التجنيد بشكل كامل.

لم تكن تلك أول حركة من نوعها في إسرائيل، إلا أن الأعداد والتوقيت (في وسط الانتفاضة الثانية) كانا حاسمين. كانت ردة الفعل داخل إسرائيل فورية، وباستثناء بعض السياسيين الشرفاء، وقف سياسيون من كل حزب وإنتماء تقريباً بالدور، يتهمون المجموعة بالجبن واللاوطنية بل وحتى الخيانة. في السنتين التاليتين، نمت الحركة لتضم 350 شخصاً وقّعوا على الرسالة. خرج جنود الاحتياط بمبادرات مماثلة، وتم سجن عشرات معارضي الضمير لفترات تتراوح بين الشهرين والسنتين.

إلا أن ردود الفعل من جانب الفلسطينيين كانت مختلفة كلياً. فخلال أسبوع واحد من نشر الرسالة، وقّعت عشر أسر فقدت أفراداً في النزاع على رسالة دعم وتضامن، ذكروا فيها أنهم يأملون أن يختار المزيد من الناس سبيل السلام. بعد شهور قليلة أرسل فلسطيني شاب رسالة إلى مجموعة الطلاب قال فيها إنه كان ينوي القيام بعملية انتحارية ضد الإسرائيليين، ولكن بعد قراءة رسالتهم "شعر أن بعض الكلمات يمكن أن تكون أقوى من صوت القنبلة"، وأنه اختار المقاومة اللاعنفية بدلاً من العملية الانتحارية.

الأمن الحياتي


الصورة ا ب
ولكن الممارسات الاستيطانية تبقى عاملا منغصا لكل المبادرات الإنسانية...

​​ازداد رفض الخدمة في الجيش مع مرور الزمن، ليس فقط كظاهرة سياسية وإنما كذلك بين الشباب الذي يشعرون بالتهميش من قبل الاقتصاد الليبرالي الجديد، والذين اختاروا البقاء مع أسرهم في أوقات الحاجة بدلاً من الخدمة سنوات في الجيش. شجّع الاحتلال وانعدام العدالة الاجتماعية المتنامي داخل إسرائيل على ظهور طرح جديد معادٍ للعسكرية، الأمر الذي وجد تعبيراً شعبياً في حركة 14 تموز/يوليو الأخيرة التي تطالب بالعدالة الاجتماعية. ربما للمرة الأولى في تاريخ إسرائيل، تتحدث مجموعة من التيار الرئيس تشارك في النضال عن "الأمن" ليس بمفهوم الدبابات والطائرات وإنما بتعابير الإسكان والوظائف والتعليم للجميع، يهوداً وعرباً على حد سواء.

ورغم حقيقة أن قادة حركة 14 تموز/يوليو هي "غير سياسية"، بمعنى أنها لا تتخذ موقفاً حول النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، إلا أنني أناقش أن روحها تعكس فهماً متنامياً بأنه لا يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية طالما استمر الاحتلال. ربما ليس من قبيل المصادفة أن دافني ليف، واحدة من زعماء الحركة المركزيين، كانت من بين الذين وقّعوا على رسالة طلاب المدرسة. وفي الوقت الذي تفضل فيه ليف عدم إبراز ذلك، قام الكثيرون بمساندتها في وجه الانتقادات، مشيرين إلى مساهمتها في المجتمع من خلال الكفاح من أجل العدالة الاجتماعية هو أكبر بكثير من أي شيء كان يمكن أن تفعله في الجيش. خلال العقد الماضي أصبحت الشراكات التي تشكلت بين إسرائيليين وفلسطينيين رفضوا أن يكونوا أعداءً، موضوعاً مركزياً في الكفاح من أجل السلام والديمقراطية في منطقتنا.

هذه الشراكة بالذات هي ما نحن بحاجة إليه الآن أكثر من أي وقت مضى، في الوقت الذي تعدّ فيه الجمعية العمومية للأمم المتحدة لمناقشة تغيير وضع فلسطين لتصبح دولة. ليس من المستبعد أن الأحداث التي بدأت تتكشف سوف تجر المنطقة مرة أخرى إلى عنف تشرين الأول/أكتوبر 2000. وقتها سوف تخضع روح 14 تموز/يوليو الرافضة للعسكرية للاختبار، وسوف يضطر الإسرائيليون للاختيار بين ترك خيم الاحتجاج لصالح طبول الحرب أو التوقف عن الانضمام إلى الخدمة العسكرية لصالح الاحتلال والبقاء في نضالهم من أجل العدالة.

 

هاجاي مطر

حقوق النشر: خدمة الأرضية المشتركة الإخبارية 2011

هاجاي مطر صحفي إسرائيلي وناشط سياسي، يكتب حالياً في "زمان تل أبيب" وموقع MySay العبري المستقل.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : الإسرائيليون والفلسطينيون يرفضون أن يكونوا أعداءً

والله شر البلية ما يضحك. يرفضون أن يكونوا أعداء وقد سرقوا أرضنا وشردونا وما يزالوا حتى هذه اللحظة يعيثون قتلا وخرابا في ديرتنا.
لا أعلم عن أي إسرائيليين وفلسطينيين تتحدثون؟ أتقصدون سكنة كوكب الأرض أو أن هناك في مجرة أخرى إسرائيليون وفلسطينيون متصالحون ومتحابون؟

عمرو الكرملي22.12.2011 | 20:43 Uhr