لاجئون من سكان مدينة تاورغاء. ماركوس زومانك
اللاجئون في ليبيا

ثوار ليبيا في مصيدة الانتقام من مواطنيهم الأفارقة

يُعتبر المواطنون الليبيون ذوو الأصول الإفريقية، ناهيك عن الأجانب الأفارقة العاملين في ليبيا، من أكبر الخاسرين بعد الثورة الليبية، إذ يشتبه بأنهم مرتزقة قاتلوا في الماضي لصالح القذافي. سكان مدينة تاورغاء الليبية مثلاً فرّوا منها بعد أن دمّرها ثوار مصراتة تدميراً شاملاً، كما اتهموا أبناءها بارتكاب جرائم حرب، ونفذوا في حق بعضهم أحكاماً دون أية محاكمات في غياب دور الدولة، بحسب استطلاع ماركوس زومانك.

امرأة طاعنة في السنّ قصيرة القامة تسير منحنية الظهر نظراً لثقل حزمة الحطب التي تحملها على كتفيها، ويسير إلى جانبها حفيدها، ذو العشرة أعوام، حاملاً عبوة ماء يوازنها على رأسه. إنهما لاجئان في طريق العودة إلى بيتهما الجديد في حصن باب العزيزية المدمَّر، وهو ذات الحصن الذي كان معقل الدكتاتور القتيل معمر القذافي.

ستة هكتارات من الركام والرماد هي ما خلفتها قنابل حلف الناتو ودبابات الثوار في "مركز سلطة القذافي"، الذي كان لا يجرؤ المواطنون الليبيون على الاقتراب منه لعقود من الزمن. وها هو اليوم يصبح ملاذا لنحو عشر عائلات من اللاجئين السود البشرة بعد أن كان يقطنه جنود النخبة والقناصة.

اللاجئون يقضون لياليهم في غرف جرداء كانت في السابق من ضمن ثكنة عسكرية، في المبنى الوحيد في باب العزيزية الذي نجا من الدمار الكبير جرّاء اقتحام الثوار لهذا الحصن في الثالث والعشرين من شهر آب/ أغسطس 2011.

لا يجرؤ الكثير من اللاجئين هنا على مغادرة هذا المكان أثناء النهار. فقد أمضوا عدة أيَّام هربوا فيها من مدينتهم تاورغاء مجتازين الصحراء إلى طرابلس أثناء الحرب الأهلية؛ والخوف مازال يرافقهم.

"نحن نعيش مثل الحيوانات"

"نحن نعيش هنا مثل الحيوانات. ورغم ذلك فهم يريدون قتلنا"، هذا ما تقول المرأة المُسِنّة بلهجة مستاءة وهي تشير بالحطب باتجاه مصراته، وتعني بكلامها الثوار المقاتلين من أبناء مدينة مصراتة الواقعة على بعد مئتي كيلومتر إلى الشرق من العاصمة طرابلس.

لقد صنع الثوار من أبناء هذه المدينة الساحلية لأنفسهم اسمًا كأشجع معارضي معمر القذافي وسجلوا بطولات أثناء الثورة الدامية. ولكنهم منذ ذلك الحين يحتلون مرارًا وتكرارًا عناوين الصحف السلبية، وذلك بسبب مهاجمتهم للاجئين المنحدرين من تاورغاء الليبية وبسبب خطفهم وتعذيبهم لهم.

عدد من ثوار مصراتة. أ ب
نصر وكراهية وانتقام: لقد صنع الثوار من أبناء هذه المدينة الساحلية لأنفسهم اسمًا كأشجع معارضي معمر القذافي وسجلوا بطولات أثناء الثورة الدامية. ولكنهم منذ ذلك الحين يحتلون مرارًا وتكرارًا عناوين الصحف السلبية، وذلك بسبب مهاجمتهم للاجئين المنحدرين من تاورغاء الليبية وبسبب وخطفهم وتعذيبهم لهم.

​​

بعض اللاجئين تشبه أحوالهم حال الشاب فرج محمد ذي الأربعة والعشرين عامًا، الذي كان طالبًا في كلية الطب إلى حين اندلاع الثورة. ولكن قبل بضعة أشهر ألقى القبض عليه بعض المقاتلين من مصراتة أثناء تنقله في إحدى ضواحي طرابلس.

واحتجزه الخاطفون طيلة أسابيع في قبو، حيث كانوا يعذِّبوه بكابلات الكهرباء، ويقول وهو يعرض آثار التعذيب على جسده: "اتهموني بدعم نظام القذافي. يجب أن يعلم الثوار أنَّ الحرب قد انتهت".

من الجنة إلى مدينة أشباح

يعتبر الأشخاص ذوو البشرة السوداء من أكبر الخاسرين جراء الثورة الليبية. فتتم معاملتهم في كثير من الأماكن كأكباش فداء عن الجرائم التي اقترفتها ميليشيات القذافي ويشتبه بأنَّهم من المرتزقة الأفارقة الذين كانوا يقاتلون لصالح جيش القذافي، وشكَّلوا أثناء الحرب الأهلية قواته الخاصة الأكثر رعبًا وهيبة.

قبل الاضطرابات السياسية في ربيع عام 2011 كان أكثر من مليون شخص إفريقي من دول الساحل ومن غرب إفريقيا يعملون في ليبيا. لكن عددهم تراجع كثيرًا حالياً، بعد عودة الكثيرين منهم إلى بلادهم.

ولكن هذا الخيار غير متاح أمام الطالب فرج محمد، المواطن الليبي الذي وُلِد في ليبيا، فهو من أبناء قبيلة تاورغاء الذين تنحدر أصولهم من العبيد الأفارقة الذين حاؤوا في الماضي البعيد إلى خليج سرت واستقروا حتى اندلاع الحرب الأهلية على واحة تاورغاء، التي تحمل اسم قبيلتهم. كانت تاورغاء جنة لسكانها بما فيها من أشجار النخيل وبساتين الفاكهة ووفرة المياه الجوفية.

ولكن تاورغاء باتت الآن مدينة أشباح، فقد هدّم ثوار مصراتة بيوتها بالدبابات وأحرقوا شجر النخيل فيها. وكذلك تم تدمير جامعة تاورغاء التي افتُتحت في عام 2010. كما تم إتلاف لوحة المرور التي تحمل اسم تاورغاء وهي اليافطة التي كانت مرفوعةً على الطريق السريع المؤدي إلى المدينة.

"كيف يمكننا ألأّ ننتقم؟"

قبل اندلاع الثورة كانت العلاقات لا تزال سلمية بين كلّ من مدينة مصراتة ومدينة تاورغاء التي تقع على بعد أقل من ساعة بالسيارة جنوب مصراتة. لكن بعد بدء الثورة قام مرتزقة القذافي بالهجوم على مصراتة وفرضوا عليها حصارًا استمر عدة أشهر وسقط فيه عدة آلاف من أهالي مصراتة.

وحتى الآن ما تزال آثار الحرب واضحة على أجزاء كبيرة من هذه المدينة الساحلية. ويُحمِّل الثوار أهالي تاورغاء المسؤولية عن هذا القتل والدمار، ويتهمونهم بإيواء جنود القذافي لديهم، بل ويقول الثوار إنَّ أهالي تاورغاء شاركوا في جرائم الحرب التي ارتكبتها كتائب القذافي ومرتزقته. وفي هذا الصدد يقول الشاب علي، وهو من مقاتلي كتيبة نسور مصراتة متسائلاً: "لقد انتهك رجال تاورغاء حرمة نسائنا. فكيف يمكننا ألاّ ننتقم منهم؟".

لا يمكن التحقُّق تماماً من صحة هذه الاتهامات. ولكن المؤكَّد هو أنَّ ميليشيات مصراتة بدأت منذ ذلك الحين بمطاردة أهالي تاورغاء. وفي العام الماضي قال أحد جنرالات الثوار لصحيفة سانداي تلغراف إنَّ "تاورغاء لم تعُد موجودة، لا توجد الآن سوى مصراتة".

زد على كذلك أنَّ اللاجئين الذين تشرَّدوا من تاورغاء لا يأمَنون على حياتهم حتى في العاصمة طرابلس. حيث يقتحم أفراد الميليشيات مخيَّمات اللاجئين مرارًا وتكرارًا بحثاً عن الشباب. وقبل بضعة أشهر قُتل العديد من النساء والأطفال في واحدة من هذه الهجمات التي تتعرَّض لها مخيَّمات اللاجئين.

يوجد نحو 1300 شخص في عداد المفقودين من سكَّان تاورغاء الذين يبلغ عددهم 42 ألف نسمة، كما يقول عبد الرحمن شكشك، رئيس أحد مخيَّمات اللاجئين التي تديرها الأمم المتحدة في طرابلس. ويعتقد أنَّ معظم هؤلاء المفقودين موجودون في سجون التعذيب في مصراتة.

ويقول شكشك إنَّ اللاجئين والعمَّال الأجانب ذوي البشرة السوداء يتم استهدافهم باستمرار من قبل المقاتلين الذين شاركوا في الحرب ضدّ ميليشيات القذافي.

عبد الرحمن شكشك، رئيس أحد مخيَّمات اللاجئين التي تديرها الأمم المتَّحدة في طرابلس
يوجد نحو 1300 شخص في عداد المفقودين من سكَّان تاورغاء الذين يبلغ عددهم 42 ألف نسمة، كما يقول عبد الرحمن شكشك، رئيس أحد مخيَّمات اللاجئين التي تديرها الأمم المتحدة في طرابلس. ويعتقد أنَّ معظم هؤلاء المفقودين موجودون في سجون التعذيب في مصراتة.

​​انتقاد لأداء الحكومة

ومنذ شهر آب/ أغسطس 2012 تقوم الحكومة الجديدة بنشر جنود من أجل حراسة بعض المخيَّمات الموجودة في العاصمة. بيد أنَّ اللاجئين ما زالوا ينتظرون المساعدة القانونية حتى يومنا هذا.

ويقول فرج محمد مشتكيًا: "يتم عقابنا بشكل جماعي على أخطاء اقترفتها زمرة قليلة". ويضيف أنَّ الحكومة لا تبدي أيضًا أي اهتمام في إجراء عملية المصالحة التي اقترحها شيوخ قبائل تاورغاء.

وبالإضافة إلى ذلك يتَّهم الناس في مصراتة السلطة الجديدة بالفشل. ويقول رئيس دائرة المخابرات المحلية إنه قدَّم للحكومة في طرابلس قبل عدة أشهر قائمة تضم أسماء ثلاثة آلاف شخص مطلوب من تاورغاء.

ويضيف أنَّه ما يزال ينتظر الرد. كما أنَّ مقاتلي ميليشيات مصراتة يريدون الاستمرار في تنصيب أنفسهم قضاة وتنفيذ الأحكام من دون محاكم طالما لم يتلقّوا أية إستجابة من العاصمة.

 

ماركوس زومانك
ترجمة: رائد الباش
تحرير: علي المخلافي
حقوق النشر: قنطرة 2013

اقرأ أيضًا: موضوعات متعلقة من موقع قنطرة
اطبع المقال
أرسل المقال إلى صديق
إضافة تعليق
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : ثوار ليبيا في مصيدة الانتقام من مواطنيهم الأفارقة

تقرير سطحي يربط بين سواد البشرة ومشاكل تاورغاء, المشكلة فيما فعلوه وليس انهم سود البشرة التقرير يعكس ان الاوربيين المراسلين لايزالون متأثرين بقضايا تحرير العبيد في امريكا وغيرها.
كثير من الشعب الليبي ذو بشرة سمراء وسوداء ومعظم القبائل فيها ناس ذات بشرة سوداء ومنهم كذلك اولاد عم وخال لي, وليس لهذا الموضوع اي اهمية تذكر وغبي من يربط سواد البشرة او حتى من يذكره لانه موضوع تافه.
اذكر ان الليبين يقولون على من هو صاحب بشرة سوداء "عبيد" وفي وجهه وهذا تعبير للون وليس للمعنى, وهذا شئ شعبي شائع ومن بقايا فترة الاستعباد والان رغم استخدامه لااحد يكترث للفظ لان لاتوجد حساسية اصلا منه حتى ان بعض غير الليبيين يستغرب هذا الاعتياد العجيب.

فعلا المرء عدو ما يجهل ويبدو ان بعض الصحفيين يخلطون الحابل بالنابل وربما اكثر.

علي الزناتي20.01.2013 | 02:17 Uhr