ضرورة تطوير علاقات تبادلية بين دول وطنية

ومن وجهة نظر عربية مُستقبلية تتركز الرغبة في التعامل مع إيران كدول وطنية، ومع الأطراف الداخلية التي تعبر عن هذه الإيران على حساب إيران التوسعية والإمبراطورية سواء أكانت الدينية أم الفارسية. وتنامي واستقراء إيران الدولة الوطنية وترسخها مقابل الهويات الأخرى من الأسس الضرورية لبسط مساحات التعاون الإقليمي المستقبلي. ذلك ان إيران الهويات الأخرى الدينية والإمبرطورية لا تعرفان على وجه التحديد ما الذي تريدانه بعيداً عن الشعارات الكبرى والإحساس بالمجد والتفوق على الآخرين. في المقابل، يمكننا تصور أن الدولة الوطنية الإيرانية أكثر عقلانية وإدراكاً لما تريد كالأمن والاستقرار والاقتصاد والتنمية، وهذا بالإمكان ترجمته عبر تعاون إقليمي ودور فاعل في المنطقة من دون أن يكونا مصحوبين بالنفوذ والسيطرة، وهذه الأهداف مشروعة وهي الأهداف نفسها التي تريد الدول العربية ودول الخليج تحقيقها لنفسها.

الكاتب والمحلل السياسي خالد الحروب يعد من أهم الأكاديميين العرب المتابعين لتطورات السياسة الدولية وتداعياتها على المنطقة العربية. هذا المقال هو مداخلة شارك فيها الحروب في ندوة "منطقة الخليج العربي والتحديات الإقليمية"، بتنظيم النادي الثقافي، مسقط ١٥ آذار (مارس) 2007.
الكاتب والمحلل السياسي خالد الحروب يعد من أهم الأكاديميين العرب المتابعين لتطورات السياسة الدولية وتداعياتها على المنطقة العربية. هذا المقال هو مداخلة شارك فيها الحروب في ندوة "منطقة الخليج العربي والتحديات الإقليمية"، بتنظيم النادي الثقافي، مسقط ١٥ آذار (مارس) 2007.

عند تناول السؤال نفسه حول تعريف وهوية الدولة في منطقة الخليج العربي، يمكن القول إن ليس ثمة التباس هنا، ذلك ان تعريف هذه الدول لذاتها أو هويتها السياسية (بخلاف حالة إيران)، قائم وبوضوح وصرامة على فكرة الدولة الوطنية. ليس هناك أيديولوجيا توسعية لا دينية ولا قومية. التيارات السلفية الجهادية وغير الجهادية منها تتحرك في أغلب الحالات على الضد من الدول الوطنية، وأحياناً كثيرة تهاجمها. كما ان القومية العربية ليست لها فاعلية تذكر في تحديد الهوية السياسية لهذه الدول. وتدرك هذه الدول أنها لا تريد مواجهة إيران ثلاثية الأبعاد: الشيعية، والقومية، والدولة الوطنية، كما انها في حالة توازن غير متماثل معها من ناحية القوة العسكرية وربما النووية.

لكن هذا لا يعني أن ميزان القوى العسكري محسوم لمصلحة إيران، إذ من المعروف أن عقود الحصار العسكري والاقتصادي أنهكت المؤسسة العسكرية كما أنهكت الاقتصاد الإيراني. لكن المحصلة النهائية الراهنة هي وجود القدرة والإمكان على الانخراط في صراعات استنزاف طويلة الأمد، مدمرة للطرفين معاً.

من أجل ذلك وبسببه من المهم دفع العلاقة العربية - الإيرانية الى مربع العلاقات التبادلية بين دول وطنية، وليس بين دول وطنية ودولة إمبرطورية أو توسعية. ورغم أن هذا الكلام يبدو حالماً وطوباوياً، لكنه في الجوهر سياسي وبراغماتي ومُمكن، لأنه يطرح السيناريو الوحيد الذي يمكن أن ينأى بالمنطقة كلها من دمار شامل وطويل الأمد. في قلب هذا السيناريو الإقرار المتبادل بالحفاظ على السيادات وتأسيس علاقات اقتصادية تقود البلدان إلى استقرار وتنمية في الخليج وفي إيران لأن غياب التنمية وإنهاك الاقتصاد لا يعنيان إلا بروز سياسات راديكالية وتطرف يدمر الذات والآخرين. ليس من مصلحة العرب وجود إيران، كدولة وطنية، منهكة داخلياً ومحطمة اقتصادياً ومُنتجة للتطرف والأفكار التوسعية. وليس من مصلحة إيران دمار الجوار العربي في العراق والخليج واليمن لأن هذا أيضاً معناه تناسل التطرف الديني والطائفي إلى ما لا نهاية. من مصلحة الطرفين اللجوء إلى منطق الدولة الوطنية التي تكبح جماح تطرفها، وتنزع نحو المصلحة المشتركة مع الجوار.

لا يبلغ العداء الحالي بين إيران والخليج العربي عشر العداء الألماني - الفرنسي ولا الألماني - البريطاني عقب الحربين العالميتين الأولى والثانية، واللتين خلفتا أكثر من مئة مليون قتيل. ومع ذلك وبعد سنوات قليلة من انتهاء الحرب، انخرطت هذه الدول في نظام تعاون إقليمي اقتصادي وأمني على قاعدة المصالح المشتركة، وعلى قاعدة تقديم تنازلات كبيرة، وإنهاء مزاعم ورغبات النفوذ والسيطرة.

وكانت النتيجة هي قيام اكبر كتلة اقتصادية فعالة في العالم هي الاتحاد الأوروبي. الدرس الأوروبي يقدم لنا مثالاً جذاباً وجديراً بالتأمل العميق في تحويل العداء إلى علاقة تعاون. ما يواجهه العرب وإيران واحد من مسارين: الاستمرار في التدمير المشترك، أو الانطلاق نحو التعاون.

 

 

خالد الحروب

حقوق النشر: قنطرة 2018

* كاتب وأكاديمي عربي - مداخلة في ندوة «منطقة الخليج العربي والتحديات الإقليمية»، بتنظيم النادي الثقافي، مسقط ١٥ آذار (مارس) ٢٠١٧

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.