العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية

حوار عربي يهودي حتى في أوقات الحروب والنزاعات

تعتبر المدن العربية في إسرائيل مثل يافا والطيرة خير دليل على تعايش اليهود والعرب في علاقة حسن جوار. ولكن منذ حرب غزة تفاقمت الخلافات وازداد الشك والريبة بين الطرفين. ومع ذلك فإن هناك بعض المنظمات غير الحكومية التي تصرّ الآن أكثر من أي وقت مضى على التزامها بالحوار. أولريكه شلايشر تسلط الضوء لموقع قنطرة على العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية.

استغرق تحسين العلاقات بين اليهود والعرب في داخل إسرائيل أعوامًا كثيرة من العمل الشاق كما أنَّ بنية هذه العلاقات لا تزال حساسة وهشة مثل ذي قبل: وباتت هذه العلاقات مهدّدة بالانهيار، وذلك بسبب الأحداث التي وقعت عام - من قتل المراهقين اليهود الثلاثة وقتل الفتى الفلسطيني وكذلك الحرب الدموية في غزة عام 2014.

هناك -مثلاً في حيفا والناصرة ويافا- حيث كانت على الأقل علاقة حسن الجوار أمرًا ممكنًا، ازدادت الريبة والرفض لدى كلا الطرفين. ونجمت عن ذلك عواقب متعدّدة، تمتد من الأضرار الاقتصادية الناتجة عن المقاطعة، إلى فقدان الوظائف، والمضايقات على شبكة الإنترنت، وكذلك العنف الجسدي وحتى التدخّلات في حياة الناس الخاصة.

تمثّل هذه الصورة في أحد شوارع يافا -المدينة العربية التي يبلغ عمرها آلاف السنين وتعتبر اليوم ضاحية من ضواحي تل أبيب- جزءًا من الحياة اليومية: حيث يقف الناس في طوابير أمام مطعم "أبو كارافان" الصغير. ويعود سبب ذلك إلى الحُمُّص الذي يبيعه ويعتبر بمختلف أشكاله وأصنافه "الأفضل في جميع أنحاء الكون": لذلك يأتيه الناس من أي مكان مهما كان بعيدًا عنه.

أسواق فارغة ومقاطعة اليهود للمحلات العربية

ولكن المقاعد في هذا المطعم أصبحت فارغة وصار العاملون فيه يجلسون أمام بابه ويدخّنون السجائر، بدلاً من انهماكهم في تقديم الحمص للزبائن. يقول أحدهم: "لم يعد اليهود يأتون بالكاد". وهذه الحالة ليست فقط في مطعم أبو كارافان في يافا: من الممكن ملاحظة أوضاع مشابهة أيضًا في بلدة أبو غوش بالقرب من القدس، وفي مدينة الناصرة  الواقعة في الشمال أو في بلدة الطيرة الواقعة في داخل البلاد -ففي كلّ مكان يشعر رجال الأعمال العرب حاليًا برفض الزبائن اليهود ومقاطعتهم للمحلات العربية.

وفي بلدة الطيرة على سبيل المثال كانت المحلات في السابق تشهد الكثير من العمل والنشاط خاصة في أيَّام السبت، عندما تكون المحلات في المناطق الأخرى داخل إسرائيل مغلقة. كان يأتي الكثيرون من اليهود لشراء حاجاتهم من السوق في الشارع الرئيسي ومن ثم لتناول الطعام. أمَّا الآن فقد أصبحت الشوارع خالية، وتراجعت المبيعات تمامًا، مثلما يقول أبو حسن حسني، وهو صاحب مطعم في الطيرة. ونتيجة لذلك لم تعد تقام السوق هناك. وهذا يجعل مزاج صاحب المطعم أبي حسن حسني يتأرجح بين الغضب والإحباط. فهو يشعر بخيبة أمل من السكان اليهود، ويقول: "أنا أعرف الكثيرين من الزبائن اليهود منذ عشرين عامًا". ثم يضيف: "لكنهم الآن يتخلون عني". 

Unterstützer des Hochzeitspaares Morel Malka und Mahmoud Masur; Foto: Reuters
الزواج باعتباره سببًا للتشهير والسباب - منذ أن أعلنت الشابة اليهودية المولد موريل مالكا اعتناقها الإسلام، لتتزوّج من الشاب محمود ماسور، بدأ استهداف هذين الزوجين من قبل المتطرّفين اليهود، الذين يعارضون الزواج المختلط. ومع ذلك كان هناك مؤيّدون لزواج هذين الزوجين، مثلما نشاهد في هذه الصورة لوقفة تضامنية في مدينة ريشون لتسيون.

يقول أبو حسن إنَّ بوسعه أن يفهم أنَّ الكثيرين من اليهود لم يعودوا يأتون، ببساطة بسبب خوفهم. فالمواطنون العرب في الطيرة لم يتظاهروا فقط -مثلما هي الحال أيضًا في المدن والبلدات العربية الأخرى- ضدّ أعمال الإسرائيليين في الضفة الغربية وقطاع غزة، بل لقد حدثت أيضًا اعتداءات وأعمال عنف ضدّ اليهود: على سبيل المثال في بلدة قلنسوة، حيث كاد يتم إعدام سائق سيارة يهودي.

اشتباه عام بالعرب

غير أنَّ هذا الاشتباه العام الذي يثقل على كاهل المواطنين العرب هو ما يثير غضب أبي حسن حسني، الذي يرجع سبب ذلك إلى السياسيين الإسرائيليين الذين يحرّضون على العنصرية، مثل وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان. لقد دعا هذا الأخير إلى مقاطعة المحلات العربية، التي شارك أصحابها في الإضراب في نهاية شهر تموز/ يوليو 2014 تضامنًا مع أبناء شعبهم الفلسطينيين في قطاع غزة.

كذلك تترك التوترات تأثيراتها في الحياة اليومية. على سبيل المثال تقول نينا ماجوريك، وهي طبيبة وباحثة متخصصة في مرض السرطان في القدس، إنَّ زملاءها الفلسطينيين في المستشفى لم يعودوا يجرؤون إلا نادرًا على الحديث أثناء العمل باللغة العربية، وتضيف أنَّ هناك شابة فلسطينية تعرّضت "لنزع حجابها من فوق رأسها".

وفي هذا الصدد تقول الدكتورة نينا ماجوريك: "لم تعد لدي أية كلمات لوصف ما يحدث الآن في إسرائيل". وتضيف أنَّها تشعر بالاستياء والاشمئزاز، خاصة لأنَّ هذه المواقف أصبحت مقبولة للغاية في المجتمع الإسرائيلي.

توسيع دائرة المعركة

وكذلك تدور الحرب بين كلا الشعبين في وسائل الإعلام الاجتماعية. صحيح أنَّه قد تم إغلاق صفحة الفيسبوك التي دعت للانتقام لمقتل المراهقين اليهود الثلاثة؛ ولكن في المقابل توجد صفحات أخرى، يعبّر فيها - غالبًا شباب في مقتبل العمر من كلا الطرفين - عن كراهيتهم وحقدهم من دون أية عوائق: وهكذا يهتف الشباب ويبتهجون على هذا الطرف عند سقوط قتلى من الطرف الآخر.

ولكن مع ذلك فقد بلغ الصراع ذروته، بحيث تم تحويل حتى حفل زفاف إلى منبر للدعاية العنصرية: فمنذ أن أعلنت الشابة اليهودية المولد موريل مالكا اعتنقها الإسلام، لكي تتزوّج من الشاب محمود ماسور، بدأ استهداف الزوجين من قبل المتطرّفين اليهود، الذين يعارضون الزواج المختلط. تلقى هذان الزوجان تهديدات بالقتل، واضطرا إلى تغيير أرقام هواتفهما وحسابات البريد الإلكتروني الخاصة بهما. 

Ibrahim Abu Shandi vom Gemeindezentrum in Jaffa in seinem Büro; Foto: Ulrike Schleicher
ناشط عربي في إسرائيل يبذل كلّ ما في وسعه من أجل تعزيز الحوار بين الإسرائيليين والفلسطينيين - يكافح السيد إبراهيم أبو شندي، رئيس المركز الجماهيري العربي اليهودي في مدينة يافا، منذ أعوام عديدة من أجل التعايش بين الشعبين.

وفي آخر المطاف كان لا بدّ من إقامة حفل زفافهما يوم 18 / 08 / 2014 داخل قاعة المحكمة وتحت حماية الشرطة. وفي المقابل سُمح للمتطرّفين اليمينيين اليهود بالتظاهر على بعد مائتي متر من مبنى المحكمة. لقد استنكر الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين التحريض ضدّ هذين الزوجين الشابين. وقال إنَّهما يتمتّعان بكلّ "الحريات في دولة ديمقراطية".

صمت السياسيين الإسرائيليين

ومع الأسف لا يزال معظم السياسيين الإسرائيليين صامتين حول هذه الأحداث - وهم "يوافقون بالتالي على ذلك"، بحسب قول إبراهيم أبو شندي، رئيس المركز الجماهيري العربي اليهودي في مدينة يافا. يُذكّر إبراهيم أبو شندي بأنَّ المزاج العام السائد بين اليهود والعرب كان يتدهور في كلّ حرب تدور بين الطرفين، ويقول: "لكن في هذه المرة وقعت أيضًا أعمال عنف جسدي".

ومع ذلك فإنَّ إبراهيم أبو شندي، الذي عمل في السابق في مجال الخدمات الاجتماعية، لا يزال متفائلاً ويكافح -على الرغم من جميع الانتكاسات- منذ أعوام عديدة من أجل تعارف كلا الشعبين بعضهما على بعض بشكل أفضل. لذلك يعدّ المركز الجماهيري، الذي تم تأسيسه في عام 1994، عزيزًا جدًا على قلبه. وحول نشاط هذا المركز يقول: "نحن نجمع هناك بين الصفوف المدرسية - بين النساء وكذلك الرجال من كلا الشعبين، ونحاول إقناع الأشخاص غير المقتنعين أيضًا".

تتصدّر أعمال المركز الجماهيري العربي اليهودي مشاريع طويلة الأجل، وذلك "لأنَّ هذه المشاريع هي وحدها المجدية في القضاء على الأحكام المسبقة"، مثلما يقول إبراهيم أبو شندي. ومبدأه الأساسي بحسب قوله: "يجب علينا أن ندرك أنَّنا نجلس جميعنا في قارب واحد ولا يمكننا السيطرة عليه إلاَّ من خلال عملنا الجماعي".

وإبراهيم أبو شندي ليس الشخص الوحيد الذي يرفض الاستسلام. فبالتعاون مع أودي كوهين، المدير العام لمنتدى الوفاق المدني العربي اليهودي، نظّم مؤخرًا فعالية جمع فيها حول طاولة واحدة حاخامات يهودًا وأئمة مسلمين، ويهودًا وعربًا علمانيين ومتديّنين، ومثقّفين وعمّالاً وأطرافًا سياسية من جميع الألوان. عكس موضوع هذا اللقاء الاهتمام المشترك بين اليهود والعرب، الذي يتمثّل في عدم قبول حالة الحرب مهما كانت الظروف. وكان عنوان هذه الفعالية: "اليوم التالي للحرب -اليهود والعرب في إسرائيل: ماذا يمكننا أن نفعل؟"

 

أولريكه شلايشر

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: قنطرة 2014

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : حوار عربي يهودي حتى في أوقات الحروب والنزاعات

المسألة بسيطة: من الصعب أن تكون أكثريّة متسامحة مع أقليّة إن كان وعي الأكثريّة لنفسها هو ذاته أقلوي، خائف، لا ثقة لديه في محيطه ولديه خشيّة دائمة على وجوده، لذلك حتى في ا,روبا نجد أنّ جوهر خطاب اليمين الشعبوي، العنصري، قائم على جعل الأكثرية تفقد ثقتها بكثرتها ويسعى لاختراع أو تعميق شعور عام بأنّها تتحول إلى أقليّة أو حتى تلغي نفسها: سارازين مثلاً.
المشكلة، في اسرائيل، أنّ هذا الوعي الأقلوي ليس زائفاً يجانب الحقيقة ويمكن تذويبه بالديمقراطيّة، وإنما هو مطابق للواقع. ومثل مبادرات الوفاق هذه، على حُسن نواياها، تبقى هزيلة وهشّة تداعب رومانسيّات ولا حيلة لها في الاشتباك مع الأزمة المؤسسّة لكل هذه العنصريّة.

يوسف12.10.2014 | 02:14 Uhr

بداية اشكركم على هذا الموقع والمواضيع اللتي تطرحونها من خلاله. بخصوص العلاقات العربية-اليهودية في اسرائيل، هنالك تراجع كبير كما ذكرتم في المقال. الا ان الكثيرين ممن صمتوا لا يريدون الاستمرار بصمتهم. هنالك مبادرات ولقاءات نقوم بها في منطقة وادي عارة، يهودا وعربا، دفاعا عن العيش المشترك وبالاساس دفاعا عن الديموقراطية. فقد شعرنا بأن التراجع الحاصل منذ الحرب الاخيرة على غزة، ما هو الا تفاقم لازمة قائمة منذ سنين عديدة. نحن نرى بأن مظاهر الفاشية الآخذة بالازدياد تسيء الينا جميعا، يهودا وعربا، ونريد ان نعمل سوية للحد منها. ما زال لدينا أمل!

د. حسام مصالحه08.11.2014 | 00:14 Uhr