الاندماج في ألمانيا

"المهاجر في ألمانيا تخطّى طور المراهقة إلى مرحلة الرشد"

يرى البروفيسور علاء الدين المفعلاني، أستاذ العلوم السياسية في جامعة العلوم التطبيقية في مدينة مونستر الألمانية، في تعليقه التالي أن الخطاب الألماني العام يغفل نجاح المهاجرين، إذ كلما ازداد عدد المهاجرين الناجحين في قطاع التعليم وسوق العمل ازداد الالتفات إلى اختلافهم، فمثلاً لا ينشأ أي جدل حول الحجاب إلا حين تُقدِم أكاديميات مرتديات للحجاب على العمل في مناصب ألمانية رفيعة. ويرى أن الاندماج الناجح يعني مساهمة المهاجرين بكل استقلال وثقة بالذات في تحديد مصير ألمانيا.

هل كان اندماج المواطنين الأجانب في ألمانيا قبل 15 عامًا أو حتى قبل 30 عامًا أفضل مما هو عليه اليوم؟ لا. صحيح أنَّ المهاجرين وأطفالهم في قطاع التعليم وكذلك في سوق العمل لا يزالون بعيدين كلّ البعد عمن يعرفون باسم "الألمان البيولوجيين"، ولكننا نشاهد اليوم في جميع فروع المهن أشخاصًا ناجحين من أصول مهاجرة. لذلك فهم لم يعودوا مستثنين منذ فترة طويلة.

قبل عشرة أعوام كان هذا أمرًا لا يمكن تصوّره. ولكن عامًا تلو الآخر تحسّنت فرص المشاركة بشكل ملحوظ، وحتى بالنسبة لفئة المهاجرين ذوي الأصول التركية، الأمر الذي لا يعود في آخر المطاف إلى خدمات الاندماج السياسية والاجتماعية. ولكن في الوقت نفسه ثمة تصوّر معارض تمامًا يعمل على تحديد الخطاب العام في ألمانيا. فكيف يمكن تفسير ذلك؟

بين الارتياب من الهجرة و"الاعجاب بتعدّد الثقافات"

حتى فترة التسعينيات كان ينتشر تصوّران مثاليان متنافسان: كان التصوّر الأوّل يبشّر بأنَّ ألمانيا لا تُعتَبر بالتأكيد بلد هجرة - بل يجب على العمال الوافدين العودة إلى وطنهم أو أن يتحوّلوا من خلال قوى اندماج غير مرئية إلى ألمان. أمَّا أتباع التصوّر المثالي الثاني فقد كانوا يمارسون نوعًا من "الاعجاب بتعدّد الثقافات" وكان ينظر فيه إلى التنوّع الثقافي تحت سقف واحد باعتباره من حيث المبدأ شيئًا رائعًا.

وصول عمال وافدين من تركيا بتاريخ 27 / 11 / 1961 إلى مطار مدينة دوسلدورف الألمانية. Foto: dpa/picture-alliance
جاؤوا من أجل البقاء - صورة لوصول عمال وافدين من تركيا بتاريخ 27 / 11 / 1961 إلى مطار مدينة دوسلدورف الألمانية. كانوا أوّل الوافدين من تركيا من ضمن مجموعة عمال مناجم عددهم 400 عامل جاؤوا بعقود عمل لعام واحد فقط للعمل في المناجم في ألمانيا.


صحيح أنَّ هذين الموقفين مختلفان اختلافًا شديدًا جدًا، ولكنهما متطابقان أيضًا في بعض النقاط المركزية. والتوافق بينهما كان يكمن في البداية أولاً في عدم ضرورة فعل أي شيء من أجل دمج المهاجرين، وثانيًا في عدم حاجة ما يطلق عليه اسم مجتمع الأغلبية إلى تغيير ذاته. وثالثًا لقد كان يفترض كلا الموقفين أنَّ المجتمع الخالي من الصراعات يمثّل وفي وئام وانسجام المثل الأعلى. والفكرة الأخيرة على وجه الخصوص لا تزال لها آثار عميقة.

لكن مع بداية الألفية الجديدة تقريبًا، تغيّرت هذه التصوّرات المثالية. إذ غلب وعي مفاده أنَّ ألمانيا بلد هجرة. وبذلك كان من الواضح للجميع أنَّ هناك حاجة إلى سياسة اندماج فعّالة. وهكذا تم تنظيم الحوار بين الأديان وقمة للاندماج، بالإضافة إلى تعيين مفوّض لشؤون الهجرة والاندماج، وكذك منح جوائز عن الاندماج وإطلاق حملات تثقيف.

بالإضافة إلى ذلك فقد بات من الواضح على الصعيد السياسي وبشكل متزايد أنَّ المجتمع لم يتغيَّر وحسب في الأعوام الخمسين الماضية، بل كذلك سوف يستمر في تغيّره. ونتيجة لذلك فقد تطوّرت أمور كثيرة جدًا في وقت قصير جدًا تطوّرًا إيجابيًا.

وأمَّا سبب عرض هذا الواقع حتى الآن في الخطاب العام بصورة مختلفة، فهذا ما يمكن تفسيره من ناحية بسبب الأزمات العديدة التي وقعت بين عامي 2001 و2011، وكذلك من ناحية أخرى بسبب الفكرة الرومانسية الساذجة التي لا تزال سائدة حول مجتمعات الهجرة المتناغمة .

زيادة حدة الخطاب العام

تم البدء بسياسة الاندماج التي تأخر انتظارها، وكذلك بأوَّل حوار تم خوضه بصورة علنية حول الهجرة والاندماج في هذا العقد بالذات المليء بالأخطاء، في كلّ من السياسة التعليمية والاجتماعية الأوروبية - أخطاء لا علاقة كبيرة لها مع الهجرة. ففي عام 2001 شهدت ألمانيا، أرض الشعراء والمفكرين، صدمة بيزا (بعد الإعلان في دراسة بيزا عن تدني مستوى التلاميذ والطلبة الألمان). ومنذ عام 2005 أصبح مصطلح هارتز أربعة (أي المساعدات الاجتماعية للعاطلين عن العمل) رمزًا يشير إلى تفكيك الدولة الراعية للرفاه الاجتماعي. وفي عام 2007 بدأت أزمة أُطلق عليها في البداية اسم أزمة السوق المالية، ثم صارت تعرف فيما بعد في عام 2010 بأزمة اليورو أو أزمة الاتّحاد الأوروبي. وباتت الرؤية المستقبلية لأوروبا تفقد بريقها؛ كما أصبح الماضي والحاضر والمستقبل متأزمًا.

من الجدير ملاحظته أنَّ وضع ألمانيا الاقتصادي الممتاز لا يفيد كثيرًا. فقد صدر في النصف الثاني من عام 2010 كتاب تيلو ساراتسين الذي يحمل عنوان "ألمانيا تلغي نفسها". ولأكثر من عقد من الزمن تكوّنت بعض التوتّرات التي انفجرت بشدة في النقاش الذي أثاره ساراتسين.

وفي الحقبة الزمنية نفسها ارتكبت الجماعات الإسلاموية وكذلك أيضًا الإرهابية اليمينية المتطرفة جرائمها. ومنذ عام 2000 صار يزداد وبسبب الثورة الرقمية ضغط التنافس بين وسائل الإعلام، وهذا يؤدّي إلى زيادة الاستقطاب في التغطية الإعلامية. وكلّ هذا ساهم في زيادة حدة الخطاب العام. وبالتالي يمكن فهم أسباب هذا الارتباك والإرهاق والخوف الثقافي - إذ تصدّعت الكثير من الصور الذاتية الإيجابية الخاصة بمجتمع الأغلبية.

نهاية الرومانسية؟

بالإضافة إلى ذلك لا يزال الرأي العام يتمسك مثل ذي قبل بفكرة مفادها أنَّ سياسة الاندماج الناجحة تؤدّي إلى مجتمع متناغم. ولكن هذه الفرضية تعزّز وباستمرار التناقض بين الاندماج الملموس وبين تصوّرات الحياة اليومية. ذلك لأنَّه كلما ازداد عدد المهاجرين الناجحين في اندماجهم داخل قطاع التعليم وفي مشاركتهم في سوق العمل، ازداد أيضًا النظر إلى غرابتهم. وعندما تزداد رؤية النساء المحجبات أكثر من قبل، فهذا لا يعود إلى زيادة عدد المحجبات، فلا ينشأ هنا أي جدل حول الحجاب إلاَّ عندما تُقدِم الطالبات أو الأكاديميات على ارتداء الحجاب ويردن العمل في مناصب رفيعة.

 رئيس الجالية التركية في ألمانيا كنان كولات. Foto: dpa/picture-alliance
شركاء في الحوار السياسي - رئيس الجالية التركية في ألمانيا، كنان كولات، يعرض في المؤتمر الصحفي الألماني الاتّحادي في برلين في 2013/05/27 على ممثّلي وسائل الإعلام مسوّدة مشروع قانون من أجل تعزيز مشاركة المهاجرين في الحياة السياسية.

وفي حين كانت كلاوديا روت لا تزال قبل بضعة أعوام المدافعة عن مصالح بعض الأقليات، صار يدافع اليوم عن هذه المصالح أشخاص مثل كنان كوليت أو أيمن مزيك. صحيح أنَّهم يمارسون التأثير السياسي بأسلوب ألماني، لكن بحسب آرائهم الخاصة. وهذا هو الاندماج تمامًا مثل حقيقة أنَّ المذيعة المستقبلية التي تقدّم النشرة اليومية وكذلك وزيرة الدولة لشؤون الاندماج الحالية هما من أبناء عمال مهاجرين ذوي أصول تركية.

لا تزداد النزاعات حول التوزيع والمصالح من دون سبب، بل بسبب الاندماج الناجح، وذلك بسبب زيادة عدد الأشخاص الذين يريدون ويستطيعون المشاركة. ولا تمكن ملاحظة الاندماج الناجح على وجه التحديد في كون المهاجرين يتركون الآخرين يملون عليهم كيف يجب عليهم أن يعيشوا حياتهم، بل في كونهم يساهمون بكلّ استقلال وثقة بالذات في تحديد مستقبل البلاد، ويعبّرون عن مطالبهم ومعارضتهم. ومن الممكن أن تؤدّي النزاعات الناجمة عن ذلك - إذا كانت تسير بصورة بناءة، إلى تقدّم اجتماعي.

مجتمع المهاجرين في ألمانيا يبلغ سن الرشد، صحيح أنَّ سن المراهقة مرحلة غير خالية من النزاعات، ولكنها مرحلة مهمة. ومن لديه أطفال يستطيع غناء أغنية عن ذلك. ولكن يبدو في الوقت الراهن قبل كلّ شيء أنَّ الرفاه المتناغم يمثّل حاجة شديدة في البلاد - وليس من دون سبب تحمل المستشارة المصون (أنغيلا ميركل) لقب "مامي".

 

علاء الدين المفعلاني

ترجمة: رائد الباش

تحرير: علي المخلافي

حقوق النشر: قنطرة 2014

 

يعمل علاء الدين المفعلاني أستاذًا للعلوم السياسية في جامعة العلوم التطبيقية في مدينة مونستر الألمانية.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : "المهاجر في ألمانيا تخطّى طور المراهقة إلى مرحلة الرشد"

مرحبا للجميع وللاستاذةعلاءةخاصة استاذ العلوم السياسية حقيقة رايكم صواب جدا وانت تتخطى من حدود القلم الى ارض الواقع في تحليلك وجهة نظرك وانا احببت ان اتواصل مع جنابك .انا من العراق وكنت في جامعة بغداد وعملت في احدى المحاكم لاني كنت في كلية الحقوق ولدي خبرة كبيرة جدا باوظاع ومشاكل الاجيين ولدي بعض الخبرات بخصوص الاجانب وطرق التعامل معهم ويمكن ان نتواصل عبر الايميل وشكرا.

نعيم جعفر23.02.2016 | 10:52 Uhr