قصص وأعمال درامية تحت مقص الرقابة الإيرانية
الرقابة في إيران:

قصص وأعمال درامية تحت مقص الرقابة الإيرانية

تركت عقود القمع والاضطهاد التي يعيشها الكتَّاب المستقلون في إيران وكذلك ترسيخ الثقافة الرسمية الموحَّدة بصماتها على الكتَّاب هناك، حيث تزداد في أجواء الخوف المنتشر على نطاق واسع في البلاد الرقابة الذاتية خاصة بين الكتَّاب الإيرانيين الشباب. وكذلك ما يزال جهاز الرقابة قادرًا على العمل وفرض الرقابة الشاملة بوسائل أكثر مهنية وأكثر تقييدًا. فرج سركوهي يسلِّط الضوء على أوضاع الكتَّاب في إيران.

ظلّ الإيرانيون محرومين منذ أكثر من مائة عام من حقِّهم في التعبير عن الرأي وامتلاك وسائل إعلام مستقلة وتكوين أحزاب سياسية أو نقابات مهنية. وهكذا تحوَّل الأدب والفنّ إلى وسيلة للتعبير عن انتقاداتهم وآمالهم واكتسب بذلك الكتَّاب والفنَّانون وغيرهم من المبدعين المؤثِّرين مكانة هامة في داخل المجتمع الإيراني. ولكن لقد أدَّت الرقابة والرقابة الذاتية وكذلك اختلاف الأجيال في العقدين الأخيرين إلى زوال هذه المكانة كلّها تقريبًا.

قيَّمت قبل بضعة أسابيع وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي مسرحية "الأم شجاعة وأولادها" للكاتب الألماني برتولت بريشت على أنَّها مسرحية بذيئة من الناحية الأخلاقية. وتقريبًا في الوقت نفسه كان يقوم برنامج تحكم جديد طوّرته الجهات الرسمية بحذف عبارة "برنامج أنتي فلتر" من الفتوى التي أصدرها المرشد العام للثورة الإسلامية علي خامنئي وكانت موجودة على موقعه الرسمي على شبكة الإنترنت. ولكن كيف يتَّفق حدوث ذلك؟

معايير الرقابة


الصورة فارس
الرقابة في كلِّ مكان وزمان - تقوم في إيران شرطة الإنترنت منذ شهر شباط/فبراير 2011 بإجبار أصحاب مقاهي الإنترنت على وضع كاميرات مراقبة وتسجل بيانات مستخدمي الإنترنت. "يحاول النظام بمثل هذه الوسائل زيادة أجواء الخوف لخنق أية احتجاجات في مهدها" حسب تقرير لمنظمة العفو الدولية

​​

ليس جديدًا في إيران أن يتم حظر بعض الأعمال المهمة التي تخالف معايير جمهورية إيران الإسلامية. وكذلك في كلِّ يتم يوم خوض المعركة الافتراضية على مواقع الشبكة العنكبوتية الفارسية بين فلترة المواقع وحجبها على شبكة الإنترنت من قبل ممثِّلي الجمهورية الإسلامية وبين استخدام البرامج التي تمنع الفلترة من قبل مختلف مستخدمي شبكة الإنترنت الإيرانيين. ومنذ بضعة أعوام تملك أجهزة الرقابة في جمهورية إيران الإسلامية برامج تحكم تقوم بحذف العبارات غير المشروعة والممنوعة من دون مراعاة المعنى في سياق الكلام أو تستبدلها بعبارات مشروعة. وعبارة "برامج أنتي فلتر" تعتبر واحدة من الكلمات المحظورة. حرَّمت فتوى خامنئي استخدام "برامج أنتي الفلترة" على المواطنين وأباحت استخدامها فقط لموظَّفين معيَّنين وثم قام برنامج التحكم بحدف هذه العبارة من الفتوى واستبدلها بثلاث نقاط.

وبعد ساعات قليلة لاحظ القائمون على تشغيل الموقع الرسمي الخاص بالمرشد الأعلى للثورة الإسلامية أنَّهم من خلال حذف هذه العبارات تدخَّلوا في الفتوى الصادرة عن أعلى سلطة سياسية في الجمهورية الإسلامية وسارعوا إلى التراجع عن هذه الخطوة. ولكن هذه الساعات القليلة كانت كافية لانتشار الكثير من النكات بين الناس حول هذا الأمر وحول سخافات جهاز الرقابة.

سلطة الرقباء المطلقة


صادق هدايت
على القائمة السوداء في وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي - يعدّ الكاتب الإيراني الكبير صادق هدايت الذي يتم تكريمه أحيانًا باسم "كافكا إيران" مؤسَّس الأدب الإيراني المعاصر.

​​

وبرنامج التحكم هذه مثبَّيتة أيضًا في أجهزة الكمبيوتر الموجودة لدى "قسم مراجعة الكتب" في وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي بغية تسهيل عمل موظَّفي الرقابة وتسريعه. حيث يتعيَّن عرض كلِّ كتاب - سواء كان رواية أو ديوان شعر أو من الأدب الكلاسيكي أو من الكتب الدينية أو حتى الكتب المدرسية والجامعية - على هذه الدائرة حتى يتم تقييمه قبل نشره من قبل موظَّفي الرقابة الذين يعرفون رسميًا باسم "المراجعين". ولا يمكن من دون الحصول على إذن من هذه الدائرة نشر أي كتاب مهما كان وحتى لو كان القرآن الكريم. وعندما يتعلَّق الأمر بالكتَّاب الإيرانيين أو غير الإيرانيين المدرجين في إيران على قوائم الأعمال الممنوع نشرها عامة أو الكتب الممنوعة فعندها يكون عمل هؤلاء "المراجعين" سهلاً. وعلى هذه القوائم الطويلة توجد عدة أسماء مختلفة للكاتب صادق هدايت الذي يعدّ من دون ريب من أعظم كتَّاب الأدب الفارسي الحديث وكذلك أيضًا أسماء بعض رجال الدين الذين يتمتَّعون بمكانة رفيعة وينتقدون الأوضاع.

ولكن على الرغم من ذلك فإنَّ موظَّفي الرقابة يشتكون من وجود مشكلات مع إنجاز العمل في الكميات الكبيرة من الكتب ضمن فترة محدَّدة؛ فمن الممكن أحيانًا أن يستغرق الأمر عامين قبل تقديم رأيهم في كتاب ما. ومن أجل تسريع هذه العملية يتولى برنامج حاسوب أوَّل خطوة في عملية التدقيق وثم يتولى "المراجعون" الخطوة الثانية. ويحصل الكاتب بعد هاتين المرحلتين على قائمة عنوانها "تصحيحات" ويتم إخباره فيها عن الفقرات والسطور والكلمات التي يجب عليه حذفها والكلمات التي يجب استبداها وما هي التغييرات التي يجب القيام بها في مضمون الكتاب. ولا يتم منح الكاتب تصريح النشر إلاَّ بعد الانتهاء من تنفيذ هذه التعديلات.

صياغة الكلام الإسلامية الصحيحة


الصورة دويتشه فيله
"الرقابة الرسمية والرقابة الذاتية التي تم فرضها من خلال أجواء الخوف ومن خلال تعرَّض بعض الكتَّاب للاعتقال والقتل والإبعاد موجودة في إيران منذ أكثر من ثلاثة عقود. ولكن لقد أصبحت هذه الرقابة شديدة للغاية في الأعوام الأخيرة بحيث أنَّ معظم الكتَّاب الإيرانيين أصبحوا يمتنعون تمامًا عن نشر أعمالهم في إيران".

​​

والرقابة في إيران ذات طابع سياسي وديني وأخلاقي معنوي. والعبارات الممنوعة لا تنحصر فقط في المجال السياسي بل تشمل أيضًا كلَّ تعبير يتم وصفه بأنَّه "غير أخلاقي" مثل علاقات الحبّ وغرفة النوم والقبلات أو الخمر. ويتم إجراء التغييرات في مضمون العمل على المستوى الفلسفي النظري والسياسي وعلى المستوى الأخلاقي المعنوي وحتى على المستوى الديني. وعلى سبيل المثال يتحتَّم في النصوص النظرية إجراء "تصحيحات" تناسب عقيدة الدولة في النظريات والاستنتاجات الفلسفية والاجتماعية المثيرة للجدل.

أمَّا في القصص والروايات لا يتم فقط حذف فقرات كاملة، بل يتم كذلك تحديد بعض الصفات والآراء والسلوكيات المعيَّنة لأبطال العمل. وتتم أحيانًا إضافة فقرة تجعل شخصين غير متزوجين في رواية ما في حالة الزواج وذلك لكي تكون علاقتهما متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية. ولا يرد في هذه الروايات والقصص أي ذكر للمثليين جنسيًا بل يظهرون على أنَّهم يميلون إلى الجنس الآخر وكذلك لا يحدث أي تبادل للقبلات والعلاقات الجنسية بين الرجل والمرأة.

وكذلك لا أحد يتحدَّث في الأعمال الأدبية اللهجة العامية أو يستخدم كلمة بذيئة، بل إنَّ الجميع يتحدَّثون اللغة الفصحى بطريقة نمطية ويستخدمون عبارات اللباقة والمجاملات. ومن الشائع أيضًا أن تتحوّل الصفات الإيجابية على أبعد حدّ في نهاية القصة إلى صفات دينية. ويعدّ الكتَّاب والشعراء الإيرانيون أساتذة في استخدام اللغة غير المباشرة كما أنَّ قرَّاءهم مختصون في القراءة بين السطور. ولكن جهاز الرقابة يتقن هو الآخر هذا الفنّ ويكتشف من دون صعوبة لجوء الكتَّاب إلى الاستعارات والمجازات اللغوية والصيغ الأخرى غير المباشرة ويلغيها من خلال حذفها أو تعديلها. ولا تسلم من مقص الرقابة في إيران حتى الأعمال الفارسية الكلاسيكية مثل كتاب المثنوي لجلال الدين الرومي وكتاب الخمسة للشاعر نظامي الكنجوي.

القهوة بدل العرق


زي دي ف
ثقافة أحادية وعودة إلى عهد الخميني - بلغت إجراءات الرقابة المفروضة على الكتَّاب والصحفيين المستقلين بعدًا جديدًا في عهد الرئيس المحافظ محمود أحمدي نجاد.

​​

وتؤدِّي في بعض الأحيان التصحيحات التي يقوم بها برنامج التحكم وتمثِّل المرحلة الأولى من عمل الرقابة إلى إحداث تشويهات غريبة. ويقوم البرنامج باستبدال كلمة "خمر" وأسماء المشروبات الكحولية الأخرى في النصوص بكلمة "قهوة" أو "شراب". وعلى سبيل المثال لقد استخدم مترجم رواية "الجبل السحري" للكاتب الألماني توماس مان في ترجمته للتعبير الألماني "على وجهه حمرة الخجل" مرادفًا مقابلاً من اللغة الفارسية يرد فيه "يتصبَّب من جبينة عرق الحياء". وكلمة "عرق" لها معنيان في اللغة الفارسية، أي العرق الذي يفرزه الجسم وكذلك الخمر ولكن برنامج التحكم قام بتغيير هذه الجملة ببساطة ومن دون تردّد إلى "يتصبَّب من جبينة قهوة الحياء".

والرقابة الرسمية وكذلك الرقابة الذاتية التي تم فرضها من خلال أجواء الخوف ومن خلال تعرَّض بعض الكتَّاب للاعتقال والقتل والإبعاد موجودة في إيران منذ أكثر من ثلاثة عقود. ولكن لقد أصبحت هذه الرقابة شديدة للغاية في الأعوام الأخيرة بحيث أنَّ معظم الكتَّاب الإيرانيين أصبحوا يمتنعون تمامًا عن نشر أعمالهم في إيران بل صاروا ينشرونها باللغة الفارسية أو مترجمة إلى لغات أخرى في أوروبا أو في أمريكا. إذ إنَّ كلَّ كاتب أو شاعر أو مثقَّف لا ينشر أعماله سيختفي بصورة تدريجية من المجتمع والثقافة والذاكرة الجمعية ويفقد تأثيره. وفي يومنا هذا يكابد الكتَّاب والشعراء والمثقَّفون الإيرانيون مرارة تصوّر هذه العملية.

كتَّاب ومثقَّفون من دون دور


شعار تلفزيون إيران
خاضع ومبعد عن وسائل الإعلام - "خلال العقود الثلاثة الماضية لم يكن للأدب الإيراني المعاصر أي حضور في الإذاعة والتلفزيون، أي في وسائل الاعلام التي تسيطر عليها الدولة وتعدّ واسعة الانتشار".

​​

في بداية الولاية الرئاسية الأولى من رئاسة زعيم تيَّار الإصلاح، الرئيس محمد خاتمي (من عام 1997 وحتى عام 2001)، حصل هؤلاء المثقَّفون المحسوبون على هذا الجناح والذين كانوا يهتمون بالنظرية السياسية في أول الأمر على مساحة وحرية أكثر بكثير من السابق. وفي ولاية خاتمي الثانية (من عام 2001 وحتى عام 2005) وفي عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد (منذ عام 2005) كان مصير معظمهم مثل مصير الكتَّاب والشعراء غير التابعين للحكومة. فاز أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية مرتين بفضل أصوات المواطنين ذوي الدخل المحدود في المدن والقرى الذين يشكِّلون غالبية السكَّان. وسياسته تتميَّز بمحاولته الحدّ من سلطة رجال الدين الشيعة وسلطة المرشد الأعلى وكذلك بتشديد الرقابة في الوقت نفسه على الكتَّاب والشعراء المستقلين.

وتشكِّل ثقافة الأغلبية في إيران مزيجًا من الثقافة الدينية والثقافة المبتذلة. وعلى العموم يقتصر تأثير الكتَّاب والشعراء الإيرانيين على الفئات المثقَّفة. إذ إنَّ الحركة الخضراء التي شهدتها البلاد في العام 2009 وتشكَّلت كردة فعل على تزوير الانتخابات الرئاسية كانت مجرَّد احتجاجات خرج بها الجيل الجديد من أبناء الطبقتين الوسطى والعليا في المدن الكبرى. ولذلك فقد فشلت هذه الحركة التي كانت تقوم على ثقافة وسائل الإعلام الغربية بسرعة ولم تتمكَّن أيضًا من منح الأعمال الفنِّية والأدبية المستقلة مساحة من الحرية. ولم يلعب كذلك الكتَّاب والشعراء المستقلون أي دور في هذه الحركة.

ونظرًا إلى قلة وجود الشعر والأدب الفارسي ازدهرت سوق للترجمة في إيران، ولكن لا يوجد أي كتاب في الجمهورية الإسلامية لا يخضع في يومنا هذا للرقابة سواء تعلَّق الأمر بتراجيديا يونانية قديمة أو برواية عالمية معاصرة. وفي الحالات النادرة فقط تم نشرت ترجمات المترجمين الفارسيين المشهورين الذين عارضوا التعديلات المطلوبة من دائرة الرقابة. وتابع المترجمون الآخرون عملهم حسب رغبات الرقابة لأنَّهم يهتمون أكثر بالأجرة والشعبية.

إجبار جيل الشباب على الرقابة الذاتية

ويعدّ جيل الشباب الذين نشؤوا في الجمهورية الإسلامية واعتادوا على إجراءات الرقابة الصارمة أكثر استعدادًا لقبول التدخّلات في أعمالهم وترجماتهم. ورقابتهم الذاتية توفِّر الكثير من العمل على موظَّفي جهاز الرقابة. كما أنَّ معظم الكتاب والشعراء من أبناء هذا الجيل الذين كبروا في ظل الأجواء الخانقة في جمهورية إيران الإسلامية يكتبون أعمالهم ضمن الحدود التي تسمح بها الرقابة. وفي حين كانت القصص والروايات والقصائد في الفترة الماضية التي تمتد لأكثر من مائة عام وسيلة للتعبير الأدبي والفنِّي عن مختلف جوانب الحياة، صار يتم وببساطة في أعمال النثر والشعر الخاصة بالجيل الجديد استبعاد الكثير من هذه الجوانب مثل الحبّ والعلاقات الجنسية وكذلك المشكلات السياسية والاجتماعية التي تخضع للرقابة.

وكذلك تقتصر معظم دواوين الشعر التي كتبها شعراء الجيل الجديد في العقدين الأخيرين على التلاعب بالألفاظ والصيغ اللغوية. وتمثِّل الرقابة والرقابة الذاتية وكذلك تردي النوعية وابتعاد النثر والشعر عن الحياة بعضًا من الأسباب التي أدَّت إلى انخفاض عدد النسخ المطبوعة من أعمال الجيل الجديد إلى نحو خمسمائة نسخة للطبعة الواحدة وجعل الطبعة العادية تصل في بلد يبلغ عدد سكَّانه ثمانين مليون نسمة إلى نحو ألف وخمسمائة نسخة فقط.

إبعاد الأدب عن وسائل الإعلام

وحتى فترة السبعينيات كانت توجد في إيران العديد من دور النشر الثقافية المؤثرِّة التي كانت تصدر طبعاتها بأعداد كبيرة وتتيح المجال لاستعراض الأعمال الروائية وعرض الكتب وكذلك النقاشات الأدبية والنظرية. ومن خلال إغلاق هذه الدور فقد الكتَّاب الإيرانيون هذا المنبر أيضًا. وخلال العقود الثلاثة الماضية لم يكن للأدب الإيراني المعاصر أي حضور في الإذاعة والتلفزيون، أي في وسائل الاعلام التي تسيطر عليها الدولة وتعدّ واسعة الانتشار. وعلى العموم لا يتم هناك استعراض أعمال الكتَّاب والشعراء المستقلين. وكذلك تعدّ الصحف محسوبة على أجنحة الحكومة. وفي الحالات الاستثنائية للغاية يستطيع المرء معرفة شيء ما من خلال الصحافة حول الأعمال الأدبية المعاصرة والمستقلة.

ويضاف إلى ذلك أنَّ القراءات والحلقات الأدبية وندوات استعراض الكتب غير مسموحة للأعمال الأدبية المستقلة. وكذلك لا تعقد أيضًا أية لقاءات مع الكتَّاب حتى في معرض طهران الدولي للكتاب الذي يعدّ أكبر معرض للكتاب في البلاد.

عزلة اجتماعية

كان الكتَّاب والشعراء والمثقَّفيون الإيرانيون حتى عقود قليلة مسؤولين عن الهيمنة الثقافية في المجتمع. ولعب اتِّحاد الكتَّاب الإيرانيين الذي تم تأسيسه في العام 1968 دورًا مهمًا في المطالبة بحرِّية التعبير عن الرأي وقيام الثورة الإسلامية في عام 1979 وكذلك أيضًا في النضال ضدّ الاستبداد الذي أعقب الثورة.

وفي أحدى الأمسيات الشعرية التي أقيمت في معهد غوته في طهران في العام 1978 ونظَّمها هذا الاتِّحاد تجاوز عدد الحضور عدة آلاف من المستمعين كما أنَّ هذه الأمسية كانت تعدّ مجرَّد واحدة من الأمسيات الأولى من بين مجموعة الفعاليات والأحداث التي أدَّت في آخر المطاف إلى قيام الثورة. ولكن الجمهورية الإسلامية قامت في السنة الأولى بعد تأسيسها باعتداء على مكتب اتِّحاد الكتَّاب ولم تتردَّد أيضًا في حظر هذا الاتِّحاد الذي كان أعضاؤه من كبار الكتَّاب وفطاحل الشعراء والمثقَّفين الإيرانيين. ومع ذلك بقي تأثير أعضائه موجودًا لدى الفئات المثقَّفة على الأقل حتى منتصف التسعينيات.

وفي فترة رئاسة خاتمي التي استمرت ثمانية أعوام (1997-2005) بقي اتِّحاد الكتَّاب محظورًا. كما قامت المخابرات بقتل العديد من رؤسائه وتم اختطاف بعضهم واضطر الآخرون إلى مغادرة البلاد وحتى يومنا هذا يتم وضع العراقيل في وجه كلِّ محاولة لجمع أعضائه، بحيث أنَّ هذا الاتِّحاد كان مجبرًا في العشرة أعوام الأخيرة على إلغاء وجوده، وتم عزل الكتَّاب المعروفين الذين كانوا ينتسبون إليه. وبعد ثلاثة عقود من التخويف والقمع نجحت الحكومة الإيرانية في شلِّ عمل اتِّحاد من أقدم وأكثر الاتِّحادات تأثيرًا واستقلالاً في البلاد هدفه الدفاع عن حرِّية التعبير عن الرأي.

الوسط الثقافي في حالة ركود

وفي العقود الثلاثة الماضية كانت جمهورية إيران الإسلامية تواجه أزمات داخلية نجمت عن الخلافات بين مختلف أجنحة الحكومة وتفسيراتهم المختلفة للإسلام. لكن على الرغم من جميع الصراعات المختلفة داخل الحكومة واختلاف تفسيرات الإسلام إلاَّ أنَّ الحكَّام متَّفقون على رفض الكتَّاب والشعراء والمثقَّفين المستقلين. ومنذ البداية كانت الجمهورية الإسلامية تسعى من خلال استبعاد الوسط الثقافي المستقل وفرض الرقابة عليه وكذلك من خلال الاستثمارات المالية والبشرية واسعة النطاق في خلق ثقافة إسلامية إلى إجبار المواطنين على تبنِّي الثقافة الرسمية الموحَّدة.

ولذلك لا يوجد الآن لدى جمهورية إيران الإسلامية إلاَّ القليل لتقدِّمه في مجالات الأدب والفنّ والثقافة - ولكن فقط باستثناء الأفلام التي تم إنتاجها بدعم من الدولة وحصلت في الماضي على جوائز في بعض المهرجانات السينمائية الأوروبية والأمريكية. وفي المقابل تمكَّنت الجمهورية الإسلامية من تحقيق نجاح في إبعاد الأدب والثقافة المستقلة من المجتمع وفي إقصاء الكتَّاب والشعراء والمثقَّفين المستقلين. ونتيجة ذلك هي حالة الركود التي تعيشها البلاد الآن في مجال الفنّ والثقافة.

وصحيح أنَّ مختلف المدوَّنات والمواقع الإلكترونية قد تمكَّنت من كسر الرقابة التي تفرضها جمهورية إيران الإسلامية على الشبكة العنكبوتية، ولكن الحكَّام يعرفون تمام المعرفة أنَّ الرقابة الرسمية لا يوجد لها أي تأثير في عصر الإنترنت. ولذلك أيضًا فهم يسعون أكثر إلى زيادة الضغط لخلق الرقابة الذاتية من خلال زيادة أجواء الخوف في المجتمع الإيراني. وربما هذا ما يفسِّر أيضًا لماذا لم ينجح حتى الآن أي كاتب إيراني نشر أعماله على شبكة الإنترنت في تأليف عمل يترك في الواقع أثره على المجتمع ومن الممكن أن يكون له قبول واسع بين المواطنين.

 

فرج سركوهي
ترجمة: رائد الباش
مراجعة: هشام العدم
حقوق النشر: قنطرة 2012

أسَّس فرج سركوهي في عام 1985 المجلة الثقافية "آدينه" (الجمعة) التي ترأس تحريرها إحد عشر عامًا. وتم اعتقاله في عام 1996 بصفته أحد روَّاد مبادرة الكتَّاب "متن 134" المناهضة للرقابة. وبعد ذلك بعام حُكم عليه بالإعدام في محاكمة سرية ولكن تم تخفيف هذا الحكم بفعل الاحتجاجات الدولية. وبعد عامين سافر إلى مدينة فرانكفورت الألمانية التي ما يزال يعيش فيها حتى يومنا هذا. وحصل سركوهي في عام 1998 على جائزة كورت توشولسكي الألمانية للكتَّاب الملاحقين سياسيًا وهو عضو فخري في نادي القلم الألماني.
.

اقرأ أيضًا: موضوعات متعلقة من موقع قنطرة
اطبع المقال
أرسل المقال إلى صديق
إضافة تعليق
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.