ترحيب كبير لقيه إردوغان في مصر، الصورة د ب ا
الإسلام التركي الإردوغاني والإسلاميون العرب:

الإسلاميون العرب وسذاجة فهم العلمانية

يرى الإعلامي المعروف والباحث في جامعة كامبردج خالد الحروب في هذه المقالة أن الإسلام التركي الإردوغاني يطرح نموذجا مختلفا عما يفكر  فيه الإسلاميون العرب، مؤكدا لو كان حجاب النساء وتدخين المرأة للشيشة وغيرها من الأمور التي تشغل عقل الإسلاميين العرب هي ما يستحوذ على إردوغان وحزبه لكان الفشل المؤكد نتيجة تجربته.



الدرس العميق في معنى العلمانية والدولة المدنية الذي قدمه اردوغان للإسلاميين العرب في مقابلته التلفزيونية التي بثت خلال زيارته للقاهرة مؤخرا جاء في وقته المناسب. العلمانية في الفهم القاصر والمسطح عند إسلاميي العرب قبل وبعد الثورات العربية هي صنو الكفر وعدوة الدين على طول الخط. وهذه العلمانية المُستعداة إلى ابعد مدى من قبلهم لم تطبق في أي من البلدان العربية كما طبقت في تركيا حيث تبنت المؤسسة العسكرية الاتاتوركية أشد طبعات العلمانية تطرفا. وهناك, أي في تركيا, من المفترض ان يكون الإسلام السياسي هو أشد أعداء العلمانية لأنه كان الاكثر إكتواءً بنار نسختها المتطرفة. لكن هناك ايضا تبلورت تجربة الإسلاميين الاتراك على مستوى من النضج والعمق مكنهم من إدراك الجوهر الانساني والحقيقي للعلمانية المعتدلة التي لا تضع الدين كعدو ولا تلاحق وجوده في صدور الناس واماكن عبادتهم او على رؤوس إناثهم.

جوهر العلمانية الديموقراطية هو صيانة حرية الإنسان وكرامته وصد الطغيان سواء أكان مصدره الأنظمة السياسية أم الانظمة الثقافية والدينية, وترك الاختيار للفرد ذاته كي يقرر في حياته الخاصة, وحماية الحياة العامة والسياسية من سيطرة الدين. هناك بطبيعة الحال تجاوزات في التطبيقات وهناك نسخ مختلفة من العلمانية تتراوح بين التطرف والاعتدال, لكن في المجمل العام ما تريده العلمانية هو الفصل بين الممارسة الخاصة للدين في البيت ومكان العبادة وفي مناسبات الدين المختلفة, وبين ان يتغول الدين على الفضاء العام وخاصة السياسة فيتحكم فيها ويتحول بسببها إلى وحش يقمع حرية الآخرين.

جوهر النظام العلماني


إردوغان مع قائد أركان الجيش المصري
هناك من يرى بأن إردوغان في زيارته لمصر أغضب الإخوان والثوار الشباب معا

​​

وبسبب جوهر النظام العلماني المهجوس بالحرية فإن الاسلاميين ومظاهر التدين الاسلامي بشكل عام انتشرت في الغرب بشكل كبير في العقود الثلاثة الماضية. وفي ما عدا التضييق على النقاب الذي حُظر قانونيا في بعض البلدان بسبب سوء استخداماته من قبل البعض فإن ممارسة المسلمين لطقوسهم مضمونة بالقانون العلماني نفسه. لو طبقت اوروبا اي نسخة من نسخ الدولة الدينية التي يُطالب بها الإسلاميون العرب في بلدانهم لتحولت حياة اكثر من اربعين مليون مسلم في الغرب إلى جحيم حقيقي.

سيقول احد ما هنا إن العلمانية قد تناسب الغرب بكونها الحل لصدام الكنيسة مع السياسة والعقل, وهو صدام غير موجود في الثقافة والسيرورة والتاريخ الاسلامي. وهذا غير صحيح تاريخيا وهو قراءة إسلاموية حركية انتقائية للتاريخ. التاريخ السياسي والاجتماعي للإسلام منذ عهد الخلفاء الراشدين تعلمن تدريجيا وبقوة. الصراع الشديد على الخلافة وعلى القيادة كان صراعا سياسيا وليس دينيا, وقد تعلمنت الممارسة السياسية والقيادية على نحو شبه كامل في الحقب التاريخية الثلاث التي وصلت فيها قوة وحضارة المسلمين اوجها: اي الحقبة الاموية, والحقبة العباسية, والحقبة الاندلسية. كان الاسلم يقع في قلب الشكل العام والهوية الجامعة للدولة, كما تقع المسيحية مثلا في قلب الشكل العام والهوية الجامعة البريطانية حيث الملكة هي رئيسة الكنيسة. بيد ان جوهر التسيس وادارة الدولة والحياة الاجتماعية كانت معلمنة إلى درجة كبيرة. وبسبب تلك العلمنة الاسلامية وحدها واستيعابها لابداعات كل الافراد وعدم اقصائيتها فقد تحقق العلم والتقدم والتفوق المُشار إليه دوما.

العلمانية لا تعني معاداة الدين


الصورة د ب ا
"لو كان البكيني ومحاصرة السياحة وغيرها من الامور التي تستولي على عقل الاسلاميين العرب الآن هي ما استحوذت على اردوغان وحزبه لكان الفشل وليس سوى الفشل هو نتيجة تجربته"

​​

وهكذا فعندما يشير اسلاميو اليوم إلى "الحضارة الاسلامية" و"العصر الذهبي الاسلامي" فهم يشيرون إلى نسخ مختلفة من العلمانية الاردوغانية التي طبقها القادة المسلمون بهذه الشكل او ذاك ومن دون ان يكون مصطلح "العلمانية" معروفا. ولو طُبقت النسخة الاخوانية مثلا او السلفية, بإنغلاقها الفكري وهوسها المسلكي, في فهم السياسة والدولة والمجتمع في الحقب الاموية والعباسية والاندلسية لما تقدم المسلمون ولما وصلوا إلى ما وصلوا إليه. اردوغان قال للإسلاميين ان الدولة لا تتدخل في دين الناس وتأخذ مسافة متساوية من كل الاديان, ويجب ان تكون علمانية, وان العلمانية لا تعني معاداة الدين بل هي الضامن لحرية ممارسته للجميع. الدولة المُتخيلة في عقل الاسلاميين العرب هي الدولة الدينية التي تفرض الدين على كل الافراد, وتتبنى تفسيرا واحدا من الدين بطبيعة الحال. فأي دولة إسلامية يطرحها اخوان او سلفييو اليوم سوف تقبل الحرية الدينية الكاملة للأديان والعقائد الاخرى مثل المسيحية واليهودية والهندوسية والسيخية؟ بل ايها سوف يوفر الحرية والامان للطوائف الاسلامية التي لا ترضى عنها نسخة الاسلاميين حكام الدولة مثل طوائف الشيعة المختلفة والاسماعيلية والبهائية والاحمدية وغيرها؟ أليس من المعيب ان يتعايش المسلمون بكل طوائفهم بسلام واحترام في الغرب وفي ظل العلمانية لكن يفشلون في تحقيق السلام المجتمعي والعيش بإحترام متبادل في اي بلد من بلدانهم الاسلامية؟

الإسلام التركي


صورة إرشيفة
سؤال يطرح بقوة هذه الأيام: إلى أين يأخذ الإخوان المسلمون مصر؟

​​

الاسلام التركي, الاردوغاني, يطرح نموذجا مختلفا عما هو في رأس الاسلاميين العرب, كما طرحته ايضا التجارب الماليزية والاندونيسية, وهذه النماذج لا تعطي اي شرعية للتساؤل عما إذا كانت المشكلة في السياق والثقافة العربية وفهمها للإسلام, فهناك ايضا فشل الإسلام الايراني والباكستاني. نجحت تجربة الاسلاميين الاتراك لأنها استوعبت الدرس التاريخي الكبير بشأن سياسة الدولة والمجتمع وفهم الاولويات. وقد عكس بروز وتأسيس حزب العدالة والتنمية هذا الوعي عبر تخليه عن الفهم التقليدي الكلاسيكي الاخواني الذي تبناه نجم الدين اربكان لعقود ولم يحقق به شيئا.

عندما تشكل الحزب في مطلع الالفية جدد كل مفاهيمه وتبنى العلمانية المعتدلة في دستوره المعلن وصوب نظره على الاولويات الحقيقية التي تواجه الدولة والمجتمع التركي وبدأ بالاقتصاد وطمأن كل الفئات الاخرى. لذلك التفت حول الحزب طبقات رجال الاعمال المحافظين, والصوفيين, والتكنوقراط, وبقايا يمين الوسط, ولم يكونوا كلهم من المتدينين. لكن تكاملت كفاءاتهم مع قيم الدين الايجابية العملية التي تبناها اردوغان وجماعته وطبقوها في ادارة البلديات مثل نظافة اليد والامانة والجد في العمل. عندها بدأ الاقتصاد التركي يتعافى لأنه كان اولوية الاولويات, ووصل الآن إلى تصدر اقتصادات العالم. لو كان البكيني وحجاب النساء وتدخين المرأة للشيشة ومحاصرة السياحة وغيرها من الامور التي تستولي على عقل الاسلاميين العرب الآن هي ما استحوذت على اردوغان وحزبه لكان الفشل وليس سوى الفشل هو نتيجة تجربته.

 

خالد الحروب

حقوق النشر: قنطرة2011

اقرأ أيضًا: موضوعات متعلقة من موقع قنطرة
اطبع المقال
أرسل المقال إلى صديق
إضافة تعليق
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : الإسلاميون العرب وسذاجة فهم العلمانية

التاريخ الحافل من القمع للحركات الإسلامية أدت إلى تسطيح فكرالإسلام السياسي حيث أن فكره انحصر في البقاء على قيد الحياة , وبالتالي من أهم نتائج الربيع العربي عودة الحيوية إلى الفكر للحركات الإسلامية التي تكلس من رطوبة السجون والمعتقلات وبرودة المنافي , ومن وجهة نظر شخصية لانرى الحركات الإسلامية بفكرها الحالي قادرة على قيادة مجتمع نحو مستقبل أفضل ولكن يمكنها المشاركة في بناء مجتمع كأفراد لا ككيان سياسي .

آدم آدم01.10.2011 | 16:10 Uhr

التاريخ الحافل من القمع للحركات الإسلامية أدت إلى تسطيح فكرالإسلام السياسي حيث أن فكره انحصر في البقاء على قيد الحياة , وبالتالي من أهم نتائج الربيع العربي عودة الحيوية إلى الفكر للحركات الإسلامية التي تكلس من رطوبة السجون والمعتقلات وبرودة المنافي , ومن وجهة نظر شخصية لانرى الحركات الإسلامية بفكرها الحالي قادرة على قيادة مجتمع نحو مستقبل أفضل ولكن يمكنها المشاركة في بناء مجتمع كأفراد لا ككيان سياسي .

آدم آدم01.10.2011 | 16:10 Uhr

بسم الله الرحمن الرحيم ....لقد اطلعت على فحوى ما جاء في مقال الدكتور :خالد الحروب، من تسفيه الاسلاميين واتهامه لهم بأن شغلهم الشاغل هو شرب الدخان ووضع الحجاب ، وقد تمادى هذا " العبقري" الذي "جاء بما عجز عنه الأوائل والاواخر" ليعتبر هذان الركنان مجرّد خزعبلات متجاهلا طبيعة المجتمع العربي الاسلامي وديمقراطية الاسلام ، ولو فكّر قليلا وتدبّر نزرا يسيرا لادرك أن الاسلام دين ملم بجميع جوانب الحياة؛ محيط بها ؛ وأن البذرة التي غرسها حسن البنا أنبتها الله لتشتدّ في( فلسطين حماس) ثم لتثمر ثمرات ناضجات في( تركيا آردوغان)
الاسلام لم يأتي ليفرض الحجاب يمنع تعاطي المخذرات ، وانما جاء ليصلح أمور السلطة فاذا صلحت؛ صلحت أحوال الناس ...جهل " الحروب" جهل مقصود أراد من خلاله أن يشعل الحروب على أغلبية الشعب الساحقة وان يسفههم ويتهم بالطيش والغباء
هنيئا لك امتي بمثل هذا الجهبد الصيرفي العالم العارف المحسن المفلق .... لكن في الضلال طبعا.
محمد الجزائري ....مغنية تلمسان

محمــــــــد بش...27.11.2011 | 11:56 Uhr