العاهل السعودي عبد الله محاطاً بأفراد من عائلته المالكة، الوكالة السعودية للأنباء
السياسة الخارجية السعودية في ظل الربيع العربي

أولوية الوهابية تُقوِّض استقرار المملكة العربية السعودية

المبدأ المُطلَق الذي تقوم عليه سياسة المملكة العربية السعودية الأمنية والخارجية هو ضمان استقرار المملكة، وكلُّ ما عدا ذلك يُعَدُّ ثانوياً في نظر النُّخَب الحاكمة في الرياض، وَفق ما يرى المحلل السياسي لؤي المدهون، الذي يتوقع أنه طالما ظلت الوهابيةُ العمود الفقري للدولة فلن تتحقق أية وحدة وطنية حقيقية في البلاد.

 

أكّدت حادثة وقعت في مؤتمر قمة دول حركة عدم الانحياز، في العاصمة الايرانية طهران في أيلول/ سبتمبر 2012، أسوأ مخاوف النخب السعودية الحاكمة، حين تلاعب التلفزيون الإيراني الرسمي بترجمة خطاب الرئيس المصري محمد مرسي، الذي شجب فيه النظام السوري معتبراً إياه "نظاماً قمعياً"؛ فقد بثّت القناة الإيرانية حينها عبارات بأكملها بشكلٍ مغايرٍ، واستبدلت كلمة "سوريا" بـ "البحرين".

يحتدم بين إيران والمملكة العربية السعودية صراع على النفوذ في الخليج العربي. ولا تخشى القيادة السعودية المحيطة بالملك عبد الله شيئاً أكثر من السيطرة الإيرانية على منطقة الخليج – مدعومة في أسوأ الاحتمالات بالأسلحة النووية، لأن إيران تهدد من منظورها سلطتها الملكية المطلقة، ويعود هذا إلى أن المملكة العربية السعودية ترتهن إلى حماية القوى الخارجية.

وتربط علاقةُ شراكةٍ استراتيجيةٍ الرياض بالولايات المتحدة الأمريكية منذ سبعة عقود، ففي حين تمتلك المملكة العربية السعودية ثلث مخزون النفط العالمي، وتضمن إمداد النفط إلى الولايات المتحدة والدول أخرى، تضمن واشنطن أمن وسلامة المملكة. ولكن الولايات المتحدة فشلت في ادارة عراق ما بعد صدام من وجهة نظر السعوديين، لأسباب ليس أقلها النمو القوي لنفوذ المواطنيين الشيعة في العراق الجديد ورجال الدين الشيعة، الذين درسوا في كثير من الأحيان في إيران.

كما أن سقوط الرئيس المصري حسني مبارك، حليف الولايات المتحدة الأمريكية في مصر، أثار قلق الأسرة الحاكمة. واليوم تبذل المملكة العربية السعودية كلَّ ما في وسعها، بالمشاركة مع حلفاء سُنـَّة، لمواجهة نفوذ دولة ولاية الفقيه الشيعية في إيران.

وإذا كان هناك مبدأٌ مطلقٌ تقوم عليه سياسة المملكة العربية السعودية الخارجية والأمنية، فلا بد أنه ينصَّ على الآتي: كلُّ ما يضمن استقرار النظام الملكي له الأولوية، سواء تعلّق بالشؤون الخارجية أو الداخلية. فخوف النظام من احتمال انهياره السريع شديد للغاية.

 بشار الأسد وأحمدي نجاد ، أ ب
خشية السعودية من الهيمنة الإيرانية الشيعية على المنطقة تدفعها إلى عقد الآمال على الإطاحة بالأسد، إذ من شأن هذا أن يعزز القوى السُّنّية في سوريا من وجهة نظر السعودية.

​​ 

خوف من الحراك الثوري في العالم العربي

شرعية النظام السعودي ليست في الواقع أمراً بديهياً على الإطلاق. فهذا النظام يقوم منذ منتصف القرن الثامن عشر على تحالف الأسرة الحاكمة مع رجال دين وهابيين، يدعُون إلى الإسلام السنِّي بصيغةٍ أصوليةٍ متزمِّتة. ولا توجد هناك حقوقٌ مدنيةٌ بالمعنى الغربي، كما تعاني الأقلية الشيعية من التمييز المُمَنْهَج في بلدها السعودية، وتُعتَبر "الطابور الخامس لطهران".

المعضلة الأساسية لبنية اللمملمة تكمن في ضرورة أنْ تحدَّ القيادة الحاكمة في الرياض من نفوذ العلماء الوهابيين لكي تتمكّن من تحقيق إصلاحات على صعيدَيْ الدولة والمجتمع. بيد أنها لا تستطيع ذلك لأنَّ الأصوليين الوهابيين جزءٌ من الأسس التي تقوم عليها سلطتها. ومن أجل استرضاء الوهابيين تدعم المملكة العربية السعودية دعاة الدين المتطرفين في العديد من البلدان. والصيغة الأكثر عُنْفاً للوهابية يروِّج لها حالياً تنظيم القاعدة، الشبكة الإرهابية التي هاجمت المملكة العربية السعودية أيضاً.

وترى القيادة السعودية في الربيع العربي تحدياً جديداً، فهي تخشى من انتقال الحراك الثوري إلى الشباب السعودي، وإلى مواطنيها غير الراضين عن الأوضاع والذين يزداد عددهم باضطراد؛ ومن هذا المنطلق تدعم القيادة السعودية حالياً القوى السنيّة الأصولية في جميع البلدان العربية، أكثر من أي وقتٍ مضى.

وبهذا يرُدّ النظام السعودي على ضعف الغرب الذي تجلى في الربيع العربي. إذْ يمارس حُكّام السعودية سياسة تدخُّلٍ نشطٍ بغية الحدِّ من نفوذ إيران الاقليمي، ولكن أيضاً للحيلولة دون تحقُّق أي شكلٍ من أشكال التحرُّر الانفتاحيّ، الذي من شأنه أنْ يكون جذّاباً للسعوديين.

ولذلك، أرسلت السعودية والإمارات العربية المتحدة قوات أمنٍ إلى البحرين في آذار/ مارس 2011، لقمع الاحتجاجات التي قامت هناك ضد الأسرة الحاكمة السُّنيّة. كما يهدف الدعم السعودي للسلفيين في مصر إلى ممارسة ضغط في الاتجاه المحافظ على جماعة "الإخوان المسلمون"، التي تمثل إسلاماً براغماتياً.

 

حكم المُسنِّين في العائلة المالكة السعودية

وتترقب الرياض في سوريا الراهنة فرصةً تاريخيةً؛ فمن شأن سقوط نظام الأسد، وهو أحد حلفاء إيران الرئيسيين، أنْ يُضعِف طهران. والرياض واثقة من أنَّ قوى سُنيّة ستهيمن على سوريا بعد الأسد، وأنها ستكون مقرَّبة إلى البلد السنّي المركزي، حيث المواقع المقدسة في مكة المكرّمة، أكثر من قربها لإيران.

وتسعى الحكومة السعودية في الداخل، في الوقت ذاته، لشراء الهدوء والولاء من خلال الإنفاق الكبير على البنية التحتية وعلى الشؤون الاجتماعية. ولكن طالما ظلت الوهابيةُ فكرَ الدولة المُطلق فلن تكون هناك وحدةٌ وطنيةٌ حقيقيةٌ في السعودية، كما لن يكون هناك استقرارٌ حقيقي. وحتى إشعارٍ آخر، سوف يكون حكم المُسنّين مصدراً لعدم الاستقرار في منطقة نفوذهم.

لؤي المدهون
ترجمة: يوسف حجازي
تحرير: علي المخلافي
حقوق النشر: مجلة التنمية والتعاون الدولي/ موقع قنطرة 2012

لؤي المدهون، إعلامي وأكاديمي عربي، يعمل مُحاضراً في العلوم السياسية والإسلامية في جامعة كولونيا الألمانية.

اقرأ أيضًا: موضوعات متعلقة من موقع قنطرة
اطبع المقال
أرسل المقال إلى صديق
إضافة تعليق
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.