البابا بينيديكت السادس عشر أثناء إلقاء المحاضرة في جامعة ريغينسبورغ، الصورة: أ ب
محاضرة بنيديكت السادس عشر في جامعة ريغينسبورغ وردود فعل المسلمين:

أخطاء البابا وأخطاء المسلمين

خطأ البابا خطأ متعدد الجوانب: خطأ في المضمون، في السياق، وفي الزمان، وفي المكان. وخطأ المسلمين في الرد على خطأ البابا خطأ مركب أيضا: خطأ في مضمون الرد، وفي الأسلوب، وفي رفع مستوى الرد، وثم عدم قبول الأسف البابوي، حسب رأي خالد حروب
البابا بينيديكت السادس عشر أثناء إلقاء المحاضرة في جامعة ريغينسبورغ، الصورة: أ ب
البابا بينيديكت السادس عشر أثناء إلقاء المحاضرة في جامعة ريغينسبورغ

​​خطأ البابا بندكت السادس عشر خطأ متعدد الجوانب: خطأ في المضمون، في السياق، وفي الزمان، وفي المكان. وخطأ المسلمين في الرد على خطأ البابا خطأ مركب أيضا: خطأ في مضمون الرد، وفي الأسلوب، وفي رفع مستوى الرد، وثم عدم قبول الأسف البابوي، حسب رأي خالد حروب

خطأ المضمون في خطاب البابا يكمن في المحتوى السجالي الذي أنطوت عليه مداخلته بشأن موقف الإسلام من العقل ونفيه خضوع الأول للثاني، ثم بشأن الإقتباس القروسطي سيء الصيت على لسان الأمبرطور البيزنطي إيمانويل الثاني والذي نفى بدوره أن يكون رسول الإسلام قد أتى بأي شيء سوى الشر واللإنسانية مشيرا إلى نشر الدين بالعنف.

يعرف البابا، وهو المطلع المثقف، أن أسلافه في الكنيسة الكاثوليكية في قرون التخلف الأوروبي المسيحي هم الذين وجدوا في فلسفة الفارابي وإبن سينا والرازي والفلسفة الرشدية اللاتينية والتي طوروها عن فكر فيلسوف قرطبة إبن رشد مخرجا أوليا لبداية مصالحة الدين مع العلمانية. إبن رشد كان قد طور نظرية توافق العقل والنقل قبل عصر النهضة الأوروبي بقرون.

وكذا هو الخطأ الثاني في المضمون بشأن نشر الدين بالسيف، وهي أطروحة إستشراقية قديمة نوقشت حتى مل النقاش منها.
لو مال البابا للحديث عن التلاقح الحضاري والتواصل عبر الزمن لشجع المسلمين على الإستفادة من حضارة الغرب اليوم، كما أستفاد الغرب من حضارة المسلمين في الماضي.

أما خطأ السياق فيكمن في الإطار الذي أورد فيه البابا هذه الملاحظات، وهو سياق موائمة المسيحية للعقلانية ونفي وجود موائمة نظيرة مع الإسلام، بما يوصل إلى خلاصة مفادها أن العقلانية والحداثة هما منتج حصري الإستخدام على الأوروبيين المسيحيين، الذين بإمكانهم أن يكونوا حداثيين وأن يظلوا مسيحيين في الوقت ذاته.

أخطاء المسلمين

أما في حالة المسلمين فإن عليهم الخيار بين دين لاعقلاني أو حداثة عقلانية إذ لا يمكن المزاوجة بينهما. وخلاصة كهذه تتجاوز في جورها تكريس التخندق الحضاري والثقافوي وتعميق الحدود والإفتراقات، لتصل إلى تدعيم الصراع العقائدي: عقيدتنا أفضل من عقيدتكم لأنها تتمشى مع الحضارة، وليس أمامكم سوى التخلي عن عقيدتكم. وهذه أرض خطرة ووعرة حاول الحوار الإسلامي المسيحي وحوار الأديان عموماً تجنبها وإستبدالها بقاعدة الإحترام المتبادل بين العقائد بغض النظر عن رؤية كل عقيدة للأخرى.

خطأ الزمان أو التوقيت في ما قاله البابا هو أكثر الأخطاء مقتلة، ذاك أنه جاء في مناخ غير مسبوق لناحية تأزم العلاقات بين الإسلام والغرب وإنتشار الكراهية المتبادلة. عالم الإسلام اليوم يمر بلحظة حساسة جداً حيث ترى غالبية الشعوب المسلمة أن هناك هجمة غربية على دول ومصالح المسلمين، في ظل ميزان قوى منحاز ضدهم.

فما يراه غالبية المسلمين هو أن الجيوش الغربية أو من تدعمهم في المنطقة هي التي تغزو وتحتل وتقتل في بلاد المسلمين وليس العكس. ويقترن بذلك سوءا هو أن التعليق البابوي جاء متزامنا مع الذكرى السنوية الخامسة لإرهاب الحادي عشر من سبتمبر/أيلول وما قاد إليه من تخندق إسلاموي – غربي، فبدت تصريحات البابا وكأنها تؤكد على مقولة التصادم الحضاري الديني وتشرعن الكراهية.

أما خطأ المكان فيتمثل في نطقه بما نطق في مكان عام وليس في أروقة النقاش الأكاديمي واللاهوتي، حيث بالإمكان ومن المفروض مناقشة كل ما له علاقة بالأديان من دون حدود. فالحديث من دون دبلوماسية وفي نقاش أمور دينية حساسة من المتوقع أن ثير غضب الملايين ليس مكانه المنابر العامة، إلا إن كان القصد هو التشهير والهجوم.

وهذا لا يعني حظر التفكير أو النقد في شؤون الدين، فذلك أمر يجب أن لا يكون مسموحاً فحسب بل ومطلوبا ، فبه وحده تتجدد الأديان والأيديولوجيات وتتصالح مع الحياة. وهنا ليس من المبالغة القول بأنه من شبه المؤكد أن البابا يحمل قناعات بشأن الإسلام لا تختلف كثيراً عما عبر عنه، أو أقتبس منه، وهو حر فيما يعتقد.

لكنه ليس حراً تماماً في الجهر بذلك وهو في موقعه ذاك، وبكونه الحبر الأعظم لكاثوليك العالم، ومن دون الإخذ بالإعتبار مسائل السياق والزمان والمكان وما يترتب على تصريحاته من تدمير للعلاقات الإسلامية المسيحية الهشة أصلاً في هذه الأوقات.

تجاهل النص

وكيف أخطأ المسلمون في ردهم على تصريحاته؟ خطأ المسلمين في الرد كان مركباً أيضاً، وانعكس في المضمون، والأسلوب، ومستوى الرد، وعدم قبول الأسف البابوي. تمثل خطأ المضمون في أن قليليين من المسلمين هم الذين قرأوا نص المحاضرة البابوية بكاملها، كما تشير الردود والتعليقات، ووضعوا بالتالي الفقرات الخاصة بالإسلام، والتي غطيت في الإعلام وأنتشرت، في حجمها الطبيعي وسياقها الخاص.

لم ترتق الغالبية الكاسحة من الردود إلى مستوى النقاش الفلسفي الذي طرحه البابا في محاضرته، بل توقف غالبيتها عند كيل الشتائم وإتهام البابا بالحقد أو بالإنخراط في مؤامرة أمريكية صهيونية ضد الإسلام والمسلمين. محاضرة البابا مهمة وتلقي قفاز التحدي العقلي أمام علماء المسلمين وفلاسفته، وهم الذين مطلوب منهم الرد العلمي، وليس الجهلة المتطرفون الذين لا يعرفون سوى الشتم والوعيد.

خطأ الإسلوب إنعكس في العنف اللفظي العارم الذي إجتاح الرأي العام في الكثير من البلدان المسلمة، وما لحقه من عنف جسدي أيضا. والواقع أن علماء الشريعة والفقه ورموز التيارات الإسلامية والإعلام يتحملون المسؤولية الأكبر في رفع سقف العنف اللفظي الذي صاغ الرد المسلم على البابا.

ثم تورطت النخب السياسية الحاكمة في أكثر من بلد، ومزايدة منها على المواقف التي اتخدتها التيارات الإسلامية، فتبنت هي الأخرى مواقف متصلبة وعنيفة لفظياً والأسوأ من العنف اللفظي هو العنف الجسدي والمباشر، وهو أمر مخجل ومعيب بحق المسلمين والإسلام معا. فالإعتداء على الكنائس الذي حصل في بعض البلدان المسلمة، وقتل راهبة في الصومال، وإحراق رموز مسيحية مقدسة، كل ذلك يؤكد بصورة غير مباشرة الإتهامات المبطنة للإسلام والتي أطلقها البابا.

لم يتم عرض الرد الإسلامي بطريقة حضارية محرجة للبابا وتقدم على أساس التسامح الإسلامي الذي كان المبدأ الأهم الذي دافع عنه المسلمون على إعتبار أن البابا قد تغافل عنه. أسلوب الرد لم يكن فيه أي تسامح، كان عنيفاً وقاطعاً.

المطالبة بالاعتذار

وخطأ الأسلوب في الرد تطور طبعاً إلى مستوى الرد نفسه. فقد كان الطلب الأولي هو أن يعتذر البابا عن ما ورد على لسانه. فأعتذر الفاتيكان في رسالة توضيحية قالت إن البابا لم يقصد الإساءة للمسلمين. ثم عاد البابا نفسه وتأسف مرتين لأن الإقتباس الذي نقله عن الأمبرطور البيزنطي جرح مشاعر المسلمين، وقال بأنه لا يتبنى شخصيا ذلك الإقتباس، ونأى بنفسه عنه، وقال بأنه يحترم الإسلام ويعتبره ديانه عظيمة ويقدر المسلمين.

وسواء أكان صادقا أم لا في نص الأسف هذا، وهنا يكتمل خطأ المسلمين، لم يُقبل أسف البابا هذا وطلب منه إعتذار واضح وصريح. والغريب أن الأسف قبل من أكثر قادة المنطقة تطرفا وهو الرئيس الإيراني، ومع ذلك ما زال رموز الإسلام السياسي وعلى رأسهم يوسف القرضاوي وقادة الأخوان المسلمين يرفضون أسف البابا.

والمشكلة هنا هي أن الإصرار على طلب إعتذار صريح ينم عن قصر نظر ومطالبة شبه مستحيلة، إذ أن تأسف البابا يجب أن يعتبر كافيا من ناحية عملية. فطلب الإعتذار يكاد يصل عمليا إلى الطلب من البابا أن يغير أفكاره وإعتقاداته. فهو يعتقد أن الإسلام ليس دين الحق فكيف يعتذر عن ذلك؟

وهل من الممكن أن يعتذر أئمة المسلمين مثلاً لأنهم يعتقدون أن المسيحية واليهودية ليستا الدين الحق؟ هذه إعتقادات لا يمكن لأي موقن بها أن يعتذر عنها. مطلوب منه أن يعتذر لأنه جرح الآخرين بالتعبير عنها بالطريقة والمكان والزمان والأسلوب الخطأ، وهو ما فعله البابا، وما يجب على المسلمين قبوله وإقفال الملف، لأن هناك ألف ملف وملف أهم من ذلك وعلى المسلمين والمسيحين أن يهتموا بها في مرحلة حساسة وخطيرة كالتي يمرون بها، لأنها تحدد مدى ودية أو دموية المستقبل الذي ينتظرهم.

بقلم خالد حروب
حقوق الطبع قنطرة 2006

ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.