ملاحظات حول الإسلام الأوربي:

هل الإسلام الأوروبي ذوبان وإندماج أم تأقلم وتلائم؟

تبرز عبارة "أوروإسلام"عندما تتوتر العلاقة بين الأغلبية في المجتمعات غير المسيحية والجالية الإسلامية في أوروبا. مدير معهد الشرق الألماني بهامبورغ أودو شتاينباخ يلقي الضوء على إشكالية هذا المصطلح وخلفياته السياسية.

بدأت عبارة "أوروإسلام"(الإسلام الأوربي) تسري على الأفواه من جديد. فهي تبرز مجددا عندما تتوتر العلاقة بين الأغلبية في المجتمعات غير المسيحية والجالية الإسلامية في أوروبا. مدير معهد الشرق الألماني بهامبورغ أودو شتاينباخ يلقي الضوء على إشكالية هذا المصطلح وخلفياته السياسية.

حيثما يقع استحضار تعويذة الإسلام الأوروبي، يكون طيف الثقافة السائدة حائما غير بعيد. إن الفكرة وليدة الرغبة؛ الحلم بابتداع شكل من الإسلام يزيح "الغرابة" التي تقض مضجع الكثيرين في أوروبا وهم يقرؤون أو يسمعون عن الإسلام أو يلتقون به.

هذا الإشكال يبدو وكأنه محلول إذا ما قبل المسلمون بإدماج مسائل الديمقراطية والمساواة بين المرأة والرجل وكذلك الفصل بين الدين والدولة داخل معتقدهم.

مؤشر الأزمة

الحديث عن الإسلام الأوروبي يمثل مؤشرا على تأزم في العلاقات. وقد جاءت أعمال العنف في الشرق الأدنى وفي غيره من بقاع العالم الإسلامي، والتي كثيرا ما تقترن بحملات نضال دعائي موجهة ضد "الغرب"، لتساهم في تأجيج حدة هذه الأزمة.

وكان لاغتيال الهولندي فان غوخ على يد شاب من أصل مغربي حامل للجواز الهولندي أن استنهض شبح "المجتمع الموازي" و أثار تعالي نذير الشؤم حول "الاندماج الذي باء بالفشل". أي انفراج سيكون هناك إذن لو أن المسلمين الأوروبيين كانوا على نمط بقية المجتمع.

غير أن المسلمين أنفسهم لم يهرعوا ملوحين برايات الولاء والحماس لما يمكن أن ينجر عن هذه الفرضية ذات المظهر الإنساني جدا. وينطبق هذا بالخصوص على فهم بعينه للإسلام الأوربي، كذلك الذي يدافع عنه بسام طيبي، الباحث في العلوم السياسية بجامعة غوتنغن، والذي ينسب إلى نفسه ابتداع هذه التنويعة الإسلامية.

إن تصوره الذي يقتضي أن يكون على المسلمين أن يتبنوا القيم الأساسية للنظام الليبرالي الديمقراطي والمجتمعي لأوروبا برمتها كيما يستطيعوا الخروج من عقليتهم وديانتهم المنتسبة إلى طور ما قبل الحداثة (ماقبلحداثية) ويتخذوا لهم موقعا داخل الحداثة المسطرة من طرف أوروبا، هذا التصور سيتم تقبله على نطاق واسع كدعوة إلى الذوبان في المجتمعات الأوروبية، ويتم رفضه بصفته مسا بالهوية الإسلامية.

وفي الطرف المقابل لموقف طيبي الذي يعتبر نوعا من الخروج عن صف الأمة الإسلامية الممتدة على جميع أرجاء المعمورة يقف طارق رمضان مدرس الفلسفة الفرانكو-أنغلوفوني،المختص في العلوم الإسلامية والصحافي.

يتبنى رمضان مفهوم "الإسلام الأوروبي" بحسب منظور مغاير. ويعتبر أن هذا الأخير لا ينبغي له أن يظل إسلام مهاجرين، بل أن يتجاوز ذلك كليا إلى السعي لإيجاد إجابات جديدة عما تطرحه تحديات الحاضر. ويظل الأساس الذي يرتكز عليه مع ذلك هو مجمل القيم الإسلامية "ذات الصلوحية الكونية". على المفاهيم الإسلامية التقليدية، في نظره، أن تتلاءم مع معطيات الواقع الأوروبي على أن لا ترافق ذلك تنازلات جوهرية.

علاج عقدة النقص

بهذه الطريقة يسعى طارق رمضان إلى تخليص مسلمي أوروبا من عقدة نقص مزدوجة: تجاه العالم الغربي من ناحية، و تجاه عالم إسلامي يدعي لنفسه تمثيل التعاليم الإسلامية النقية. وبالتالي فإن الأمر، وخلافا لما هو لدى طيبي، لا يتعلق هنا بإدماج وامحاء، بل بمشاركة.

هذا المفهوم الذي يطوره رمضان يجد تقبلا لدى المسلمين الشباب على وجه الخصوص. بينما الكثيرون من غير المسلمين يقفون في حيرة من أمرهم؛ هل ينبغي أن يروا في المسلم الأوروبي رمضان مصلحا ليبراليا، أم بالأحرى مبشرا أصوليا.

وإن كان طيبي يحظى بموافقة شريحة واسعة من غير المسلمين، فإن ذلك بالضبط هو السبب الذي يجعله محل ريبة منتشرة في صفوف عدد كبير من المسلمين. إسلام ممذوق من هذا النوع يتمثل مطلبه الأسمى في الانضواء تحت نظام القيم الغربية يتراءى عديم الأهمية دينيا؛

بينما يبدو المقترح الديناميكي لإثبات الذات لطارق رمضان بالمقابل برنامج عمل أكثر منه حلا فقهيا لمعضلات دينية. هكذا يستفز مصطلح الإسلام الأوروبي في صفوف المسلمين ردود فعل العديد من الجمعيات التي داخلتها البلبلة.

تراجع في المعتقد؟

تفضل هذه الجمعيات صيغة براغماتية للـ"تلاؤم مع نمط الحياة الأوروبية، دون تفريط في المبادئ الأساسية للإسلام"، كما عبر عن ذلك مؤخرا نديم إلياس رئيس المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا.

عميق هو القلق الذي يسود، فـ"الإسلام الأوروبي" بإمكانه فعلا أن يعني تراجعا عن مضامين أساسية في المعتقد، وفي الوقت نفسه يمنح غير المسلمين حقا في التدخل لتحديد تعريفهم الخاص لما لما ينبغي أن يكون الإسلام.

إن افتقار الإسلام لأطر كنسية وإكليروس منظمة بإمكانه الإجابة من موقع سلطة عليا على أسئلة التجديد في المجالين الفقهي والتشريعي يتضح مرة أخرى كإشكال. من تراه يكون مسموع الكلمة؟
لا يلمح المرء وجود شخصيات تتمتع بمسار وتكوين يجعلها مهيأة لهذا الغرض، أوشخصيات فذة متميزة بحكم تكوينها العلمي وهالتها المؤثرة.

لكل فهمه الخاص

أما تكوين إطارات الجمعيات الدينية والناطقين باسمها- وهي لا تضم داخل أطرها على أية حال سوى أقلية من المسلمين كما في ألمانيا على سبيل المثال- فإنه يتم داخل ميادين العلوم السياسية والهندسة الميكانيكية والعلوم التربوية - التعليمية والطب، كي لا نذكر سوى عينة محدودة.

تبعا لذلك تتراءى الجوقة متعددة الأصوات والنغمات عندما يقتضي الأمر الإجابة عن أسئلة محدِّدة، وذلك في ما يتعلق بصلاحية تطبيق الشريعة، أو القانون الإسلامي ذي الصلة الوثيقة بالوحي والسنة النبوية. لكل فهمه الخاص لـ"الشريعة" على ما يبدو، وعلى المرء أولا وقبل كل شيء أن يحدد ما الذي يمكن الاحتفاظ به منها ومواصلة تطبيقه، وداخل أي إطار، يرى نديم إلياس. ويبدو أنه يعكس من خلال هذا الرأي قناعة أغلبية من بين المسلمين في أوروبا.

وبالفعل، بإمكان المرء أن يتبين في نهاية المطاف دفقا عريضا من الاجتهادات المجددة؛ محاولات لحل التناقضات القائمة بين فهم تقليدي للإسلام ومعطيات الحياة داخل المجتمعات الأوروبية. ولكم ستبدو سفسطائية بعض الحجج في هذا المضمار، وبصفة لا تخفى عن أحد.

لا يشذ عن ذلك "الميثاق الإسلامي" الذي صادق عليه المجلس الأعلى للمسلمين بألمانيا سنة 2002. وقد أثارت مقولة من نوع:

"لا يوجد أي تناقض بين التعاليم الإسلامية والجوهر الذي تنبني عليه حقوق الإنسان" العديد من الأسئلة كما هو منتظر. ويلتقي المرء في مواضع أخرى كثيرة بصياغات مشابهة في طابعها المراوغ؛ ينطبق الأمر نفسه على مسألة حرية ممارسة المعتقد، أو تغيير المعتقد.

دعوة مفتوحة للنقاش

وعلى أية حال فإن مثل هذه الدعوة المفتوحة للنقاش من شأنها أن تذيب جليد التخوف المبدئي. وعندما يتوصل المرء أولا إلى تقارب في مجال المسائل العامة، فإنه سيغدو بالإمكان أيضا التفاهم بشأن المسائل المثيرة للنزاع في الظاهر، بطريقة أكثر بساطة كمسألة الحجاب وطرق التعليم المدرسي.

أمام مثل هذا التطور لا يحبذ نديم إلياس الكلام عن "إسلام أوروبي"، بل عن "نمط عيش أوروبي للمسلمين"؛ تمييز ذكي و محبّب في الآن نفسه. وهو يحمل في سياقة جوانب متعددة أخرى ما انفكت تبرز بصفة أكثر فأكثر وضوحا، منها على سبيل المثال اعتماد اللغات الأوروبية في مجالات التكوين التربوي والدروس الدينية.

سيرافق هذا الأمر فك لارتباطات الجالية الإسلامية مع البنى الإسلامية ومحتويات التعليم ببلدانها الأصلية، كما أن تأسيس كراسي تدريس للعلوم الدينية داخل الجامعات الأوربية سيعطي دفعا إضافيا إلى أوْربة الإسلام. وقد تم في ألمانيا مؤخرا تأسيس كراسي محاضرات في كل من جامعتي مونستر وفرانكفورت.

آفاق مستقبليّة

ستفقد مقولة الإسلام الأوروبي رواجها لدى الجمهور وذلك عندما سينظم المسلمون نمط حياتهم في أوروبا وفقا لمسارالاندماج. لكنه لن يكون، حسب ما يشير إليه واقع الأوضاع، نمطا "أوروبيا"، بل على العكس من ذلك سيصوغ المسلمون في كل بلد أوروبي نمط حياتهم الخاص وفقا للتقاليد الثقافية والتاريخية الخاصة وبحسب الشروط السياسية والاجتماعية لكل بلد أيضا.

والمقارنة بين بلدين متجاورين مثل ألمانيا والنمسا تمنحنا صورة واضحة عن حجم هذه الاختلافات: بحكم الموقع الذي كان يحتله المسلمون البوسنيون داخل إمبراطورية الهابسبورغ فإن الإسلام في النمسا، خلافا لألمانيا، معترف به رسميا كملّة دينية.

في تركيا أيضا تجري تطورات ذات أهمية بالغة، وقد غدت البلاد تحت حكم "حزب العدالة والتنمية" أكثر إسلامية وفي الآن ذاته أكثر أوروبية من أيّ وقت مضى في التاريخ الحديث.

تركيا الإسلامية وأوروبا

أما عن السؤال الذي يُطرح حول الكيفية التي ستتطور بها العلاقات بين مجتمع تركي ديمقراطي وإسلامي حديث في الآن ذاته والاتحاد الأوروبي، فإنه مثار اهتمام لدى المثقفين المسلمين العرب أيضا.

ذلك أن انضماما محتملا لتركيا إلى الاتحاد الأوروبي سيمثل شكلا جذابا للإسلام داخل أوروبا. بالمقابل لا يحظى مصطلح "الإسلام الأوروبي" لدى هذه الأوساط إلا باهتمام هامشي. لا أحد يرغب في التدخل في مثل هذا الجدل أو أن يشترك فيه أصلا، ذلك هو ما يرد في الصحافة العربية كلما وقعت الإشارة إلى هذا الأمر.

وهكذا فإن ذلك الانتظار الذي ظل يغذيه البعض من حين لآخر بأن يرى أوروبا تلعب دور نقطة الانطلاق لتجديد الإسلام سوف لن يكتب له أن يتحقق.

التجديد لا بد أن يأتي من مختلف مجتمعات العالم الإسلامي نفسها. وهناك خطوات هامة في هذا الاتجاه قد أنجزت في كل من أندونيسيا وماليزيا وفي إيران ومصر.

وفي تركيا أيضا يجري الجدال حول التحديث الديني. وبما أن الإسلام لا يملك كنيسة بإمكانها الدفع بعملية تجديد إلى الأمام، فإن هذا الأمر سيظل مسارا ذا وجوه محلية متعددة. وهو مسار لا يمكن فصله عن عملية تحول اجتماعي وسياسي واسع النطاق داخل العالم الإسلامي.

بقلم أودو شتاينباخ
ترجمة علي مصباح
صدر المقال في صحيفة نيوه تسورشر تسايتونغ
حقوق طبع النسخة العربية قنطرة 2005

د. أودو شتاينباخ هو مدير المعهد المشرقي الألماني بهامبورغ.

ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.