مشروع "الإعلاميون الألمان الجدد"، الصورة  من مشروع "الإعلاميين الألمان الجدد"
مشروع ''الإعلاميين الألمان الجدد'':

الإعلاميون الألمان الجدد.. نحو مزيد من التنوّع للمشهد الإعلامي في ألمانيا

ما يزال التنوّع الخاص بمجتمع الهجرة الألماني مفقودًا في عالم الإعلام، إذ لا يكاد يوجد أي بلد آخر في أوروبا لديه هذا العدد القليل من الإعلاميين من ذوي الأصول المهاجرة مثلما هي الحال في ألمانيا. والآن تسعى مبادرة "الإعلاميين الألمان الجدد" إلى تغيير ذلك. صوفي شاباروم تستعرض هذا المشروع.



كثيرًا ما تتعرَّض وسائل الإعلام في ألمانيا للاتِّهام بأنَّها تغطِّي واقع المهاجرين واندماجهم دون تعدّدية وتنوّع أو حتى أحيانًا بخطاب شعبوي. وأثبت ذلك من جديد الجدال الحاد الذي أثارته الدراسة المتعلقة بالإسلام والتي تم نشرها مؤخرًا تحت عنوان "عوالم حياة الشباب المسلمين". ولذلك يطرح السؤال عمَّا إذا كانت زيادة نسبة الإعلاميين من ذوي الأصول المهاجرة ستساعد في تغيير هذا الواقع وتساهم في إيجاد تغطية إعلامية متوازنة. ولكن في الواقع إنَّ تمثيل المهاجرين المقيمين في ألمانيا ما يزال ضعيفًا جدًا حتى الآن في وسائل الإعلام؛ إذ لا يوجد تقريبًا أي قطاع آخر يعمل فيه المهاجرون بنسبة قليلة للغاية مثلما هي الحال في قطاع الصحافة، حيث تبلغ نسبة الصحفيين من ذوي الأصول المهاجرة إثنين في المائة في حين أنَّ نسبة ذوي الأصول المهاجرة بين عموم السكَّان تصل إلى واحد من كلِّ خمسة.

يسعى العديد من الصحفيين والأكاديميين والخبراء الإعلاميين من خلال اتِّحادهم في جمعية "الإعلاميين الألمان الجدد" إلى تغيير ذلك، وشعار هذا المشروع الجديد هو خلق المزيد من التنوّع في وسائل الإعلام. ولهذه المبادرة الجديدة أهداف واضحة تذكرها الصحفية شيلا ميسوريكار التي تعمل في الصحافة منذ فترة طويلة وقد شاركت في تأسيس جمعية "الاعلاميين الألمان الجدد" في عام 2008 وتعدّ اليوم أوَّل رئيسة لهذه الجمعية: "نحن لا نريد فقط المزيد من الزملاء والزميلات من ذوي الأصول المهاجرة أمام وخلف الكاميرا والميكروفون وفي مكاتب التحرير، بل كذلك أيضًا في هيئات التخطيط ومجالس الإدارة والهيئات الرقابية. ونريد المزيد من الصحفيين ومدراء الأقسام ورؤساء التحرير والمحرِّرين والمصوِّرين والمصوِّرات من ذوي الأصول المهاجرة".

ضدّ التمييز والتنميط

شيلا ميسوريكار ، دويتشه فيله
"يشكِّل المهاجرون خمس سكَّان ألمانيا" مثلما تقول الصحفية شيلا ميسوريكار وتطالب بتمثيل جميع الناس بشكل مناسب في وسائل الإعلام

​​وحاليًا أصبح يوجد في هذه المبادرة أكثر من أربعمائة عضو عامل من بينهم بعض الوجوه المعروفة مثل المذيعة التلفزيونية ذات الأصول العراقية دنيا حيالي والصحفية زينب المسرار رئيسة تحرير مجلة "غزالة"، بالإضافة إلى أستاذ الصحافة أولريش بيتسولد. كما أنَّ أهداف هذه المبادرة مفهومة، إذ لا يوجد تقريبًا شيء آخر يؤثِّر على إدراكنا وتكوين آرائنا بقدر وسائل الإعلام. ولهذا السبب تسعى جمعية "الإعلاميين الألمان الجدد" من ناحية إلى تشجيع الناشئين وزيادة نسبة الأشخاص ذوي الأصول المهاجرة في وسائل الإعلام الألمانية.

ومن أجل تحقيق ذلك يشارك الصحفيون في دورات صحفية تدريبية ويقدِّموا برامج توجيه للصحفيين الشباب من ذوي الأصول المهاجرة. ومن ناحية أخرى يبذل أيضًا أصحاب مبادرة "الإعلاميين الألمان الجدد" ما في وسعهم من أجل خلق تغطية إعلامية حسَّاسة أكثر وتدخل في حسابها التنوّع في المجتمع. وعلى سبيل المثال لقد ردّ الإعلاميون الجدد على الهجمات التي قام بها إرهابيون يمينيون في ألمانيا وأطلقت عليها مؤخرًا بعض وسائل الإعلام الألمانية اسم "جرائم الشاورما" وبيَّنوا أنَّ هذا المصطلح لا يعتبر فقط مصطلحًا عنصريًا يقلل من شأن هذه الجرائم، بل يعمل ببساطة على وصف الأحداث بشكل غير صحيح. ولم يتردَّدوا بعد ذلك بفترة قصيرة في نشر "كتاب مساعد لصياغة المصطلحات في التغطية الإعلامية".

المهاجرون محاصرون في الطبقة السفلى

يرى الباحث المختص في وسائل الإعلام دانييل مولر أنَّ أسباب قلة تمثيل المهاجرين في عالم الإعلام الألماني تكمن أساسًا في عدم المساواة البنيوية والاجتماعية في المجتمع. ويعدّ دانييل مولر عضوًا في مجلس إدارة "مجموعة أبحاث إعلام الشتات" الدولية كما أنَّه يهتم منذ فترة طويلة بوجود المهاجرين وتمثيلهم في وسائل الإعلام. وهو ينتقد بصورة خاصة نظام التعليم الألماني ويقول: "يكاد يكون لدينا إذا نظرنا إلى أبحاث الأداء المدرسي PISA ميول إلى الثقافة الطبقية، وكثيرًا ما يكون المهاجرون محاصرون هنا في الطبقة السفلى ولا يتوفَّر لهم إلاَّ القليل جدًا من فرص التقدّم".

ا ب
تعدّ مذيعة القناة التلفزيونية الألمانية الثانية ZDF دنيا حيالي واحدة من الصحفيات القليلات الناجحات من ذوات الأصول المهاجرة في ألمانيا

​​ويتَّضح من خلال ذلك أنَّ انتقاد حالة وسائل الإعلام يرتبط دائمًا بانتقاد المجتمع أيضًا. وكذلك تعود في المقام الأوَّل مشكلة عدم مشاركة أشخاص معيَّنين في المجتمع إلى أصولهم الاجتماعية، إذ يواجه الأشخاص القادمين من الطبقات الاجتماعية الدنيا صعوبات في ألمانيا بغض النظر عن الجنسية التي يحملونها. وعلى الرغم من أنَّ "الإعلاميين الألمان الجدد" لم يتقدَّموا حتى الآن بطلب معيَّن لتحديد حصة للمهاجرين في قطاع الإعلام الألماني، ولكن قالت الصحفية شيلا ميسوريكار في حوار أجراه معها موقع Qantara.de: "نحن نعتقد أنَّ جميع السكَّان يجب أن يكونوا ممثَّلين بما يتطابق مع تكوينهم في كلِّ المهن والوظائف، وهذا ينطبق على نسبة النساء مقابل نسبة الرجال في وسائل الإعلام وينطبق أيضًا على نسبة المهاجرين في وسائل الإعلام، إذ إنَّهم يشكِّلون في آخر المطاف خمس سكَّان هذا البلد".

المحاصصة خطر اجتماعي؟

والنقاشات التي يمكن أن تثار حول إدخال حصة للمهاجرين في قطاع وسائل الإعلام معروفة بما فيه الكفاية في ألمانيا، ولاسيما تلك المتعلقة بحصة النساء؛ وتتشابه في كلا الأمرين دائمًا الأسئلة والتحفّظات، إذ يطرح السؤال عمَّا إذا كان الأجدر مراعاة المؤهلات وحدها؟ وعن مدى العدالة في تفضيل أشخاص محدَّدين وتوافقه مع مبدأ المساواة في ظلِّ الديمقراطية؟ ولكن من الجائز والمشروع أيضًا الإشارة إلى العجز الديمقراطي الذي يعاني منه مجتمع ما يصف نفسه بأنَّه مجتمع ديمقراطي ولكن الآمر الناهي فيه بشكل أساسي رجال أصولهم ألمانية.

الصورة خاص
ينتقد الباحث الإعلامي دانييل مولر نظام التعليم الألماني ويقول كثيرًا ما يكون المهاجرون في الطبقة السفلى ولا يتوفَّر لهم إلاَّ القليل جدًا من فرص التقدّم

​​ومن جانبة يرى دانييل مولر في المحاصصة وإدخال حصة للمهاجرين جانبًا إشكاليًا آخر يكمن على وجه التحديد في تأكيد الأحكام المسبقة السائدة والتي لا بدّ من إزالتها، ويقول: "يشير المرء من خلال المحاصصة أكثر إلى أنَّ»هؤلاء المستفيدين من المحاصصة« لا يمكنهم على أساس الأداء والمؤهلات الوصول إلى أي شيء. وربَّما يكون ذلك أيضًا على المدى الطويل أكبر خطر اجتماعي". ودانييل مولر لا يشاطر رأي من يقول إنَّ المهاجرين يستطيعون نقل عوالم حياتهم إلى وسائل الإعلام، ويقول إن كان الأمر كذلك "فيجب بالتالي أن يطالب المرء بضرورة توظيف وسائل الإعلام ثلاثين في المائة من الشباب الحاصلين على شهادة الثانوية العامة الذين لا يحصلون على فرص كافية".

وعلى العموم لا بدّ من السؤال عمَّا إذا كان من الممكن أن تتحقَّق هذه التقديرات بسهولة. وهل تمثيل المهاجرين بنسبة أكبر في وسائل الإعلام يعني بالضرورة إيجاد تغطية إعلامية أكثر توازنًا أو يؤدِّي على الأقل إلى التقليل من الصور النمطية؟ يشكّ الخبير الإعلامي دانييل مولر في ذلك ويقول: "التغطية الإعلامية تسير حسب عوامل الأخبار التي تحددها المصلحة العامة المتوقَّعة وتعكس حقائق اجتماعية وموازين القوى"، ثم يلخِّص المشكلة في المثال التالي: "لم يكن يوجد في مجلس الشيوخ الأميركي بين أعضائه البالغ عددهم مائة عضو في العام 2000 أي عضو من أصول أفريقية (رغم أنَّ نسبة ذوي الأصول الأفريقية تتراوح بين إثنى عشر وثلاثة عشر في المائة من السكَّان). فما الفائدة من ذلك لو كان جميع المراسلين الصحفيين في مجلس الشيوخ من السود؟"

يبقى هدف تمثيل جميع الناس بشكل مناسب في وسائل الإعلام هدفًا منشودًا؛ وكذلك تشكِّل هذه المبادرة الخاصة بالمعنيين، بالأشخاص ذوي الأصول المهاجرة، خطوة مهمة في هذا الاتِّجاه. ولذلك لا بدّ قبل كلِّ شيء من وجود أمثلة إيجابية يمكن أن يتخذها المهاجرون الشباب أسوة حسنة. وإلاَّ فإنَّ هؤلاء الشباب "سيعودوا إلى أوطانهم أو سيذهبوا إلى دول أخرى حيث لا يتم وصمهم بسبب أصولهم بقدر ما يتم ذلك هنا" في ألمانيا، مثلما يقول دانييل مولر.

 

صوفي شاباروم
ترجمة: رائد الباش
مراجعة: هشام العدم
حقوق النشر: قنطرة 2012

اقرأ أيضًا: موضوعات متعلقة من موقع قنطرة
اطبع المقال
أرسل المقال إلى صديق
إضافة تعليق
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : الإعلاميون الألمان الجدد.. نحو مزيد من التنوّع للمشهد الإعلامي في ألمانيا

للأسف ماتزال ألمانيا تنام على وقع سياسة الجنس الآري خاصة بالنسبة للعرب والمسلمين بالخصوص وذلك جلي بمحاولة التكفير عن أخطاء الماضي (المحرقة اليهودية) ونعت كل من هو ضد اليهود بمعاداته للسامية ،فاليهود لهم باع كبير في ألمانيا وهم قوة ضاربة ،وهذا مايتجسد على أرض الواقع في معاملة المسلمين من الجالية المهاجرة والتضييق حتى على التأشيرة ناهيك عن المهاجريين غير الشرعيين..فالتنوع تخلقه الحاجة وألمانيا يشهد لها الجميع بدون مجاملة بالتفوق لكن للأسف معدل سن الإنسان لديها في تقدم وهي بحاجة لعقول بشرية غير ألمانية لكنها تدرك بأنها لابد من دمجهم..لذا لابد لها من التساهل في الهجرة لكن قانونيا طبعا والتسهيل من الزواج بالألمانيات حتى يتمكن المهاجرون من الإندماج...لكن هذا يتطلب وقت خاصة من أجل القبول بالفكرة ..

محمد الطيب سكيريفة14.04.2012 | 00:50 Uhr