صورة المسجد
مسجد كولونيا المركزي:

مسجد كولونيا المركزي: أيقونة معمارية تجسد تسامح وتنوع مسلمي ألمانيا

منذ سنوات ومسجد كولونيا المركزي محط الجدل بين مؤيدين ومعارضين. ورغم أنه قد دخل المرحلة الأخيرة من بنائه، مازال الخلاف والنقاش حول هيكله المعماري وموقع تشييده قائمان.



تهدف فكرة بناء مسجد كولونيا المركزي إلى تحويله إلى مكان عبادة لجميع سكان المدينة، بغض النظر عن اختلاف عقائدهم وأديانهم وطوائفهم، بهدف تعزيز التعايش السلمي بين المسلمين وغير المسلمين. كما أن فكرة جعله مكان لقاء وتعارف وتقارب بين الناس تؤهله كي يصبح رمزا للإندماج الناجح في المجتمع الألماني. ولكن عندما عرضت مخططات البناء من قبل الاتحاد الإسلامي التركي "ديتيب" في كولونيا أمام الرأي العام لأول مرة، استغل معارضون فكرة بناء هذا المسجد الفرصة لإثارة نقاشات حادة حول الجالية المسلمة في كولونيا.

وتأتي حركة "من أجل كولونيا/ برو كولونيا" اليمينية في مقدمة من بدء بشن الحملة ضد بناء المسجد. وتطالب هذه الحركة اليمينية المتطرفة بوقف البناء معتمدة في ذلك على شعارات معادية للإسلام. ومن طرف آخر ينتقد الكاتب والصحافي المعروف رالف جوردانو بناء المسجد، ويرى أن "عملية الاندماج في ألمانيا أصبحت في خطر جراء هذا المسجد". ولكن النقاش تحول من نقاش يتعلق بقضايا التعايش السلمي المشترك إلى نقاش حول الشكل المعماري للمسجد وحول موقعه في المدينة.

 

بيت الله بيت الرحابة

 

الصورة ا ب
المهندس الألماني باول بوم أراد من من خلال تصميمه المعماري تجسيد روح التسامح

​​أما إذا تحدثنا إلى مؤيدي بناء المسجد نلاحظ في حديثهم مصطلحات ايجابية كثيرة مثل "رَحِب"، "مُنفتح"، "مُشرق". وهذا هو بالضبط ما أراده المهندس الألماني باول بوم من خلال تصميمه المعماري. فالهيكل المعماري يحتوي على قاعة صلاة مفتوحة، ثم على باحة ضخمة تدعو الناس من جميع الأديان إلى الدخول إلى المسجد، علاوة على قبة مفتوحة إلى الأعلى تبدو كبرعم زهرة على طرفيها تقف أبراج مئذنتين رشيقتين شامختين في السماء.

هذان البرجان كانا أساس المشكلة قبل بدء البناء في تشرين الثاني لعام 2009. لقد قيل في البدء في صفوف حركة "برو كولونيا" "أنهما مرتفعتان جداً"، رغم أنهما كانا وفقاً للمخططات المعمارية الأولية أعلى من ذلك حيث يتجاوزان بارتفاعهما كاتدرائية كولونيا، التي تعد أهم معالم المدينة ورمز المسيحية فيها، وهي كنز من كنوز التراث الثقافي العالمي. وبعد نقاشات مطولة في مجلس المدينة، وفي وسائل الإعلام وبين الناس تم التوصل إلى حل وسيط تمثل في أن تبنى أبراج المآذن أقل ارتفاعاً مما يقر به المخطط المعماري. وترى عايشة آيدين من الاتحاد الإسلامي التركي في كولونيا أن "النقاش الحاد حول بناء المسجد كثيراً ما كان مؤلماً جداً" بالنسبة لها، ولكن من ناحية أخرى كان مفيداً، حيث سلط الضوء على الجالية التركية في كولونيا وتوضح مع الوقت اهتمام المواطنين الألمان بها. وتضيف قائلة: "هذه المباني يجب أن تكون مفتوحة أمام الجميع وأن وجود مثل هذا المسجد يمكن أن يقلل من الشعور بالخوف من الغريب ومن المجهول عند الناس ويستطيع أن يكون منصة تواصل اجتماعي بين المواطنين جمعاً".

 

كنوز معمارية جديدة في كولونيا


الصورة د ب ا
المسلمون جزء من المجتمع الألماني

​​

بعدما دمرت مدينة كولونيا جراء القصف خلال الحرب العالمية الثانية، أعيد بناءها بشكل سريع دون أخذ الناحية الجمالية في تخطيط المدن بعين الاعتبار. لذلك يقال بين العامة أن كولونيا ليست بالضرورة مدينة جميلة وهنا يطرح السؤال نفسه: لماذا لا يعتبر مسجد مثل هذا بمثابة تعزيزا لصورة مدينة كولونيا الجمالية؟ خاصة وأنه سيكون واحدا من أهم المباني الكبيرة القليلة في كولونيا، التي تملك رونقا وجاذبية خاصة تستمدها من روح التراث المعماري الإسلامي.  وكما يقول نوربرت نوسباوم، أستاذ التاريخ المعماري في كولونيا، فإن المسجد "هو شكل نموذجي للعمارة العثمانية، وبهذا سيتحول إلى مسجد تركي وسط الشتات الإسلامي. ورغم أنه وبكل وضوح فن معماري تركي، إلا أنه من المعالم المعمارية الكبيرة في ألمانيا". كما يعتقد أن العديد من المسلمين سوف يشعرون بالاطمئنان والاستقرار من خلاله وكأنهم في بلادهم.

 

في القرن السادس عشر وصل الفن المعماري العثماني إلى أوجه، وكانت من سمات هذا الفن لوحات الفسيفساء الرائعة التي لا تزال اليوم تهيمن على الأبنية الدينية التركية. هل ستدخل مثل هذه الزخرفات في بناء المسجد في كولونيا؟ السؤال يبقى مفتوحاً. وحسب الاتحاد التركي الإسلامي في كولونيا، سوف يكون هناك وقتاً كافياً للتفكير بذلك وربما في وقت لاحق تُدمج عناصر عثمانية كلاسيكية في البناء. ولكنّا سنرى في يوم الافتتاح في الربيع المقبل أشعة الضوء، وهي الزخرفة الوحيدة، التي تصب إلى الداخل من خلال النوافذ العالية.

 

سوف يكون للمسجد حضور قوي في محيطه


الصورة دويتشه فيله
وجود مثل هذا المسجد يمكن أن يقلل من الشعور بالخوف من الغريب ويستطيع أن يكون منصة تواصل اجتماعي بين المواطنين جمعاً

​​موقع المسجد بين الشارع العام الذي تسيطر عليه حركة سير كثيفة من جهة ومحطة البنزين من جهة أخرى يجعل البعض يعتبره غير لائقا ليكون بيتا للعبادة. لكن المهندس المعماري باول بوم يقول ضاحكاً عندما يُسأل عن ذلك: " آمل يكون تصميمي المعماري للمسجد أقوى حضوراً من المحطة أو من غيرها". وأيضا مخططة المدن المهندسة سوزان غروس ترى أن المحطة ليس لها أي أهمية أو تأثير على موقع المسجد، وتضيف: "عدا عن ذلك من يدري فيما إذا كانت المحطة سوف تبقى هنا بعد ثلاثين عاماً".

كما يرى غروس أنه ربما كان اختيار هذا المكان عمداً، وهي على قناعة بأن الفن المعماري يمكن أن يكون له نفس قوة الفنون الأخرى، التي تشد أنظار الناس وتجمع بينهم. المهندس باول بوم يؤمن أيضاً بهذه القوة التي يحملها الفن المعماري ويقول: "رغم أن أغلب المباني الجديدة تحتاج إلى وقت طويل لتعتاد عليها عامة الناس ولتصبح من وجه المنطقة والبيئة المحيطة نرى أن مسجد كولونيا المركزي بدأ بالفعل يملك هذه الصفة منذ زمن وقبل انتهاء بناءه".

 

ذو الفقار أباني / فؤاد آل عواد

مراجعة: لؤي المدهون

حقوق النشر: دويتشه فيله 2011

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : مسجد كولونيا المركزي: أيقونة معمارية تجسد تسامح وتنوع مسلمي ألمانيا

الآن من أولى الأوليات ربط الشباب بالنموذج السلوكي لخير البرية محمد صلى الله عليه وسلم

فالركن الأول من الشهادة .. “أشهد أن لا إله إلا الله” نفي الآلهة واثبات ألوهية الله عز وجل … وتمثلت في اقرار شرعه والسعي لتمكين دينه ..
والركن الثاني من الشهادة .. “وأشهد أن محمدا رسول الله” .. وهي اقرار لصلة السماء بالأرض من خلال النبوة.. واقرار اصطفاء الله لرسله وأنبياءه . واقرار أن خاتمهم ومتمم رسالتهم هو محمد صلى الله عليه وسلم .. نموذج الكمال الانساني .. والمراد الإلهي من البشر .. الذي قال عن نفسه صلى الله عليه وسلم “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” ..
قول الله تعالى في كتابه الكريم موضحا جوهر رسالة رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [آل عمران: 164]
﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ [الفتح: 28]
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21]
فالآن .. بجانب رصيد التعلق الوجداني الطبيعي الموجود عند الناس تجاه الرسول صلى الله عليه وسلم .. علينا أن نبسط للناس سنته صلى الله عليه وسلم، بطريقة تطبيقية سلسلة وسهلة .. فكل سنته صلى الله عليه وسلم هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها … ورصيد الفطرة لا زال موجودا بالرغم من التجريف الذي تم في جاهلية هذا العصر …
على الدعاة وعلماء النفس والتربية والتدريب أن يعملوا بجد لتبسيط نموذج الكمال الانساني الممثل للنبي صلى الله عليه وسلم.. وتقديمه بأساليب حديثة .. وليس فقط بعرضها في دروس المساجد، وبناء نماذج معرفية وأصول علوم التنمية البشرية من منظور السنة وجعل المستهدف من الحكمة في مواقف الناس كلها .. هو الحكمة في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ..
فليكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قائدنا حقا … ليسقينا جميعا على الحوض من يده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدا … ولتكن القدوة الحسنة وهى الدال على الخير هى النموذج الذى نبحث عنة / (اعوذ ان اشرك بك وانا اعلم واستغفرك لما لااعلم)

ثقافة النقل والعقل14.04.2016 | 06:22 Uhr