أنغليكا نويفيرت في كتاب ''القرآن باعتباره نصًا من أواخر العصور القديمة'':

مقاربة معاصرة لرؤية كلاسيكية لفهم القرآن

يتجلى القرآن في كتاب أنغليكا نويفيرت "القرآن باعتباره نصًا من أواخر العصور القديمة" متحررًا من التقاليد الإسلامية اللاحقة وضمن نطاق صيرورة نشوئه. شتيفان فايدنر في هذه القراءة النقدية.



مضى نحو مائة عامٍ على أسمى أمجاد العلوم الإسلامية التي تجري في ألمانيا، حيث وضع غولد تسيهر وثيودور نولدكه آنذاك دراساتٍ حول مرحلة صدر الإسلام وحول القرآن ونشوء الشريعة الإسلامية، وهي دراساتٌ لا بدَّ من أخذها بعين الاعتبار حتى اليوم. وتـَجري منذ عدة سنوات متابعة البحث في حقبة صدر الإسلام كاستمرارية لمرحلة ازدهار هذه البحوث من جانبٍ مختلفٍ جدًا، وذلك في عدة مؤسساتٍ نذكر منها هنا "أكاديمية برلين - براندنبورغ للعلوم"، حيث تعرض أنغليكا نويفيرت المختصة بالدراسات العربية تحت العنوان البرنامجي "القرآن باعتباره نصًا من أواخر العصور القديمة. مَدْخَلٌ أوروبي" النتائج الأولى لعمل مجموعة شابة من الباحثين في القرآن تـُشرف هي عليه في الأكاديمية.

ضمن سياق البيئة الثقافية والدينية

الصورة دويتشه فيله
منذ العام 2007 تدير أنغليكا نويفيرت أستاذة الدراسات العربية في جامعة برلين الحرة مشروع "Corpus Coranicum" "نصوص القرآن"، الذي يَدرُس القرآن باستخدام الأسلوب التاريخي النقدي.

​​تبحث أنغليكا نويفيرت في القرآن ضمن نطاق صيرورة نشوئه محررةً إياه من التقاليد الإسلامية اللاحقة. وبالتالي تتم قراءة القرآن كما فهمه معاصروه: أي حقًا باعتباره شهادةً على جدلٍ لاهوتيٍ مكثـَّفٍ في شبه الجزيرة العربية، لكن في بيئة ثقافية ودينية تركت ميسمها حتى على باقي منطقة البحر الأبيض المتوسط في القرن السابع الميلادي، وبالتالي وفي نهاية المطاف كذلك على المعتقدات الأوروبية حتى اليوم: "باعتبار أنَّ القرآن قد انبثق عن الجدل الذي كان قائمًا في أواخر العصور القديمة واعتبر نفسه استمرارًا للتقاليد المسيحية واليهودية التي سبقته (...) فهو ذاته جزء من الإرث التاريخي لأواخر العصور القديمة الذي ورثته أوروبا."

هذه الطريقة في القراءة لا تفيد بالتأكيد في شرح الإسلام اللاحق أو شرح نظرة المسلمين المعاصرة إلى القرآن إلا بشكلٍ جزئي. أما قدرة هذا النهج فتكمن في إزالة سوء الفهم وكل الأساطير التي تسربت عبر القرون إلى تفسير القرآن الكريم أكان من جانب المسلمين أمْ من جانب الباحثين في العلوم الإسلامية. ساد اعتقادٌ فترةً طويلةً بأنَّ الإسلام قد نشأ من اللاشيء، وبأن احتكاكه بالتقاليد اليهودية-المسيحية كان ضعيفًا في أحسن الأحوال، وإنما احتكاكه كان بالأخص مع التقاليد العربية الوثنية القديمة. بيد أنَّ التبادل مع البيئة الثقافية كان في الحقيقية كثيفًا جدًا، كما يمكن تحديد جزءٍ كبير ٍ من التبادل إذا ما تمت قراءة القرآن باعتباره كتابًا ليس منتهيًا إنجازه، كما هو بين أيدينا اليوم، بل بالأحرى باعتباره نصًا رافق نشوء جماعة دينية جديدة. "لا يجب افتراض وجود ِمؤلفٍ واحدٍ خلف النص، أنَّما نقاشٌ جماعيٌ امتد على طول فترة تأثير مُعلِن الآيات"، هكذا تلخص أنغليكا نويفيرت المنظور الجديد.

المبدأ الحواري في كتابة النص

غلاف الكتاب
القرآن هو مساهمة حيوية في النقاش ضمن مساهماتٍ كثيرة في أواخر العصور القديمة: يشكل تحليل أنغليكا نويفيرت السديد لتاريخ صدر الإسلام بلا شكٍ إِثراءً للعلوم الإسلامية.

​​بدلاً من الافتراض التقليدي، بأنه كان هناك مبشرٌ من جهة، يواجِه مستمعيه أو قارئيه بالنص وذلك بأسلوب المؤلف، سواء كان بدافع ذاتي أو مدفوعًا بإلهام إلهي، تقترح أنغليكا نويفيرت نموذجًا آخر يحذو حذو الدراما – أي نموذجًا يعمل بمبدأٍ حواريٍ يسمحُ بسماع أصواتٍ معارضة، تسبب بدورها ردود فعلٍ تأتي على شكل آياتٍ قرآنيةٍ جديدة. وكما هي الحال لدى سماع محادثةٍ هاتفيةٍ يُمكن "استنتاج الظرف الذي يجري فيها الحديث دون صعوبات، بالرغم من سماع طرفٍ واحدٍ من المتحدثين فقط." توفـِّر البسملة مثالاً جيدًا على ما سبق، حيث أنَّ وقع عبارة "الرحمن الرحيم" على الأذن الغربية فيها استفاضة أو زيادة عن الحاجة ، وتبدو كأنها تأكيد على الصورة النمطية عن أسلوب التعبير الإنشائي لدى العربي. لكن هذا خاطئ. فنحن هنا أمام تعبيرٍ متوازي يتميز في الوقت ذاته بشدة عن الدعاء المسيحي: "باسم الأب والابن والروح القدس".

منذ العام 2007 تدير أنغليكا نويفيرت أستاذة الدراسات العربية في جامعة برلين الحرة مشروع "Corpus Coranicum" "نصوص القرآن"، الذي يدرُس القرآنَ باستخدام الأسلوب التاريخي النقدي. البسملة إذا ليست شعرًا رديئًا، وليست نسخةً رخيصةً عن دعاءٍ مسيحي، إنما هي تُعلِن عن ابتكارٍ لاهوتي: فمع البسملة يتم التخلي عن فكرة الثالوث كما عن فكرة اعتبار المسيح ابن الله. كما تبيّن أنغليكا نويفيرت إلى جانب ذلك، وجود إمكانيةٍ لصياغة "نقدٍ للإسلام" ذكيٍ قائمٍ على معرفةٍ راسخةٍ بدلاً من الأحكام المسبقة، وذلك بمفهوم نقد العقائد الإسلامية وأحكامها المسبقة. بيد أنَّ النتائج المبدئية لأبحاث مشروع "نصوص القرآن" المطروحة في الكتاب تكشف أيضًا عن حدود ومشاكل مشروعٍ كهذا. ويمكننا على سبيل المثال الانطلاق من أنَّ الأصولية الإسلامية لا تستطيع التعامل مع أبحاث كهذه.

النص الأصلي و "الكتاب" الإلهي

ولكي يتم الدخول في حوار مع المسلمين المؤمنين أيضًا، كان لا بدَّ من تبيان كيفية تطوّر الفهم الإسلامي الأصولي للقرآن بشكلٍ أكثر وضوحًا، انطلاقًا من بدايات القرآن المفتوحة والحوارية ليتوطّد بعدها بشكل عقائدي. ويوجد في هذا الكتاب المعروض بعض الأمثلة على ذلك على الأقل، مثل شرح كلمة الكتاب. وبالنظر إلى تشكّل الجماعة الجديدة كانت كلمة كتاب في عصر النبي محمد تعني نصًا أصليًا في السماء وليس أبدًا القرآن الذي كان لا يزال في مرحلة نشوئه، بينما بدت كلمة كتاب للمسلمين فيما بعد على أنها تشير إلى القرآن، الذي صار بذاته النص الأصلي السماوي بحسب التفسير اللاحق، وصار "كتابًا" إلهيًا تامًا منذ الأزل لم يحتَج النبي محمدٍ إلا لإعلانه، – أي من زاوية نظر النبي محمدٍ إلى القرآن "تلاوته"، لكنها أصبحت ليست خارج نطاق العقل أبدًا من وجهة نظر المسلمين الذين أتوا لاحقًا ووجدوا القرآن كاملا ً.

نحن بحاجةٍ لمزيدٍ من بناء جسورٍ مماثلةٍ بين التفسير الأصولي والأبحاث الجديدة، لا سيما في غمار دراسة الإسلام حيث لا بدَّ من تعميق الفهم بأنَّ الدين لا يتألف من وقائع تاريخيةٍ ونصوصٍ قابلةٍ للتحقق فقط بل يتألف أيضًا من رؤى وتخيلاتٍ ورغباتٍ، بالرغم من استناد الأصولية بالأخص على ذلك دائمًا بشكلٍ حرفي. يبدو أنَّ هذا أكثر أهمية من كل الأبحاث بخصوص صدر الإسلام، التي تتّسِم بسبب وضع المصادر الإشكالي بطابعٍ تكهُّنيٍ –فالوثائق القديمة القليلة دوِّنت بعد نصف قرن من موت النبي محمد (632)، ومعظم المراجع ليس لها سندًا أكيدًا إلا بعد مائة عام من ذلك. في نهاية المطاف تكون المسألة بالفعل مسألة إيمان، مهما كان الأمر موجعًا من وجهة نظر علماء فقه اللغة.

النتائج التي خرجت بها أنغليكا نويفيرت من أبحاث القرآن الجديدة لافتة، لكنها عصية على الفهم بالنسبة للجمهور الذي لا يملك معارف مسبقةً بالمادة، مع أنها ترجمت كل الآيات المقتبسة من القرآن، وشرحت باستمرار وضع الأبحاث والسياقات ولو أنها فعلت ذلك بشكلٍ مقتضب دائمًا، لكنَّ الشروحات والتفسيرات المجهرية لأدق دقائق النص لا يمكن أنْ يقدِّرها حق قدرها إلا أهل الاختصاص. بهذا الشكل الرائع تتجلى الدراسات الإسلامية في ألمانيا، لكن لا بدَّ من بذل جهدٍ إضافيٍ فيما يخص أسلوب إيصال هذه النتائج بشكلٍ مفهومٍ للجمهور.

 

شتيفان فايدنر
ترجمة: يوسف حجازي

حقوق النشر: قنطرة 2011

أنغليكا نويفيرت: دار نشر الديانات العالمية، برلين 2010. 859 صفحة.

اقرأ أيضًا: موضوعات متعلقة من موقع قنطرة
اطبع المقال
أرسل المقال إلى صديق
إضافة تعليق
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : مقاربة معاصرة لرؤية كلاسيكية لفهم القرآن

من المنطقي ابتعاد المختصين في المانيا عن هكذا دراسات لانها وبصراحة لاتفيدنا لان العرب عادة لايثقون بدراسات طبخت في دول غير اسلامية ولانفيدهم لانها ذات طابع غير اقتصادي اي لاتقاس بمقياس المردود المادي لنظرية الانتاج الكمي وارى هنا لزاما علينا ان ننصح اولئك المختصين ان يبحثوا في دراسات تبحث اسباب انحلال مجتمعاتهم المريضة وتخنثها فمن غير المنطقي ان تهدر المانيا اموالا في دراسات عقيمة ليست لها اي قيمة تذكر للعرب والمسلمين ولكن يبقى احتمال ان تنفع تلك الدراسات مراكزهم الاستخبارية والتجسسية في احتمالية تفكير الالمان بملىء اي حيز تتركه امبراطورية الصليب الجديدة المنهزمة لحساب مصالحهم واذا ما صح هذا فاني اقول لهم ان قوى الاسلام الصاعدة بموجب الربيع العربي تنظر بعين الشك والريبة لمخططاتهم وانهم اي العرب والمسلمون لايثقون بالاوربيون الهرمين ..عتاة الجواسيس حتى لو نطقوا الشهادة ودخلوا بالاسلام ستظل نظرة العرب عليهم انهم جواسيس محترفين لاعهد لهم ولاذمة لفترة زمنية قادمة طويلة ولربما ل 1000 سنة قادمة\ طبعا\ بسبب ثورة المعلومات التي نعيشها الان .

Jasim Al- Azzawi31.03.2012 | 09:43 Uhr

القران كان مكتوب فى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فى اوراق من الجلد وكان محفوط فى عقول الصحابة لانهم يصلون بالقران وليس بالدعاء بعد وفاة الرسول تم حمع الاوراق المكتوبة فى عهد ابو بكر وليس بقد مائه عام كما تقول الكاتبة وكل مك كتب له اسانيد وليس سند واحد من الاحتمال ان تكون بتتكلم على السنة وهى اقوا النبى وافعاله وهى جمعها البخارى فالكاتبة ليت متعمقة ومنحازة فى كتابتها

نادية21.05.2014 | 17:52 Uhr

السلام عليكم...لم تتم كتابة القرآن بعد 1/2قرن بل كان الوحي يتم تدوينه اولا باول بواسطة جماعة مخصوصة اسمها كتبة الوحي وكانوا يدونون ما يمليه عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم علی ماتيسر لكل منهم من جلود وعظام وغيرها وكان الصحابة يحفظون هذه الايات لتلاوتها في صلواتهم( 5مرات)يوميا فلما مات الرسول قام ابوبكر الصديق رضي الله عنه بجمع هذه الكتابات في مصحف واحد وحفظه عنده ثم قام ثالث الخلفاء بعد الرسول مباشرة بنسخ عدة نسخ وقام بارسالها الی باقي الاقطار لتكون مرجعا لمنع التحريف والزيادة والنقصان.

محمد صبري06.08.2014 | 19:32 Uhr