التوافقات السياسية والحلول الديمقراطية كفيلة بمحاربة الارهاب

لا يمكن محاربة الإرهاب باستخدامه ذريعة لتمرير أهداف أخرى، لا صلة له بها، كمقاومة الانتفاضات الشعبية والاحتجاجات الطبيعية للجماهير المهمّشة، أو الفاقدة للأمل، والخائفة من المستقبل. ولا يمكن محاربة الإرهاب باستخدام وسائله نفسها، وتحويل الدولة إلى عصابة، ومؤسّساتها الأمنية والعسكرية إلى ميلشيات إرهابية مضادّة، أي بتقويض الدولة وتفريغها من مضمونها القانوني والأخلاقي، وربما إلى غير رجعة، والتشريد السياسي لملايين البشر.

 

 

لن يقلّص القضاء على بعض عناصر "تحرير الشام" لقاء تدمير إدلب على رؤوس سكانها، والتضحية بملايين المدنيين، وتدمير شروط بقائهم، قاعدة الإرهاب والتطرّف، ولن يساعد على حصاره، ولكنه سيقدّم له بالعكس المستنقع الآسن والضغائن الظاهرة والدفينة التي يحتاجها كي يستمر ويتكاثر.

الحل الوحيد لمحاصرة التطرّف والقضاء على الإرهاب هو العمل الجدّي على إيجاد الحلول السياسية التي تعيد توحيد الشعوب والمجتمعات، وتمكّنها هي نفسها من لفظ التطرّف ورفض الإرهاب والعمل على مكافحته. وهذا للأسف ما تحاول موسكو، برفضها الانتقال السياسي الذي نصّت عليه قرارات الأمم المتحدة، وأولها 2254، وإصرارها على بقاء الأسد بأي ثمن، أن تحول دونه.

من دون مشاركة المجتمعات نفسها في محاربة التطرّف، ومحاصرة الإرهاب، لن يكون هناك أي أمل في القضاء عليهما. كما لا يمكن كسب مشاركة المجتمعات إلى هذه القضية، باستخدام القصف الجوي المكثف على قراها ومدنها، وتدمير بيوتها على رؤوس ساكنيها. ولا يمكن تقليص قاعدة التطرّف والإرهاب، بتجاهل المشكلات الحقيقية، والتنكّر للمطالب الحقة والتلاعب ببعض النخب الانتهازية، والإصرار على حسم الصراع على السلطة، وتوزيع الموارد بالقوة العسكرية.

وبلا شك لا يمكن تعزيز الميول السلمية والتصالحية، والتفاهم داخل الشعوب والمجتمعات بالدفاع حتى آخر سوري عن نظام أثبت إفلاسه، وفرضه بالقوة على شعبٍ عانى منه الأمرّين، وكان السبب الأول وراء دمار بلاده، وقتل الآلاف، وتشريد الملايين من أبنائه.

وهذا بصرف النظر عن حجم المصالح القومية الروسية، وشرعية أو عدم شرعية تحدّي موسكو على حساب السوريين السياسات الغربية، كما هو الحال في سورية منذ سنوات. اللهم إلا إذا كان الهدف من محاربة الإرهاب هو بالعكس تخليد الإرهاب نفسه، وزجّ الشعوب في حروب داخلية، لا مخرج منها، وتقويض عوامل الألفة والانسجام والتفاهم بين أعضائها، من أجل السيطرة على مواردها أو التحكّم بموقعها.

 

 

برهان غليون

حقوق النشر: برهان غليون 2018

أكاديمي سوري، أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون في باريس، أول رئيس للمجلس الوطني السوري المعارض، من مؤلفاته: "بيان من أجل الديمقراطية" و"اغتيال العقل" و"مجتمع النخبة".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.