موسيقى موزارت في غزة، دارين باريمبيوم رسول السلام والمحبة في الأرض المقدسة
قائد الأوركسترا الإسرائيلي بارنبويم يقود أوركسترا لموزارت في غزة:

موسيقى موزارت في غزة ...رسائل سياسية بألحان موسيقية

قرّر قائد الأوركسترا الإسرائيلي دانيال بارنبويم إحياء حفل موسيقى بالاشتراك مع موسيقيين أوروبيين في غزة. ولم يكن تنفيذ هذا المشروع الجريء أمرًا سهلاً، فقد باء عدة مرات بالفشل؛ وكان نجاحه حتى اللحظات الأخيرة غير مؤكد. هانس كريستيان روزلر والمزيد من التفاصيل.

تمكَّن المقاول الفلسطيني، جودت الخضري من تحقيق ما في ذهنه، إذ أنشأ قبل فترة طويلة من عزم القيادة الفلسطينية الإعلان عن دولة فلسطينية أوَّل متحف في مدينة غزة. ويمثِّل هذا المتحف على الأقل نقطة انطلاق لجمع القطع الأثرية وحفظها. وفي هذا الصدد رأى الخضري أنَّ "وجود متحف صغير في غزة أفضل من عدم وجود أي متحف". وهكذا تم بالقرب من مخيم الشاطئ بناء مركز المتحف الثقافي الذي يضم بالإضافة إلى ذلك فندقًا ومطعمًا - وجاء إنشاؤه إيمانًا من الخضري بثقافة مدينته غزة وتاريخها، هذه المدينة التي تعدّ أقدم بآلاف السنين من سلطة الإسلامويين في حركة حماس.

وفي يوم الثلاثاء لم يكن باستطاعة بهجت الخضري، صاحب الرؤية الثقافية الشجاع، إخفاء توتّره. ولم تنفرج أسارير وجهه إلاَّ بعدما أعطى دانيال بارنبويم اشارة بدء الليلة الموسيقية الصغيرة. وفي الواقع لم يكن الفلسطينيون يحلمون مثل الخضري حتى اللحظات الأخيرة بظهور موسيقيين من فيلهارمونيكا فيينا وبرلين ومن ثلاث أوركسترات أوروبية أخرى في هذا المبنى ذي اللون الرملي الذي يقع على شاطئ البحر الأبيض المتوسط.

ولكن عازف البيانو ومدير دار أوبرا الدولة في برلين، دانيال بارنبويم الذي نشأ في إسرائيل، بقي مثل بهجت الخضري عازمًا منذ أعوام وبإصرار على تنفيذ مشروعه، ليقيم أيضًا في غزة حفلاً موسيقيًا، مثل الحفل الذي أقامه قبل أكثر من عشرة أعوام في مدينة رام الله في الضفة الغربية.

معارضة داخل صفوف حماس

الصورة  ا ب
إشارة ضدّ الحصار الثقافي - دانيال بارنبويم في حفل موسيقي أحياه في الثالث من شهر أيّار/مايو في مركز المتحف الثقافي في غزة.

​​أصبحت زيارة بارنبويم لقطاع غزة مثيرة أكثر للجدل بعد قتل زعيم تنظيم القاعدة الإرهابي أسامة بن لادن. وجوبه هذا الحفل بالمعارضة داخل صفوف حركة حماس. واضطر بارنبويم للتفاوض حتى ساعات متأخّرة من الليل، وفي النهاية حصل على تصريح لإقامة الحفل.

وفي بداية الحفل الذي وجد من قبل الجمهور ترحيبًا كبيرًا، قال بارنبويم: "نحن نريد أن نرسل إشارة واضحة ضدّ هذا الحصار الثقافي، ونحن هنا لنبيِّن أنَّ الناس قلقون عليكم". وبالنسبة لمعظم مواطنيه الإسرائيليين يعتبر قطاع غزة الذي يحكمه الإسلامويون في حركة حماس "حماسستان"؛ وفقط قبل نحو عامين ونيِّف اندلعت هناك حرب استمرت طيلة أسبوع بين إسرائيل وحركة حماس.

وفي الخارج يشق هدوء موجات البحر زورق دورية من الجيش الإسرائيلي، وفي الشارع أمام المتحف يقف رجال من شرطة حماس الملتحين يرتدون زيًا أسود في نوبه حراسة. في الداخل لا يشوّش على صوت موسيقى موزارت سوى خشخشة خافتة تصدر عن تعرّض زخرفة السقف الشرقية لتيار الهواء المنبعث من جهاز التكييف وأحيانًا رنين أجهزة الهاتف المحمول. نظَّم هذا الحفل العديد من المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة ودعي لحضوره أكثر من أربعمائة شخص.

وحضر الحفل الموسيقي أيضًا عدة صفوف مدرسية، حيث تم فصل الفتيان عن الفتيات بعناية، وكانت رؤوس معظم الفتيات مغطاة بحجاب أبيض اللون. ولم يتم توجيه دعوة إلى ممثلي حركة حماس الذين يعملون منذ أعوام على فرض تصوّراتهم عن الأخلاق الإسلامية. جاء بارنبويم إلى غزة برفقة خمسين ضيفًا. ولم يصطحب معه فقط زملاء موسيقيين من جميع أنحاء أوروبا، بل كذلك بعض الأصدقاء والرفاق المقرَّبين منه؛ مثل زوجته عازفة البيانو إيلينا بشكروفا Elena Bashkrova، وأرملة المفكّر الفلسطيني الأمريكي الراحل إدوارد سعيد - الذي شارك معه في تأسيس أوركسترا الديوان الغربي الشرقي والذي ما يزال يشكِّل بالنسبة له مصدر إلهام.

الصورة ا ب
دعا دانيال بارنبويم بعد الحفلة التضامنية مع الفلسطينيين في غزة إلى ممارسة المزيد من الضغوطات الدولية على إسرائيل من أجل فك الحصار المفروض على قطاع غزة.

​​وكان من بين عازفي الكمان في "أوركسترا غزة" التي تم تشكيلها فقط من أجل هذه المناسبة، عازف الكمان ميشائيل، نجل بارنبويم. وشوهد أيضًا بين الحضور مدير القناة التلفزيونية الألمانية الثانية ZDF، ماركوس شيشتر Markus Schächter. وتم إجراء البروفة الموسيقية الوحيدة في الليلة السابقة في مطار العريش المصري، الذي أقلتهم إليه طائرة مستأجرة خصيصًا.

وبعدما انطلقت طائرتهم وكانوا في الهواء، تم الإعلان عن هذا الحفل الموسيقي الذي تقرّرت إقامته منذ عدة أسابيع. وثم سافر الموسيقيون إلى قطاع غزة الذي لا يبعد إلاَّ أربعين كيلومترًا، وبسبب وجود مخاوف أمنية قضوا هناك بضعة ساعات فقط من أجل إحياء الحفل الموسيقي.  وقال قائد الأوركسترا مخاطبًا الجمهور الفلسطيني: "عندما نتمرَّن على مقطوعة موسيقية، فإنَّنا نعزفها كما لو كانت المرة الأولى، حتى ولو كنا نقوم دائمًا بأدائها. نحن معتادون على التفكير من جديد". ودعا الجمهور إلى الاقتداء بالموسيقيين. وأضاف أنَّ الثورات العربية والكارثة النووية في اليابان جعلتاه على أي حال "يتساءل ويشكّ في كلِّ شيء".

دعوة لإقامة دولة فلسطينية

الصورة اب
معظم ردود الفعل إيجابية - كان الجمهور الفلسطيني في غزة سعيدًا جدًا مع سماع المقطوعات الموسيقية.

​​ولكنه ألقى في نهاية الحفل الخطاب السياسي الذي كان يريد في الحقيقة تجنّبه بصفته "سفيرًا للأمم المتَّحدة للسلام". وأدان بارنبويم بناء المستوطنات وجميع أشكال القوة العسكرية، وقد أعرب عن تأييده لقيام دولة فلسطينية. وكذلك حمل موعد هذا الحفل الموسيقي معنًى سياسيًا كبيرًا. فبعد يوم من إحيائه اختتمت حركتي حماس وفتح بزعامة الرئيس الفلسطيني محمود عباس مراسيم التوقيع على اتِّفاق المصالحة بينهما في القاهرة، والذي من المفترض أن ينهي القتال الدائر بينهما. وقال بارنبويم إنَّه يأمل أن يتحقَّق الاتِّفاق.

وأضاف أنَّ الحفل الموسيقي في غزة لا علاقة له بذلك؛ وأنَّ الحكومة المصرية الجديدة التي تنوي فتح حدودها قريبًا مع قطاع غزة، سهَّلت على الأقل دخول الموسيقيين إلى القطاع. وفي الماضي لم تسمح السلطات الإسرائيلية لبارنبويم العبور من معبرها. وفي إسرائيل لم تعطي وسائل الإعلام الإسرائيلية جولة بارنبويم الموسيقية في غزة حقها من التغطية الإعلامية. إذ طغى موت أسامة بن لادن على حفل هذا الموسيقي المثير للجدل، والذي كان في السابق يثير استياء كثير من الإسرائيليين، وذلك عندما كان يعزف في إسرائيل موسيقى من تأليف ريتشارد فاغنر.

وفي المقابل لم يكن الجمهور في غزة متحمسًا لسماع موسيقى موزارت وحده. وجرت بين الحضور همسات سعيدة مع عزف الإيقاعات الأولى من السيمفونية رقم 40 لموزارت: فمقدّمتها تشكِّل لحن أغنية عاطفية غنتها المطربة العربية الشهيرة فيروز. يبتسم جودت الخضري ويقول إنَّه أنشأ متحفه هذا أيضًا لمد مثل هذه الجسور الثقافية التي تتخطى الحدود.

 

هانس كريستيان روزلر
مراجعة: هشام العدم
ترجمة: رائد الباش
حقوق النشر: فرانكفورتر الغماينه تسايتونغ/قنطرة 2011

اقرأ أيضًا: موضوعات متعلقة من موقع قنطرة
اطبع المقال
أرسل المقال إلى صديق
إضافة تعليق
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.