ندى أبو المعاطس مرشح السلفيين، الصورة رويترز
سلفيو مصر ونتائج الانتخابات المصرية:

أسطوانات الغاز سر نجاح السلفيين!

يمثل السلفيون مفاجأة كبيرة في الانتخابات البرلمانية في مصر، إذ إنهم سيشكلون القوة الثانية في مجلس الشعب بعد الإخوان المسلمين. في خطابهم المعلن يدعي السلفيون الاعتدال، غير أنهم - حسبما يرى كريم الجوهري في مقاله من القاهرة - يحوزون حظوة الناخبين بشعاراتهم المتطرفة وأنشطتهم الاجتماعية المتنوعة.



"المضادات الحيوية تستطيع شفاء كثير من الأمراض وكثير من الناس. إنها شيء رائع أنعم الله به على البشرية". يتوقف مرشح حزب النور السلفي عن الكلام ليترك أثراً في نفوس السامعين الذين تجمعوا في حي شبرا الخيمة الفقير شمالي القاهرة. ولا يترك المرشح مجالا للشك في الوسيلة الناجعة التي يريد لمصر أن تستخدمها. "لن تتقدم الأمة الإسلامية إذا لم تطبق كلمة الله، مثلما كان الحال في عصر النبي والخلفاء الراشدين". ويتردد في الميدان صدى صوت المرشح الذي يتحدث بأسلوب وعظي، قبل أن يصيح: "القرآن دستورنا".

المرشحون الآخرون يهزون الرأس موافقين ومداعبين لحاهم الطويلة التي تميز أعضاء هذا الحزب الإسلامي الراديكالي. المنصة التي جلس خلفها المرشحون في حملتهم الدعائية لانتخاب الحزب تُذكّر بالمسلسلات التاريخية التي تُظهر عصر النبي.باللحية الكثيفة والسروال الذي يصل حتى تحت الركبة بقليل، وصولاً إلى الجلابية البيضاء: هكذا يحاول ممثلو حزب النور السلفي بعث أجواء مكة والمدينة في العصور الماضية وإشاعتها في مصر المعاصرة.

بين الحاضرين يجلس أيضاً بعض من مرتدي هذه الأزياء الفلكلورية الشرقية المنبعثة من العصور الوسطى. ولكن معظم الحاضرين يرتدون الملابس المعتادة في الأحياء الفقيرة في مصر، أي ملابس رياضية رثة، وفي القدمين – وبالرغم من برودة الأمسية الشتوية – صندلاً بلاستيكياً أو حذاء رياضياً مهترئاً في أفضل الأحوال. لقد حقق السلفيون نتائج جيدة في الانتخابات البرلمانية في هذه الأحياء تحديداً التي يسود فيها اليأس، وكذلك في المناطق الريفية، أي في مناطق يعيش فيها أربعون في المائة من المصريين من دخل يزيد قليلاً عن يورو واحد في اليوم.

فاعلو الخير

الصورة ا ب
نصر بيّن ومفاجئ للإسلامين في الانتخابات البرلمانية: في مجلس الشعب المصري حصل الإخوان المسلمون، وفق إحصاءاتهم الخاصة، على 47% من مقاعد المجلس، وبذلك يكون حزب النور الراديكالي التوجه قد حصل على 24% من المقاعد.

​​حصل حزب النور على 24% من الأصوات في مصر. ومن الذين منحوا صوتهم إلى الحزب سامح زكريا، العامل في مصنع للمعادن، وهو يشرح سبب تصويته للسلفيين قائلاً: "لقد انتخبت حزب النور لأنني متدين ولأنني أعرف المرشحين معرفة شخصية من الجامع. لقد كانوا يساعدوننا، نحن الفقراء، طول السنوات الماضية عندما كانت تواجهنا مشاكل، مثلاً عند دفع تكاليف الإقامة في المستشفى". ثم يضيف العامل: "أما الليبراليون فلم يرهم أحد هنا قطُّ". ناخب آخر يقول إنه انتخب حزب النور لإعجابه بالاسم، ويقول: "حزب النور سيضيء البلاد ويرشدها إلى طريق الله."

سامح سيف اليزل، وهو ضابط مخابرات سابق رفيع الرتبة أصبح يدير اليوم "مركز الجمهورية للدراسات الاستراتيجية" كان يتوقع فوز السلفيين بنسبة جيدة في الانتخابات البرلمانية. ولكن أن يسجلوا هذا النجاح الفائق فهذا ما أدهشه أيضاً، لا سيما وأن حزبهم لم يتأسس إلا قبل أقل من ستة شهور. "لديهم أموال طائلة، وهم حسنو التنظيم، كما أن كوادرهم تعمل بشكل جيد"، يقول سيف اليزل معدداً الأسباب الأساسية لنجاحهم. "كما أنهم يستغلون التوجه الديني للمصريين. لقد قالوا لمنتخبيهم: لقد جربتم كل تيار سياسي ولم يفعل أحد من أجلكم شيئاً. جربونا نحن مرة."

وكثيراً ما قدم السلفيون بالفعل يد العون للناس في مصر، وذلك من خلال توفير رعاية صحية رخيصة لهم، أو بيع اللحوم في شهر رمضان بأسعار أقل من أسعار السوق. أو مثلما حدث قبل أسابيع، عانت فيها البلاد من نقص في أسطوانات الغاز، وهو ما جعل الطوابير الطويلة تمتد أمام مراكز التوزيع، وجعل أسعار الغاز ترتفع بسرعة. "كان رد فعل السلفيين أن اشتروا الآلاف من عبوات الغاز، ثم باعوها بخُمس سعرها في السوق. تلقى الناس هذه المساعدة شاكرين، وبالتالي بدأوا ينظرون إلى السلفيين نظرة أخرى. لقد استغل السلفيون بسرعة نقاط الضعف الموجودة لصالحهم"، يقول سيف اليزل مشيراً إلى أن السلفيين تلقوا في الفترة الماضية أموالاً طائلة من دول الخليج."

وحسب تقارير صحفية تستند على دراسة قامت بها وزارة العدل في مصر فإن الجماعة السلفية "أنصار السنة" قد تلقت خلال السنتين الماضيتين نحو 37 مليون يورو من قطر والكويت. ويمثل هذا المبلغ أكبر معونة مالية من الخارج تلقتها منظمة غير حكومية خلال العامين الأخيرين. غير أن السلفيين يؤكدون أنهم ينفقون هذه الأموال على المشروعات الخيرية فقط. وهكذا ما صرحت به مصادر كويتية أيضاً، مؤكدة على أن الكويت لم تقدم الدعم لمشروعات سياسية، بل لمشروعات اجتماعية فحسب. غير أن مثال أسطوانات الغاز يبين بجلاء اختلاط الحدود بين السياسة والعمل الخيري.

سعد الكتاتني، الصورة رويتر
شقاق بين أخوة الإيمان: يتهم الإخوان المسلمون، وعلى رأسهم أمين الحزب سعد الكتاتني، السلفيين بأنهم لا يفقهون شيئاً في أمور الحياة والسياسة. أما السلفيون فيعتبرون الإخوان المسلمين انتهازيين.

​​في أحد الأبراج المطلة على النيل في حي المعادي الراقي تنظم القيادة السياسية لحزب النور المقابلات الصحفية الخاصة بها. في الطابق الأرضي أمام المصعد يبدو واضحاً أن سكان العمارة ليسوا كلهم من المتعاطفين مع السلفيين، إذ يجد المرء نداءً مكتوباً باليد يطلب من ساكني العمارة ألا يمارسوا في هذا المبنى أية أنشطة سياسية حزبية. غير أن هذا النداء لا يعني – على ما يبدو – أحداً في الطابق الحادي عشر. هنا يختلف خطاب السلفيين وكلامهم اختلافاً تاماً عما يقولونه خلال حملتهم الانتخابية في أحياء الفقراء.

اللهجة اللينة الناعمة

هنا يستخدم السلفيون لهجة دبلوماسية لينة وناعمة لإحداث الأثر المطلوب. "إننا نطالب في مصر بتشريع يتوافق مع الشريعة الإسلامية ولا يتعارض مع القرآن الكريم والسنة النبوية"، يقول بسام الزرقا، أحد قادة حزب النور، ملخصاً برنامج الحزب.

"ولكن إذا كانت الأغلبية في البرلمان لا تريد ذلك، فسوف نخضع لها. لا أستطيع أن أجبر الأغلبية في البلاد على قبول وجهة نظري للأمور"، يقول الزرقا، قبل أن يضيف: "لسنا طالبان". ويطالب الزرقا بوجوب المساواة في التجريم بين شرب الخمر وتعاطي المخدرات، غير أن ذلك يشمل المسلمين فحسب. أما النساء فمن الأفضل لهن أن يرتدين نقاباً يغطي وجههن بأكلمه، ثم يضيف: ولكننا بالطبع لن نرغم أحداً على ذلك.

السلفيون حريصون على سمعتهم الدولية كثيراً، إلى درجة أن يسري حماد، أحد المتحدثين باسم الحزب، قد أعطى حديثاً للإذاعة الإسرائيلية العسكرية أكد فيه اعتراف حزبه بماهدة السلام مع إسرائيل وكل المواثيق الدولية التي وقعتها الحكومة القديمة.

أما على شاشة قناتهم التلفزيونية الخاصة أو في الأحاديث الموجهة للمصريين في الداخل فإن السلفيين يتكلمون بلهجة أخرى تماماً، فنجد عبد المنعم الشحات، أحد قادة الحزب، يطالب بفصل الرجال عن النساء في الشواطئ، وبألا تُقدم الخمور في الفنادق مثلما تفرض الشريعة الإسلامية. أما التماثيل الفرعونية فينبغي تغطيتها لأنها نتاج ثقافة منحلة. في حين يطالب نادر بكار، أحد المتحدثين باسم الحزب، بأن تمنع سياحة الشواطئ منعاً كلياً لأنها تغوي بارتكاب المعاصي والذنوب.

وتتضح رؤية السلفيين للمرأة في ملصقاتهم الانتخابية، حيث يضعون مكان صورة المرشحة شعار الحزب أو بقعة بيضاء، إذ يجب على النساء ألا يظهرن علانية وألا يقمن بالدعاية لأنفسهن بالصور.

المؤمنون بالله


عماد الدين عبد العفور د ب ا
يقول عماد الدين عبد العفور، رئيس حزب النور السلفي: "لا نعترف بشيء اسمه دولة بدون دين. إن حزب النور يخوض بحر السياسة لكي يخدم الدين".

​​

لا يريد عماد الدين عبد الغفور، رئيس حزب النور، أن يعلق على تلك الآراء. ويضيف عبد الغفور - الذي يعقد لقاءاته الصحفية أيضاً في الطابق الحادي عشر من برج المعادي - أن النساء أنفسهن هن اللاتي قررن ألا يظهرن على الملصقات الانتخابية، أما المسائل الأخرى فلا تعبرر عن خط الحزب، بل هي أقوال شخصية فردية لبعض أعضاء الحزب. عبد الغفور يفضل أن يتحدث بشكل عام عن العلاقة بين الدين والدولة.

"لا نقبل بدولة تنفصل عن الدين. البعض يقول إنه يريد إقامة دولة مؤسسات حديثة وديمقراطية - ليس لدي أي مشكلة مع كل ذلك. ولكن دولة بدون دين، هذا شيء لن نقبل به"، يقول عبد الغفور مؤكداً موقف حزبه. وعندما أسأله كيف سيتصرف إذا اتخذت الأغلبية البرلمانية قراراً ديمقراطياً لكنه حسب رأيه غير إسلامي، يقول إن كل ديمقراطية بحاجة إلى نظام مرجعي، وهذا النظام في مصر هو الإسلام.

إذا أضفنا السلفيين إلى الإخوان المسلمين المعتدلين وحزبهم "العدالة والتنمية" – الذي حصد نصف مقاعد مجلس الشعب تقريباً – فإن السلفيين يكونون، على الأقل من الناحية الحسابية، جزءاً من الأغلبية الأيديولوجية الإسلامية. وبإمكان المجموعتين معاً أن يمرروا أي قانون ذي صبغة دينية محافظة.

غير أن الإخوان المسلمين – الناشطين سياسياً منذ ثمانين عاماً والذين يعتبرون أقدم جماعة إسلامية على مستوى العالم – ليسوا على وفاق إطلاقاً مع السلفيين الذين يُنظر إليهم على أنهم عنصر جديد تماماً في السياسة المصرية. الإخوان المسلمون يتهمون السلفيين بأنهم لا يفقهون شيئاً في أمور الحياة والسياسة، أما السلفيون فيعتبرون الإخوان المسلمين انتهازيين. عن ذلك يقول سعيد سالم، أحد الذين انتخبوا السلفيين، إن "حزب النور قد دخل السياسة لكي يخدم الدين. نحن لا نستخدم الدين في السياسة. العكس تماماً هو الصحيح"، وبذلك يكون الناخب قد وضع حداً فاصلاً مع منافسي السلفيين من التيار الإسلامي، أي الإخوان المسلمين.

المؤثرون في المناخ العام

"إن العلاقات بين السلفيين والإخوان المسلمين سيئة إلى أقصى حد. إنهم يختلفون في أمور عديدة، لذلك أعتقد أنهم لن يكوّنوا تحالفاً إسلامياً كبيراً في البرلمان القادم"، يقول الخبير الاستراتيجي سيف اليزل. هذا الرأي يتبناه أيضاً رئيس حزب النور السلفي الذي يستبعد من الآن تحالفاً كهذا: "أعتقد أن الإخوان المسلمين سيستبعدوننا من تشكيل الحكومة القادمة وأننا سنبقى في المعارضة".

رغم ذلك قد يحدث تعاون بين حزب العدالة والتنمية وحزب النور في موضوعات بعينها. على الأقل يستطيع السلفيون أن يضغطوا على منافسيهم من الإخوان المسلمين. والأكيد أن السلفيين سيدلون بدلوهم في الموضوعات الاجتماعية. لقد استطاع السلفيون في تونس – وهم هناك أضعف بكثير من زملائهم في مصر - أن يبدأوا على سبيل المثال حملة في الجامعات من أجل الفصل بين الجنسين خلال المحاضرات، ومن أجل حق الطالبات في ارتداء النقاب.

أما في مصر فإن السلفيين يؤثرون منذ فترة على المناخ في مصر. والأكيد هو أن فكرة وجود كتلة سياسية قوية للملتحين في البرلمان، حتى وإن كانت في المعارضة، هذه الفكرة تثير مخاوف الكثيرين، سواء من الأقباط البالغ عددهم نحو 10% من عددالسكان، أو النساء الذين وجدوا أنفسهن في العام الماضي في خضم الصراع السياسي، أو بشكل عام من جانب المصريين الليبراليين المنفتحين.

 

كريم الجوهري
ترجمة: صفية مسعود
مراجعة: هشام العدم
حقوق الطبع: قنطرة 2012

اقرأ أيضًا: موضوعات متعلقة من موقع قنطرة
اطبع المقال
أرسل المقال إلى صديق
إضافة تعليق
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.