أطفال يلعبون على دبابة في حلب. أ ب
''صور متحرِّكة'': أفلام سورية قصيرة في برلين

الألم والأمل...في أفلام الثورة السورية

البهجة بتحطيم الشعب لحاجز الصمت ضد حاكمه المستبد، والفزَع من عنف النظام المروِّع في حق شعبه: هي بعض الأحاسيس المختلِطة بالأمل في أفلام فنانين سوريين مستقلين، عرضها معهد العلاقات الخارجية الألماني ifa في برلين بعنوان: "صور متحرِّكة"، شارلوته بانك تفيدنا بتصوراتها عن هذه الأفلام.

جسم يخرج مرتفعاً من كتلة رمادية على الأرض، ينمو ويزداد نموّاًً، حتى يرتفع عن الأرض ويتحوَّل إلى نجم في السماء، يبدو مشعاً في البداية ثم يغيب عن الأنظار من جديد.

هذا المشهد نراه في فيلم للفنَّان السوري كيفورك مراد، يحمل عنوان "صباح حزين - كلّ صباح"، ويصف فيه الفنان مشاعره تجاه الأخبار السيِّئة المتكرِّرة عن بلده سوريا. وهي أخبار تصله كلًّ صباح إلى منفاه في الولايات المتَّحدة الأمريكية.

وبات القلق المتواصل على العائلة والأصدقاء وكذلك الفزع من صور البلدات والقرى المدمرة، بالنسبة لهذا الفنَّان، وكذلك للكثير من السوريين المقيمين في المنفى، جزءاً لا يتجزَّأ من الحياة اليومية، وجزءاً من الواقع الذي يربطهم بشكل مختلف مع وطنهم.

وإذا كان الكثير من الفنَّانين والمثقفين السوريين قد غادروا وطنهم في الماضي، بسبب شعورهم بالإحباط من حالة الركود الاجتماعي والثقافي وانعدام الفرص، فإنهم تمكَّنوا في الأشهر العشرين الماضية من اكتشاف بلدهم من جديد.

ويعبّر العمل الفني "صباح حزين - كلّ صباح" عن المشاعر المختلطة التي انتابت سوريي المهجر عند متابعتهم الأحداث في وطنهم. فقد أحسوا في البداية بشعور بالراحة، لأنَّهم لاحظوا أخيراً أنَّ التغيير أمر ممكن، وأنَّ الناس في سوريا قد تغلبوا على الخوف الذي كان يصيبهم بالشلل والسلبية طيلة أربعين عاماً، ومن ثم أحسوا بشعور بالفزع، على نحو متزايد، من وحشية نظام الأسد في دفاعه عن السلطة.

التغلب على الخوف

وحول بهجته وسروره بتمكُّن الناس في سوريا من التغلُّب على خوفهم، يتحدث المعارض السوري رياض الترك، أحد أبرز منتقدي نظام البعث، في فيلمه "ابن العم أونلاين"، وهو فيلم من إخراج محمد علي الأتاسي.

رياض الترك. أ ف ب
مُعارِض مستهدف من آل الأسد: قضى المعارض السوري رياض الترك 17 عاماً في السجن، في البداية في عهد حافظ الأسد ومن ثم في عهد نجله بشار. ويعيش الآن متوارياً عن الأنظارفي سوريا.

​​

لقد دفع رياض الترك ثمناً شخصياً باهظاً لشجاعته ووقوفه في وجه النظام، فقد قضى 17 عاماً في السجن، في البداية في عهد حافظ الأسد ومن ثم في عهد نجله بشار. ويعيش الآن متوارياً عن الأنظار في سوريا.

وفي هذا الفيلم الذي تم إنتاجه في بداية عام 2012، حين كان لا يزال هناك أمل بإيجاد نهاية وشيكة لنظام الأسد، يعبِّر رياض الترك عن ارتياحه لهذه الثورة وشجاعة السوريين - وعن أنَّ سوريا لم تعُد مثلما كانت لعهد طويل: حين كان لا يُسمَح فيها بسماع الأصوات القليلة المنتقدة للنظام كصوته.

ويقول إنَّ صوته لم يعُد مهمّاً، لأنَّ المجتمع بكاملة أضحى يتحدث، وخاصة الشباب. كما أن عدم وجود موقف واضح داعم للثورة هو أحد الموضوعات التي يناقشها المخرج مع رياض الترك نقاشاً حيوياً في الفيلم.

ومثلما كان رياض الترك متحفظًا في رأيه بتواضُع، لم يُدلِ حتى ذلك الوقت بعض المثقَّفين السوريين الآخرين، من منتقدي النظام من أبناء الجيل القديم، بأية تصريحات واضحة للتضامن مع الثورة ولذلك فقد تعرَّضوا أيضاً لانتقادات حادة.

ويعتمد هذا الفيلم في معظمه على حوار، عبر موقع سكايب على الإنترنت، يجريه المخرج محمد علي الأتاسي الذي يعيش في بيروت مع رياض الترك من مخبئه في سوريا. ومن هنا تبرز إحدى أهم أدوات تقنية المعلومات التي يستخدمها الثوار في سوريا.

وبينما أضحى برنامج سكايب ذا أهمية بارزة من أجل التواصل المباشر وعملية التنسيق بين الناشطين والثوار، أصبح الفنَّانون السوريون يستخدمون منذ منتصف عام 2011، سواء من المنفى أو من داخل البلد، شبكات التواصل الاجتماعية على شبكة الانترنت، مثل موقعَيْ فيسبوك ويوتيوب، بدرجة لم يسبق لها مثيل إلى الآن، من أجل التعبير فنياً عن مواقفهم من الأحداث الراهن.

وتتحرك بعض أعمال الفنَّانين السوريين، في أجواء متوترة، بين الفنّ وممارسة النشاطات الثورية، وهدفها الصريح هو تعبئة المجتمع، ومن ناحية أخرى تصوِّر بعض الأعمال الأخرى انعكاسات الفنانين وتأملاته.

ولكن على الرغم من العنف الذي تشهده البلاد يظهر مراراً وتكراراً عنصر أمل في هذه الأعمال، وهو أمل في ألاَّ تنتصر في نهاية المطاف وحشية النظام، التي لا يقوى على تصوّرها أي أنسان، بل رغبة السوريين في الحياة بحرية وكرامة.

التمسّك بالأمل

ويبدو وكأن الفنَّانين السوريين قد أوكلوا لأنفسهم مهمة التمسّك بهذا الأمل والتذكير به دائماً. إذ يركِّز فيلم قصير آخر على كرة طفل كرمز للأمل. عنوان الفيلم: "تاج"، وهو للفنَّان السوري خالد عبد الواحد الذي يعيش في الولايات المتَّحدة الأمريكية مثل الفنَّان مراد كيفورك.

كان الفنَّان خالد عبد الواحد عاد في صيف عام 2012 لفترة قصيرة إلى سوريا من أجل العمل على مشروع الفيلم، وفي الوقت نفسه كي يكوِّن صورة أفضل عن الأوضاع في البلاد. وبعد عودته أنجز فيلمه "تاج" الذي يتحدَّث عن قدرة الأطفال على اللعب حتى في وسط الأنقاض والمعارك.

فالأطفال في سوريا يعانون منذ بداية الثورة أكبر معاناة من أعمال العنف في البلاد. وكان اعتقال مجموعة من الأطفال والصبيان وتعذيبهم في مدينة درعا في الجنوب هو سبَّب خروج الاحتجاجات الأولى في شهر آذار/ مارس 2011، بعد أن كثُرَت الأخبار لدى الرأي العام حول الأعمال المروّعة التي تُقْتَرف ضدّ الأطفال في سوريا.

أطفال في حلب. أ ف ب
ضحايا العنف وصدمات الحرب: الأطفال في سوريا يعانون منذ بداية الثورة أكبر معاناة من أعمال العنف في البلاد.

​​

وتلعب مثل هذه الأحداث دوراً رئيسياً في فيلم آخر تحت عنوان: "كان اسمه حمزة بكّور"، للمخرج داني أبو لوح، وأيضاً في فيلم بعنوان: "حاضنة الشمس" للمخرج عمار البيك. ويعتمد فيلم أبو لوح على إحدى صور الأطفال القتلى الكثيرة، التي يتم تداولها بكثرة على شبكة الإنترنت.

لقد فقد الطفل حمزة بكور في هجوم على حمص النصف السفلي من وجهه ونزف حتى الموت وهو يتألم بشدة. ولذلك أصبحت صورة هذا الطفل، في منتديات الإنترنت، رمزاً لوحشية النظام السوري.

ويُبْرِز المخرج داني أبو لوح التباين بين صورة الطفل مقابل لقطات وفيديوهات أخرى متراكبة معها تعبر عن إيماءات الحياة الاعتيادية اليومية.

ورغم استمرار محاولات الانتقال إلى الأحداث اليومية، لا تبقى سوى صورة واحدة عالقة في الذاكرة، وهي صورة طفل فقد حياته في قصف على حي بابا عمرو في مدينة حميص. ويبدو في الوقت نفسه أنَّ هذا الفيديو يطرح السؤال حول الانطباعات الحقيقية التي تبقى من طوفان الصور اليومية في عالمنا الغارِق بوسائل الإعلام.

تم إخراج فيلم عمار البيك "حاضنة الشمس" في مطلع عام 2011 بتأثير الثورة المصرية، حين كان الناس لا يزالون يعتقدون في سوريا أنَّ نظام بشار الأسد سوف يسقط بسرعة مثل نطام حسني مبارك.

وفي الفيلم يَحبُك عمار البيك قصة أسرة شابة مع المظاهرات والاحتجاجات في الشوارع. وترتبط آمال هذه الأسرة في مستقبل أفضل ارتباطاً وثيقاً بولادة طفلها الصغير - وهي آمال تتبدَّد بحزن ومرارة عند مشاهدة صور الطفل حمزة الخطيب الذي تم تعذيبه حتى الموت.

وتعرض الفنَّانة الشابة مادونا أديب في فيلمها "غداً الوداع" Demain l'adieu ، وهو إعلان حبّ شخصي للغاية لوطنها، ولمدينتها، ولحبيبها، من خلال عرضها لوداع تخيليّ يتحوّل في الوقت نفسه إلى عهد بعدم التخلي عن الكفاح من أجل الحرية.

ومثل الفنَّانة مادونا أديب، يعيش جميع الفنَّانين المذكورين في هذا المقال، حالياً، خارج وطنهم سوريا. إذ أصبحت الآن ظروف الحياة والعمل صعبة للغاية في البلاد. زد على ذلك أنَّ القائمة الطويلة للفنَّانين، الذين تم قتلهم واعتقالهم وتعذيبهم، وكذلك الذين اضطروا للتواري عن أعين النظام، تُظهِر وبكلِّ وضوح أنَّ المبدعين السوريين المستقلّين يُعَرِّضون أنفسهم لخطر كبير عندما يجاهرون بمعارضتهم للنظام.

شارلوتة بانك
ترجمة: رائد الباش
تحريره: علي المخلافي
حقوق النشر: قنطرة 2012

معرض "صور متحركة" - أفلام قصيرة ومقاطع فيديو سورية من الثورة السورية (2011 - 2012)، تم افتتاحه في الثامن من تشرين الثاني/ نوفمبر في معرض ifa في برلين.

اقرأ أيضًا: موضوعات متعلقة من موقع قنطرة
اطبع المقال
أرسل المقال إلى صديق
إضافة تعليق
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.