سياسة أمريكا في سوريا وموقف إسرائيل من إيران

مخاوف من اندلاع حرب شرق أوسطية شاملة

كشف نتنياهو عما وصفه بـ"دليل قاطع" على تطوير إيران سراً لسلاح نووي. من جانب آخر قد تستخدم إسرائيل تقييد ترمب للالتزام الأمريكي في سوريا ذريعة لتكثيف هجماتها على إيران وحزب الله في سوريا. قرار -يرى الباحث السياسي فواز جرجس- أنه قد يتصاعد إلى صراع إقليمي شامل، تنزلق إليه أمريكا والعراق والسعودية: "خطر حقيقي وداهم في تحول سوريا إلى موقع حريق أشد تدميرا حتى من ذلك المستعر منذ عام 2011".
قُضي الأمر. يبدو أننا لن نشهد نهاية سريعة لمهمة الولايات المتحدة في سوريا، ومع تباعد هذه النهاية تتضاءل فرص التوصل إلى حل سلمي ومستدام للحرب الأهلية الوحشية التي تدور رحاها في البلاد منذ سبع سنوات. ويثبت الهجوم الكيماوي الذي تقول تقارير إن قوات الرئيس بشار الأسد نفذته في مدينة دوما، آخر المعاقل المعارضة المسلحة في منطقة الغوطة الشرقية، مدى خطورة هذا الاحتمال بالنسبة لسوريا والعالَم.
 
تكشف فورة التهديد والوعيد العاصفة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في أعقاب الهجوم الكيميائي عن مدى تفكك وتناقض نهجه، فضلا عن افتقاره إلى أي استراتيجية حقيقة في سوريا. والواقع أن إصدار الأوامر بتوجيه هجوم أو اثنين ضد قوات الأسد، كما قد يفعل ترمب، لن يغير توازن القوى هناك، ولن يحسن موقف ترمب في البلد الذي مزقته الحرب، ناهيك عن الشرق الأوسط في عموم الأمر.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
صعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم الإثنين 30 / 04 / 2018 الضغط على الولايات المتحدة للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني الذي أبرم عام 2015 مقدما ما وصفها بالأدلة على وجود برنامج إيراني سري للأسلحة النووية. وكشف نتنياهو عما وصفه بـ"الدليل القاطع" على وجود مشروع سري يجرى في إيران لتطوير سلاح نووي، وهذا دليل يثبت أن إيران كذبت على المجتمع الدولي"، بحسب تعبير نتنياهو.
من المؤكد أن كبار مستشاري ترمب العسكريين أقنعوه بالإبقاء على الأفراد العسكريين الأمريكيين (2000 جندي) المتمركزين في سوريا. لكنه حدد بالفعل أهداف أمريكا هناك داخل إطار القضاء على وجود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الضئيل المتبقي ــ وهو الجهد الذي قد يستغرق نحو ستة أشهر.
 
تقييد ترمب للالتزام الأمريكي في سوريا يعني إضاعة فرصة المشاركة الأمريكية في تشكيل مستقبل سوريا
في تقييده للالتزام الأمريكي في سوريا، ضيع ترمب الفرصة للمساعدة في تشكيل مستقبل سوريا، الأمر الذي عزز التصور الواسع الانتشار الذي ترسخ بين الأصدقاء والأعداء على حد سواء بأن الزعامة العالمية الأمريكية تتراجع وتنحسر، كما تجاهل ترمب الأزمة الإنسانية الجارية في سوريا، رغم أنها الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية.
أنصار الأسد وبوتين روسيا وحزب الله لبنان وخامنئي إيران في دمشق - سوريا.  Foto: picture-alliance/AP
انسحاب ترمب يؤدي إلى شعور الأسد بجرأة متزايدة تدفعه إلى الأمام بدعم روسي إيراني: مع انسحاب ترمب، الذي يعني ضمنا أن الولايات المتحدة وحلفاءها خسروا الحرب، يشعر الأسد بجرأة متزايدة تدفعه إلى الأمام -بدعم روسي إيراني- في تنفيذ خطته لاستعادة السيطرة على المناطق المتبقية التي تسيطر عليها المعرضة المسلحة بأي ثمن. وبعد تثبيت "الحقائق على الأرض"، يُصبِح بوسع الأسد وحلفائه فرض الأمر الواقع على العالَم: بقاء الأسد في السلطة، دون تقديم أي تنازلات حقيقة للمعارضة، كما يكتب فواز جرجس.
من عجيب المفارقات أن هذا النهج الضيق يتسبب أيضا في تقويض الجهود الرامية إلى تحقيق هدف ترمب الوحيد، لإن إلحاق الهزيمة الدائمة بتنظيم داعش وغيره من التنظيمات الجهادية يتطلب عملية انتقالية سياسية تنهي بشكل دائم الحرب الأهلية.
 
ولن تتسنى مثل هذه العملية الانتقالية إلا من خلال المشاركة الدبلوماسية من قِبَل القوى الفاعلة ذات المصلحة في سوريا.
 
مع انسحاب ترمب، الذي يعني ضمنا أن الولايات المتحدة وحلفاءها خسروا الحرب، يشعر الأسد بجرأة متزايدة تدفعه إلى الأمام -بدعم روسي إيراني- في تنفيذ خطته لاستعادة السيطرة على المناطق المتبقية التي تسيطر عليها المعرضة المسلحة بأي ثمن. وبعد تثبيت "الحقائق على الأرض"، يُصبِح بوسع الأسد وحلفائه فرض الأمر الواقع على العالَم: بقاء الأسد في السلطة، دون تقديم أي تنازلات حقيقة للمعارضة.
الواقع أن القوى المحلية والإقليمية -التي وضعت ثقتها في تعهدات أمريكا- ستدفع ثمنا دمويا رهيبا. ومن المرجح أن يكون مصير الأكراد -حليف أمريكا الأكثر موثوقية وفعالية في الحرب ضد داعش- النبذ بالعراء، على الرغم من التأكيدات الأمريكية الرسمية بشأن الترتيبات الأمنية بعد انسحاب الولايات المتحدة.
 
وبالفعل، انتقد الأكراد إدارة ترمب بعد أن ضحت بهم على مذبح العلاقات الاستراتيجية الأمريكية مع تركيا. فقد تغاضت الولايات المتحدة عن الحملة التركية لغزو واحتلال بلدة عفرين التي يسيطر عليها الأكراد في شمال سوريا، والتي أسفرت عن مذبحة راح ضحيتها أكثر من 1000 من الأكراد، بما في ذلك العشرات من المدنيين.
هجوم صاروخي قرب حماة - سوريا.  Syrien; Foto: Reuters
"26 قتيلا مواليا لنظام دمشق معظمهم إيرانيون في قصف صاروخي على سوريا": قال المرصد السوري لحقوق الإنسان، يوم الإثنين (30 أبريل/نيسان 2018)، إن القصف الصاروخي الذي استهدف اللواء 47 في محافظة حماة بوسط سوريا، أوقع 26 قتيلا بينهم أربعة سوريين و"غالبية ساحقة" من الإيرانيين، مرجحا أن يكون القصف إسرائيليا، بعدما كانت وكالة الأنباء السورية الرسمية أفادت عن سقوط "صواريخ معادية" من غير أن تحدد الجهة التي أطلقتها.
أكراد ينضمون إلى وحدات الأسد شبه العسكرية
 
ومع انسحاب الولايات المتحدة، ربما يضطر الأكراد إلى التحالف مع الأسد طلبا للحماية. وقد هجر المئات من المقاتلين الأكراد القتال ضد داعش في شمال شرق سوريا بالفعل، فشَدّوا الرحال إلى عفرين لمقاومة الهجوم المشترك الذي تشنه تركيا ومجموعة منشقة من المعارضين المسلحين السوريين. وبدأ بعض الشباب الأكراد ينضمون إلى وحدات الأسد شبه العسكرية طلبا للانتقام بعد خسارة عفرين.
 
لكن المعركة لن تكون سهلة، حيث من المرجح أن يعزز رحيل أمريكا يد تركيا أكثر وأكثر. وفي غياب الولايات المتحدة، سوف تتمكن القوى الأجنبية الرئيسية الأخرى في الصراع السوري -تركيا وروسيا وإيران- من توطيد مجالات نفوذها في نهاية المطاف وتقسيم غنائم إعادة الأعمار بعد الحرب فيما بينها. ورغم أن مصالحها الخاصة قد تتباين، فإن الدول الثلاث تتشارك في رؤية التقسيم "الناعم" لسوريا على النحو الذي يختزل الأسد والمعارضين المسلحين ويحولهم إلى مجرد وكلاء.
 
هل تصبح روسيا وإيران أكبر الفائزين في سوريا؟
 
وسوف تكون روسيا وإيران الفائزين الأكبر على الإطلاق. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتن هو صانع الملوك الذي أنقذ بتدخله العسكري في الوقت المناسب نظام الأسد من الهزيمة وحول مد الحرب لصالحه. وفي حين تكاد الولايات المتحدة لا تُرى في أي مكان في سوريا، تنتشر روسيا في كل مكان، وتعيد ترتيب القطع على رقعة شطرنج الصراع على نحو متواصل.
ويشهد تنسيق روسيا مع كل القوى الإقليمية الكبرى ــ بما في ذلك تركيا -وهي عضو في حلف شمال الأطلسي- على دينامية (واستهزاء) سياسة الكرملين الخارجية. وبينما تهد الولايات المتحدة خيامها في سوريا، فلن تزداد علاقات تركيا العسكرية والاقتصادية مع روسيا إلا عمقا.
 
ومثلها كمثل روسيا، استثمرت إيران قدرا وفيرا من الدماء والثروات لإنقاذ نظام الأسد، وحصدت عائدات ضخمة. فالآن أصبحت إيران القوة الإقليمية الأكثر نفوذا في سوريا، وهي حاضرة في العراق ولبنان. لكن الاندفاع لشغل الفراغ الذي ستخلفه الولايات المتحدة ربما يوفر الشرارة التي تشعل حربا تلتهم المنطقة بالكامل.
 
صراع إقليمي شامل في الشرق الأوسط
 
ولا يخلو الأمر من مخاوف مشروعة من إقدام إسرائيل على استخدام انسحاب القوات الأمريكية كذريعة لتكثيف هجماتها على إيران وحزب الله في سوريا، وهو القرار الذي قد يتصاعد إلى صراع إقليمي شامل، صراع تنزلق إليه الولايات المتحدة، والعراق، والمملكة العربية السعودية، التي تُعَد المنافس الرئيسي لإيران على الهيمنة الإقليمية.
 
وحتى إذا نحينا جانبا عداء ترمب للاتفاق النووي مع إيران الذي أبرم عام 2015 -والذي يضيف مصدرا آخر للخطر لموقف محفوف بالمخاطر بالفعل- فقد أصبح الخطر الآن حقيقيا وداهما في تحول سوريا إلى موقع حريق أشد تدميرا حتى من ذلك الذي لا يزال مستعرا هناك منذ عام 2011.
 
 
فواز جرجس
ترجمة: إبراهيم محمد علي
حقوق النشر: بروجيكت سينديكيت 2018
 
 
 
 
 
فواز جرجس أكاديمي باحث في شؤون الشرق الأوسط ومؤلف كتب منها: "السياسة الأمريكية تجاه العرب : كيف تُصنع؟ ومن يصنعها؟" و "أوباما والشرق الأوسط نهاية العصر الأمريكي؟" و "النظام الإقليمي العربي والقوى الكبرى : دراسة في العلاقات العربية - العربية والعربية - الدولية" و "القاعدة: الصعود والأفول (تفكيك نظرية الحرب على الإرهاب)" و "داعش إلى أين؟ جهاديو ما بعد القاعدة" و "الشرق الأوسط الجديد - الاحتجاج والثورة والفوضى في الوطن العربي".
 
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.