تدريس مادة التربية الإسلامية للتلاميذ المسلمين في ألمانيا

تعليم الإسلام في المدارس الألمانية...قرارات تاريخية وخلافات مذهبية

بعد نقاش استغرق سنوات، بدأت حاليا ولايات ألمانية في إدخال تدريس الدين الإسلامي في مدارسها. ولأن المسلمين يتفرعون إلى عدة تيارات وليس لديهم سلطة مركزية تعبر عنهم، فإن التساؤل عمن يجب أن يحدد محتوى المناهج والمعلمين الذين سيقومون بتدريسها يدفع حاليا إلى صراعات كبيرة بين الطوائف والتيارات الإسلامية المختلفة في ألمانيا، كما توضح لنا كلاوديا منده.

وفقاً للمادة 7 (الفقرة 3) من الدستور الألماني فإن لجميع الأديان الحق في تدريس الدين في المدارس. هذا ينطبق أيضا على حوالي 700 ألف تلميذ وتلميذة يدينون بالدين الإسلامي في ألمانيا.

ولأن الإسلام غير معترف به كـ"طائفة دينية" رسمياً في المجتمع الألماني، فإن الولايات الألمانية تلج مجالاً جديداً عليها قانونيا وسياسيا بإدخالها تدريس الدين الإسلامي في المدراس. ويبحث ممثلو هذه الولايات عن طرق لحث ممثلين عن المسلمين للمشاركة معهم في ذلك.

وقد كانت ولاية شمال الراين وستفاليا أكثر الولايات المغامرة، بوصفها أول ولاية اتحادية في ألمانيا في العام الدراسي 2012/2013 تقوم بتدريس الدين الإسلامي لمعتنقيه في نحو 44 مدرسة ابتدائية تضم 2500 تلميذاً وتلميذة.

من التوجيه الإسلامي إلى تدريس الدين الإسلامي

وبدءاً من العام الدراسي المقبل سيتم تدريس مادة الدين الإسلامي أيضا في كافة أنواع المدارس الثانوية بالولاية. وستحل مادة الدين الإسلامي تدريجيا محل مادة الدراسات الإسلامية التي تدرس منذ عام 1999 في جميع أنواع المدارس بالولاية.

حصة التربية الإسلامية في مدرسة "لودفيغسهافن-بفينغست فايده" الابتدائية . د ب أ
التعلم مع القرآن: من المقرر أن يتم التوسع في تدريس مادة التربية الإسلامية في مدارس ولاية راينلاند بفالتس. المعلم مردان غونيس يقف أمام السبورة ومعه أطفال من مدرسة "لودفيغسهافن-بفينغست فايده" الابتدائية أثناء مشاركتهم في درس الدين الإسلامي.

​​

لكن الدولة وحدها كانت المسؤول عن مادة الدراسات الإسلامية، أما الآن فيقوم ممثلون عن الطوائف الدينية الإسلامية جنبا إلى جنب مع وزارة التربية والتعليم في مدينة دوسلدورف بوضع الخطط الدراسية واختيار المعلمين.

بيد أن ممثلي التيارات الإسلامية المختلفة ليسوا على توافق كما أن المنظمات والاتحادات الإسلامية تريد فرض رؤيتها العقائدية الخاصة في المنهج الجديد لتدريس الدين الإسلامي.

بادئ ذو بدء، هناك عدد من الصعوبات العملية : فقد تم إدخال تدريس مادة الدين الإسلامي دون منهج تدريسي محدد، لأن هذا المنهج لن يكون جاهزا إلا في صيف عام 2013. كما يوجد نقص حاليا في المعلمين المؤهلين.

ولأن أول دفعة من المعلمين المؤهلين أكاديميا ستتخرج من جامعة مونستر عام 2019، فإن مدرسي الدراسات الإسلامية سيقومون بمهمة تدريس مادة الدين الإسلامي أيضا. ولكن يجب عليهم أولا الحصول على موافقة مجلس استشاري تشكيله مثير للجدل.

يتكون المجلس الاستشاري من ثمانية أعضاء نصفهم من علماء وخبراء في الدين الإسلامي، عينتهم ولاية شمال الراين وستفاليا. والنصف الآخر يتم تحديده من قبل مجلس تنسيق مسلمي ألمانيا، وهو تجمع للاتحادات الإسلامية الرئيسية الأربعة في ألمانيا وهي الاتحاد التركي الإسلامي (ديتيب) ، والمجلس الإسلامي، ورابطة المراكز الثقافية الإسلامية (VIKZ) والمجلس المركزي للمسلمين.

غياب النضج

وتشكو لمياء قدور من الاتحاد الليبرالي الإسلامي: من أن هؤلاء لا يمثلون سوى جزء من الأطياف الإسلامية المتنوعة، ولا يوجد في هذا المجلس الاستشاري متحدثون باسم الإسلام الليبرالي أوالتيارات الصوفية أو حتى الشيعة.

ولذلك تصف قدور تدريس مادة الدين الإسلامي في ولاية شمال الراين ويستفاليا في شكله الحالي بعدم النضج.

وحتى في عملية تعليم وتأهيل معلمي الدين في جامعة مونستر يتطور الأمر دائما إلى حدوث خلافات حول التوجهات في العلوم الدينية (الإسلامية). فتصطدم الأوساط الإسلامية المحافظة بالإسلام الإصلاحي الذي يمثله المدير مهند خورشيد الذي يتهمه المحافظون بهدم الإسلام.

مادة التربية الإسلامية في جدول الحصص المدرسية في ألمانيا. د ب أ
الدين الإسلامي مُدرَج على جدول الحصص: توجد بالفعل تجارب لنماذج تدريس مادة الدين الإسلامي في جميع الولايات الاتحادية بغرب ألمانيا تقريبا، وبدأ تطبيق التجربة في ولاية نوردراين ويستفاليا منذ بداية العام الدراسي الحالي في العديد من المدارس الابتدائية.

​​

واضطر سلف خورشيد سفين كاليش إلى تقديم استقالته لأنه لم يعد مقبولا لدى مجلس تنسيق مسلمي ألمانيا (KRM).

وتتدخل الدولة أيضا في تعيين أعضاء المجلس الاستشاري، وهو ما لا يفعله مع الأساتذة البروتستانت أو الكاثوليك. وهذا يؤدي بدوره أيضا إلى استياء بين المسلمين.

تدريس مادة التربية الإسلامية في مدارس ولاية هيسن

في ولاية هيسن، أحدث قرار تدريس مادة التربية الإسلامية في العام الدراسي 2013/2014 صراعا من نوع مختلف جدا.

وعلى الرغم من أن الأمر هناك يتعلق بحوالي 25 من المدارس الابتدائية فقط، أي أقل بكثير من العدد في ولاية شمال الراين ويستفاليا، إلا أن وزيرالاندماج يورغ أوفه-هان من الحزب الليبرالي (FDP) يصف الخطة الجديدة لتدريس مادة التربية الإسلامية بأنها "قرار تاريخي".

وتتعاون ولاية هيسن في تدريس مادة التربية الاسلامية في مدارسها مع الاتحاد التركي الإسلامي في الولاية (Ditib) وجمعية طائفة المسلمين الأحمدية.

فكلتا المؤسستين الدينيتين تلبيان الشروط ويُنظر إليهما على أنهما "شريكان مناسبان" وفقا لتصريحات وزارة التربية والتعليم.

ومع ذلك، يتلقى أطفال المدارس الأحمدية دروس دين مختلفة عن تلك التي يتلقاها الأطفال الذين ينتمي آباؤهم إلى رابطة المساجد التركية (ديتيب). لأن الآباء من المسلمين السنة لن يقوموا بإرسال أبنائهم إلى درس دين خاص بالأحمدية.

وقد تأسست الأحمدية في الهند وتعرف نفسها بأنها حركة إصلاح إسلامية وتواجه تحفظات من قبل معظم المسلمين السنة.

لذلك فقبل بداية تطبيق تدريس الدين الإسلامي في ولاية هيسن كانت هناك حملة تقودها الدوائر المحافظة ضد دروس الدين الخاصة بالطائفة الأحمدية. وفي إطار هذه الحملة قدموا التماساً يناشد مجلس ولاية هيسن بعدم السماح بوجود دروس دين مستقلة للطائفة الأحمدية لأنها (مجرد) طائفة.

أستاذ العلوم الإسلامية ميشائيل كيفر. تصوير: أولريكيه هوميل

​​

البحث عن النموذج الأفضل

وتريد ولاية ساكسونيا السفلى أن تسلك نفس الطريق الذي سلكته ولايتا شمال الراين وستفاليا وهيسن.

ولكنّ هناك أَشكالا أخرى ممكنة لتدريس الدين الإسلامي في المدارس: ففي ولاية بافاريا، تشارك الجمعيات المحلية والآباء المسلمون وفقا "للنموذج المتبع في مدينة إيرلانغن" في وضع محتوى المناهج. وبهذه الطريقة يمكن تحقيق توافق على نطاق واسع.

أما ولاية هامبورغ فتتيح دروساً دينية مشتركة لجميع الأديان والطوائف الدينية، وأصبح المسلمون الآن يشاركون فيها أيضا.

ويتلقى الأطفال الكاثوليك والبروتستانت واليهود في مدارس منطقة نهر الإلبه دروس دين مشتركة، تتحمل مسئوليتها رسميا الكنيسة الإنجيلية اللوثرية بمنطقة شمال نهر الإلبه.

وبعد أن عقدت ولاية هامبورغ في ظل حكومة عمدة الولاية أولاف شولتس من الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني (SPD) اتفاقية حكومية مع المسلمين؛ أصبح من حق ممثلين عن المسلمين والطائفة العلوية المشاركة في وضع محتوى منهج التربية الدينية بالمدارس.

ويقول ميشائيل كيفر أستاذ العلوم الإسلامية: "بالنسبة لي فهذا النموذج أفضل". ويضيف: "ففي مجتمع يحترم تعددية القيم فإن التعلم الجماعي المشترك أفضل من الدرس الديني المنفصل. هذا النموذج (الأخير) ينتمي إلى زمن مختلف".

 

 

 كلاوديا منده
ترجمة: صلاح شرارة
تحرير: علي المخلافي
حقوق النشر: قنطرة 2013

اقرأ أيضًا: موضوعات متعلقة من موقع قنطرة
اطبع المقال
أرسل المقال إلى صديق
إضافة تعليق
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.