ثلاث سنوات بعد ثورة 25 يناير - مصر بين مرسي والسيسي

حلم الثورة في مصر...هل استحال كابوساً؟

ترى الكاتبة المصرية البارزة منصورة عز الدين أن الاستفتاء على الدستور الجديد في مصر بعد مرسي دق ناقوس الخطر بالنسبة للمؤسسة العسكرية، التي فوجئت بأن نسبة المشاركة فيه لم ترقَ إلى توقعاتها المأمولة. كما تحذر من عواقب عودة أسطورة "الأب المنقذ" لتلقي بظلالها مجدداً على المشهد السياسي وإن بصورة أكثر هزلية، ولا شيء أدل على هذا من ولع الملايين بوزير الدفاع المشير عبد الفتاح السيسي وتصويرهم له كمخلِّص سوف يحفظ البلد من الانهيار والدولة من الهدم.

يصلح الهوس مدخلاً لتوصيف ما نعايشه في مصر حالياً، وفي لحظات موصومة بالهوس يمكن لأي شيء أن يحدث: يمكن مثلاً أن تُتَهم دمية إعلانات مثل "أبلة فاهيتا" بالتجسس، وأن يسرّب برنامج تلفزيوني مكالمات تلفونية خاصة لناشطين سياسيين لتشويه صورتهم دون مراعاة لحرمة الحياة الخاصة، يمكن أيضاً أن ينخرط كتَّاب ومثقفون في حملات مكارثية مصغرة ضد كُتَّاب آخرين بحجة أنهم "طابور خامس"، وأن يتم التعامي عن بطش الأجهزة الأمنية بزعم أن لا صوت يعلو فوق صوت الحرب ضد الإرهاب.

 باختصار، كثيرون الآن يعتمرون خوذة الحرب مستعدين للانقضاض على المختلفين معهم وحالمين بالوصول إلى أُمّة مثال: كتلة متناغمة متماثلة لا يشوش عليها صوت خارج على "الإجماع الوطني" المزعوم.

 يموج الشارع المصري بالصخب ويفرض أجندته، فتتماهى معه قطاعات من النخب وتسير خلفه غير قادرة على اقتراح رؤية مغايرة، وإن قدرت على هذا لا تنجح في بناء شبكات أوسع من المساندين لرؤيتها.

 ذلك الكيان الغامض والهلامي المعروف بـ"الجماهير" أصبح البوصلة التي تقرر اتجاه الخطوة القادمة، أو بالأحرى هو ما يرجح كفة طرف على آخر، هو من تعاطف مع المتظاهرين في الأيام الأولى للثورة ولحق بهم فحول تظاهراتهم إلى ثورة مدعومة من قطاعات واسعة من الشعب، وهو من تعاطف مع مرشحي الإخوان في الانتخابات البرلمانية وقرر منحهم فرصة لطالما تاقوا إليها، ثم سرعان ما ثار على الإخوان حين اكتشف أنهم وضعوا مصلحة جماعتهم فوق مصلحة البلد ككل وأداروا ظهرهم لأهداف الثورة.

مناوئو العسكر في مواجهات في منطقة الجيزة بالقاهرة. Foto: AFP/Getty Images
في مواجهات واحتجاجات في شوارع القاهرة والإسكندرية في الذكرى السنوية الثالثة لثورة 25 يناير، قُتِل 49 شخصا على الأقل وجُرِح المئات وتم اعتقال 1079 شخصاً، بحسب مصادر رسمية.

 بالتوازي مع هوس الجماهير ثمة في المقابل حالة هوس بالجماهير، أينما اتجه البصر سيجد من يتملقها ويهلل لها رغم كل ما يمثله هذا من مخاطر، وما قاد إليه في حالات سابقة وتجارب أخرى إلى كوارث لا تزال آثارها ماثلة.

استفتاء راقص

 بالنسبة للجماهير المتعطشة لطي صفحة الإخوان المسلمين مثَّل يوما الاستفتاء على الدستور مناسبة للاحتفال والرقص. في البداية بدا مشهد الرجال والنساء وهم يرقصون أمام لجان التصويت كأنما ينتمي لمهرجان ترفيهي ما، لا لعملية سياسية في بلد مأزوم، لكن مع التكرار أصبح الرقص سمة مميزة لليوم وعلامة أخرى من علامات مرحلة متقلبة يتجاور فيها الاحتفال مع الدماء. من خلال رقصهم أعلن المصوتون تحديهم للتفجيرات الإرهابية المتتالية واعتبروا أنهم أكثر وطنية ممن صوتوا بـ"لا" أو قاطعوا التصويت.

 في مناخ الهوس السائد لم يكن هذا تصويتاً على دستور، بل على خريطة الطريق ككل أو على بقاء الدولة نفسها كما روّج البعض. بعض المصوتين بـ"نعم" لهم تحفظات عديدة على الدستور خاصة المواد الخاصة بالمؤسسة العسكرية ومحاكمة المدنيين عسكرياً، لكنهم إما اختاروا "نعم" كتصويت عقابي ضد الإخوان المسلمين أو لأنهم رأوا أن الدستور الحالي رغم مشكلاته أفضل نسبياً من دستور 2012.

 الاعتقالات والمضايقات الأمنية التي تعرض لها بعض من دعوا للتصويت بـ"لا" والحملات الإعلامية المتواصلة التي زعمت أن الموافقة على الدستور شرط الوطنية، ألقت بظلالها الداكنة على الاستفتاء الذي تم وصفه باستفتاء الخانة الواحدة. ورغم أنه لا يمكن فصل الاستفتاء عن هذا السياق المقبض الذي جرى فيه، يمكن القول إنه كان بمثابة إعلان رسمي عن انهيار شعبية جماعة الإخوان المسلمين خارج غير المنتمين لها خاصة إذا أضفنا إليه خسارة الإخوان لانتخابات نقابات مهنية لطالما اكتسحوها لعقود وكانت وسيلتهم الأولى للتواجد في ظل نظام مبارك.

 لكن الاستفتاء في الوقت نفسه دق ناقوس الخطر بالنسبة للمؤسسة العسكرية التي فوجئت بأن نسبة المشاركة فيه لم ترقَ إلى التوقعات المأمولة، إذ بلغت 38.6% بزيادة بسيطة عن نسبة المشاركة في الاستفتاء على دستور 2012 المدعوم من الإخوان.

أنصار عبد الفتاح السيسي في مظاهرات بالقاهرة. Foto: AP/picture-alliance
"بالتوازي مع هوس الجماهير ثمة في المقابل حالة هوس بالجماهير، أينما اتجه البصر سيجد من يتملقها ويهلل لها رغم كل ما يمثله هذا من مخاطر، وما قاد إليه في حالات سابقة وتجارب أخرى إلى كوارث لا تزال آثارها ماثلة"، كما تلاحظ منصورة عز الدين.

قتل الأبناء

 في مراحل كثيرة منها، بدت الثورة المصرية كصراع بين الأجيال! كان واضحاً، منذ البداية، أن خطاب الشباب الذين شاركوا فيها، على اختلافهم وتنوعهم، يختلف عن خطاب من التحقوا بها من أجيال أكبر.

 من خلال شعاراته وكتاباته ومواقفه المعلنة عبر الجيل الشاب عن رغبة في القطيعة مع الماضي، وتوق إلى الانعتاق من هيراركية (بنية هرمية) خانقة تسم المجتمع المصري ومن وصاية الآباء عموماً وقتل فكرة الأب المنقذ الذي لطالما تم تصويره في أدبيات الاستبداد كديكتاتور عادل وزعيم ضرورة.

 لكن وللمفارقة فالعكس تماماً هو ما حدث، إذ بدلاً من قتل الأب عشنا سنوات ثلاث من التفنن في قتل الأبناء والتمثيل بجثثهم، وعادت أسطورة "الأب المنقذ" لتلقي بظلالها مجدداً وإن بصورة أكثر هزلية، ولا شيء أدل على هذا من ولع الملايين بوزير الدفاع المشير عبد الفتاح السيسي وتصويرهم له كمخلِّص سوف يحفظ البلد من الانهيار والدولة من الهدم.

 ومع الاستفتاء على الدستور، رجعت فكرة "صراع الأجيال" إلى الواجهة بصورة أكثر كثافة، إذ لم يكن خافياً أن النسبة الأكبر ممن عزفوا عن التصويت تنتمي لجيل الشباب، واللافت أن هذا العزوف عن المشاركة لم ينتج عن حملات منظمة للمقاطعة، وتعددت أسبابه من التحفظ على المسار الحالي أو الملل من السياسة بشكل عام، أو رفض الطرفين الأبرز في الصراع ممثلين في المؤسسة العسكرية والإخوان المسلمين معاً.

 وعلى الفور بدأت آلة "البروباغندا" التابعة للسلطة الجديدة في مهاجمة الشباب باعتبارهم جيل غير مسئول وغير وطني بما يكفي، قبل أن تصدر تعليمات بوقف الحملات ضدهم بحثاً عن آلية أخرى لاحتواء واستيعاب هذا الرقم الصعب في معادلة معقدة ودامية، لكنها محاولة محكوم عليها بالفشل من وجهة نظري، فالفجوة أعمق من ترضيات بسيطة أو مدائح مجانية صدعتنا بها وسائل الإعلام في بدايات الثورة.

 يمكننا القول إن ثمة رهاناً أخيراً على أن من كانوا القوة الأبرز في الحراك الاحتجاجي على الأرض خلال السنوات الثلاث الماضية ومن دفعوا أكثر من غيرهم ثمنه الباهظ، لن يوافقوا على تحويل حلمهم بالحرية إلى كابوس، لكن هذا مرهون بمدى قدرتهم على تنظيم صفوفهم ليصبحوا قوة ضغط مؤثرة، ويحتاج هذا إلى نقد ذاتي قاسٍ واعتراف بالأخطاء المتوالية التي منعت تحويل زخم ملايين المتظاهرين إلى آليات سياسية تعمل على تحقيق أهداف الثورة لا تنتظر الآخرين كي يحققوها لها.

أنصار عبد الفتاح السيسي في القاهرة. Foto: Reuters
تري الكاتبة منصورة عز الدين أنه "لا أمل قريباً لإصلاح الوضع في مصر إلا عبر تشكل جماعات ضغط منظمة خارج الاستقطاب الحالي تهدف إلى تحقيق أهداف الثورة عبر برنامج سياسي واضح ومحدد بدلاً من الاكتفاء بالشعارات الرنانة والفارغة".

 لا مكان للأفراد

 على الجهة الأخرى نجد الإخوان المسلمين، أو بالأحرى من بقى منهم خارج السجون، رافضين لأي مراجعة ذاتية، إذ تكاد تنحصر مراجعاتهم المعلنة في الندم على أنهم لم يكونوا قمعيين بما يكفي. نراهم أيضاً حائرين بين التأكيد على أن شعبيتهم لا تزال كما هي وأن "الشعب" معهم، وبين لعن "الشعب الكافر" الذي تخلى عنهم. وفي هذا السياق من المهم الإشارة إلى هتاف لافت يردده متظاهرو الإخوان موجهاً للشعب وهو "هنحرركم غصب عنكم"! هتاف يتم الرد عليه باشتباك الأهالي مع تظاهرات الإخوان بغرض تفريقها.

 تعيش الجماعة الآن ما يسمى في أدبياتها بـ"المحنة الرابعة": فض دموي لاعتصامي رابعة العدوية وميدان النهضة، ملاحقات لأعضائها، وسجن كوادرها القيادية، وانهيار شبه تام في الشعبية ناتج عن عام كارثي للإخوان في الحكم.

 لكن هذا لا يعني أن الجماعة المنغلقة على نفسها سوف تختفي تماماً عن المشهد السياسي المصري، فلطالما وجدت طريقة ما للعودة، بل أكاد أقول إن السلطة الحالية لا تريد للجماعة أن تختفي تماما بل أن تظل تهديداً ماثلاً، فوجودها ضروري لأي سلطة قمعية كما أن وجود هذه السلطة القمعية كان دوماً ضرورياً للحفاظ على تماسك الجماعة وبعثها من رماد احتراقها عقب كل محنة، كما كان مبررا كافياً لعدم اعتراف كوادر الجماعة بأي خطأ ذاتي أو مسئولية ولو جزئية عن المآل المأساوي المتكرر.

 وفقاً للأرقام المعلنة مات أكثر من ألف قتيل في فض اعتصام رابعة، ومع هذا نادراً ما يتم استدعاء صور أو أسماء أي من هؤلاء في تظاهرات الإخوان أو رسوم الغرافيتي الخاصة بهم، يتحولون إلى رقم ينكره كارهو الإخوان ويساومون لتقليله، ويشهره الإخوان كمجرد رقم في خضم انشغالهم بشخص واحد هو الرئيس المعزول محمد مرسي، بل بشخصين في الحقيقة فإضافة إلى مرسي يؤسطر الإخوان شخصية أخرى هي المشير عبد الفتاح السيسي لكن بطريقة معكوسة.

 في عالمهم المنقسم بين مرسي المحبوب والسيسي المكروه منهم، لا مكان للأفراد، وبالتالي على الضحايا من كافة التيارات انتظار وقت ملائم للعدالة الانتقالية بما أن الوزير المختص بها في الحكومة الحالية أعلن أن الوقت غير ملائم للعدالة الانتقالية، والمسكوت عنه في كلامه أن الوقت غير ملائم للعدالة على إطلاقها.

 ولا أمل قريباً إلا عبر تشكل جماعات ضغط منظمة خارج الاستقطاب الحالي تهدف إلى تحقيق أهداف الثورة عبر برنامج سياسي واضح ومحدد بدلاً من الاكتفاء بالشعارات الرنانة والفارغة.

 

 

منصورة عز الدين

تحرير: لؤي المدهون

حقوق النشر: قنطرة 2014

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : حلم الثورة في مصر...هل استحال كابوساً؟

المفارقة التى تحكم الثور المصرية !
السيسى هو زعيم حزب المحافظين والذى يرى ان المشكلة فى الإقتصاد والأمن ولكن التيار الإصلاحى فى المقابل يرى ان المشكلة فى عدم إنجاز الإصلاح الإدارى وكذلك غياب ثقافة النقد والشفافية ،جزب المحافظين يرى ان المشكلة فى الشعب ولكن التيار الإصلاحى يرى ان المشكلة تكمن فى إستمرار نظام مبارك على الرغم من قيام الثورة وتلك هى المفارقة التى تحتاج الى الرد عليها !

محمد محمود علوفة 08.02.2014 | 00:02 Uhr

الجماعة والزبائنية والفساد !!
الفرق بين الفكر الإصلاحى والفكر المحافظ أن الفكر الإصلاحى يقوم على مفهوم الفرد ومنهج التفرد (اى إرتباط الفرد بالزمان والمكان وتلك هى نظرية المعرفة )بينما يقوم الفكر المحافظ على مفهوم الجماعة (نمط التفكير الجماعى الذى يقوم على غريزة الخوف) والجدير بالذكر ان الحضارة المصرية القديمة قامت على مفهوم الفرد المتحد مع الكون ولذلك يمكن القول ان انصار التيار الإصلاحى هم الذين يشكلون الأغلبية فى أرض وادى النيل ،بينما يشكل التيار المحافظ الأقلية .
وعلى الرغم من ذلك نجد أن التيار المحافظ هو الذى يتصدر الإنتخابات (مرسى والسيسى وصباحى وابو الفتوح وشفيق )والسبب يعود الى الفساد والمال السياسى الذى يتدفق على البلاد من الخارج والذى تدفع به العديد من القوى الإقليمية .
المشكلة تحدث عندما يسود نمط التفكير الجماعى يتسود معه نمط الزبائنية وبالتالى ظاهرة الفساد وهى العلة التى قامت الثور المصرية الجديدة بسببها ولكى تنجح الثورة يجب محاصرة نمط التفكير الجماعى عن طريق تكريس ثقافة النقد والشفافية مع الإصرار على تطبيق منهج الإصلاح الإدارى ومنع التداخل بين السلطات وتطبيق منهج اللامركزية وتكريس إنتشار السلطة .

محمد محمود علوفة 08.02.2014 | 22:39 Uhr

ما لا افهمه هو سبب التعاطف الغربي مع الاخوان المسلمين، وسبب تحامل الغرب على قرار الشعب المصري طرد الاخوان، واعتقال مرسي!
اعزاءي الالمان انتم تحلمون بعالم مثالي..في العالم العربي والاسلامي..القرارات تصدر بقوة السلاح وقوة اللحظة الثورية...والفريق السيسي نجح في صنع لحظة ثورية جمعت حوله الشعب المصري لتقسط حكم الاخوان الى الابد...المصريين اليوم لا يقبلون الاخوان المسلمين ...فلماذا تتجاهلون ارادة الشعب؟؟

فدوى قمر الدين10.02.2014 | 19:08 Uhr