ثلاثة أعوام بعد انطلاق الثورات العربية

القدر لم يستجب بعد للشعوب العربية المريدة للحياة

يتساءل المترجم الألماني البارز غونتر أورت: لماذا لم يلقَ الظالمون من الحكام العرب عقابهم العادل حتى الآن؟ أم أن القدر الذي ناشده أبو القاسم الشابي لم يستجب بعد للشعوب العربية الثائرة؟ ويرى في تعليقه التالي لموقع قنطرة أن انجرار بلدان عربية بأكملها إلى الهاوية واستعادة الطغاة العرب لعافيتهم وإعادة تأهيلهم بعد الانتفاضات العربية أشد مرارة على النفس مما لو لم تكن الثورات قد قامت في الأصل.

"إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر"، أنشد التونسيون هذا البيت من قصيدة للشاعر أبي القاسم الشابي حين طردوا طاغيتهم بن علي قبل ثلاث سنوات. أما المصريون فاكتفوا بعد ذلك بشعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، ليسقطوا بدورهم دكتاتوراً عجوزاً. واحتاج الليبيون المنتفضون إلى مساعدة حلف الناتو ليزيحوا القذافي عن السلطة، بينما ظل الرئيس اليمني متعنتاً ما يقارب سنة إلى أن تنحى عن منصبه.

وساد الأمل في إحداث تغيير سلمي عن طريق المظاهرات آنذاك حتى في البحرين، بينما في المغرب وفي الأردن وحتى في عمان أدت احتجاجات عام 2011 إلى بعض الإصلاحات السياسية على الأقل. ومَن كان ليؤاخذ السوريين آنذاك على محاولتهم إحداث تغييرات بدورهم، دون أن يطالبوا في البدء حتى بتنحي آل الأسد عن السلطة بعد حكم طال أربعين عاماً؟

من جانب آخر فقد فوجئ الإسلاميون في كل مكان بأن من انتفضوا ليسوا منهم، وسكتوا لبرهة بشكل لافت للنظر كأنهم خجلوا، مما جعل البعض يعتقدون أن ظاهرة الإسلام السياسي قد تنقشع مثل انقشاع الضباب في وجه الشمس المشرقة.

قائد الجيش المصري عبد الفتاح السيسي أثناء تصويته على الدستور المصري الجديد في القاهرة.  Foto: dpa/picture-alliance
استعادة الأنظمة القديمة قوتها: بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بمحمد مرسي أول رئيس مصري منتخب، تولى قائد الجيش المصري عبد الفتاح السيسي منصبَي نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع وبات أقوى شخصية في البلاد ويحكم مصر بالأسلوب السلطوي ذاته الذي كان يحكم به الرئيس الأسبق حسني مبارك.

أما اليوم، فيعاني ويموت السوريون في حرب يخوضها نظام الأسد وتفوق في وحشيتها وشموليتها معظم حروب زمننا، ويهلك اليمن في دوامة من الإرهاب والبؤس، وفي ليبيا تُرهِب الميليشيات الدولة والمواطنين، ومصر مهددة بفشل سياسي واقتصادي بعد الاستعادة الشاملة للأوضاع القديمة. وحدها تونس، مهد الثورات العربية، ما زال فيها أمل في أن تتحول ثورة عام 2011 الشعبية إلى نظام ديمقراطي مستقر يوماً ما.

القاعدة لم تُحدِث دمارا بحجم دمار الأسد العلماني

ولكن الفوضى وفشل الدول ليسا أسوأ الأمور، وإن كان كلا الأمرين وخيم العواقب. إنما أسوأ الأمور هو أن الطغيان لم يعاقب عليه. فالمقولة القديمة للمستبدين: "إما نحن أو الفوضى" و"سيحكم الإسلاميون لولا نحن" أثبتت صحتها بعد التجربة، ويمكن اليوم للرؤساء الذين أُجبروا على الرحيل أن يضحكوا ويقولوا: "أترون؟ لا تسير الأمور دوننا".

وهذا ما يقوله أيضا الذين بقوا في السلطة رغم توقع سقوطهم، وعلى رأسهم بشار الأسد. وليس ذلك فقط، بل هناك من يتعاطفون معه في العالم، ظناً منهم أن الجهاديين سيحكمون سوريا إذا رحل، إذن فلا بأس أن يقتل أكثر من مئة ألف من مواطنيه، ويعذّب مئات الآلاف، ويهجّر ملايين، ويدمّر مدناً سورية كاملة بالدبابات والقصف. صحيح أن القاعدة لم تُحدِث إلى الآن دماراً وذبحاً بهذا الحجم، لكن يبدو أن الأمر يختلف إذا ارتكب ذلك رئيس يعتبر علمانياً.

نظراً لأوضاع كهذه، وهي أوضاع تشبه جحيماً على الأرض، ليس هناك ما يدعو العائلات الحاكمة في الخليج أو الأنظمة القمعية في شمال إفريقيا إلى الخوف من احتجاجات جديدة على المدى المنظور. ونظرا لوجود حكومة عسكرية ذات شعبية تقوم حاليا حتى بمحاكمة ثوار الساعة الأولى في مصر فمن المستبعد قيام ثورة ثانية أو ثالثة في البلاد.

أحمد ماهر. Foto: dpa/picture-alliance
الثورة تلتهم أبناءها: تم في ديسمبر/ كانون الأول 2013 اعتقال أحمد ماهر، أحد مؤسسي حركة 6 إبريل الشبابية المصرية، وأيضا تم اعتقال الناشطين أحمد دومة ومحمد عادل وحُكم عليهم بالسجن لمدة ثلاث سنوات. والنشطاء الثلاثة يُعتبرون من رموز ثورة عام 2011 التي أدت إلى سقوط الرئيس الحاكم آنذاك حسني مبارك.

لقطات مهزوزة زرعت الرعب في نفوس الطغاة

اغتيل القذافي على يد ثوار ليبيين في النهاية، وكان ذلك الإعدام غير الشرعي بمثابة المثال الوحيد على إمكانية معاقبة الاستبداد، وكانت اللقطات المهزوزة لذلك المشهد هي الوحيدة التي زرعت شيئاً من الرعب في نفوس بعض الطغاة الآخرين، ولو لوقت قصير. ولكن اليوم ليس هناك نظام حكم عربي عليه أن يخاف من انتفاضة شعبية، أو حتى من غزو أمريكي، بعد كارثة غزو العراق والتجربة الليبية.

كان يمكن للثورات العربية أن تفشل لأسباب عديدة، منها عدم تمتعها ببرامج باستثناء كلمتي الحرية والعدالة. ولكن أن تجر عواقب الثورات بلداناً بأكملها إلى الهاوية وأن تعيد تأهيل الاستبداد، فهذا يبدو أشد مرارة مما لو لم تكن الثورات قد قامت في الأصل.

ويبدو أن القدر الذي ناشده أبو القاسم الشابي لم يقتنع حتى الآن بالاستجابة للشعوب المنتفضة.

 

 

غونتر أورت

تحرير: علي المخلافي

حقوق النشر: قنطرة 2014

 

غونتر أورت، مترجم ألماني قام بترجمة روايات عربية آخرها رواية الكاتب السوري البارز فواز حداد "جنود الله"، الصادرة عن دار رياض الريس في بيروت 2010، ويعالج فيها المسألة العراقية بعد حرب العراق عام 2003.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : القدر لم يستجب بعد للشعوب العربية المريدة للحياة

استادي القدير جونتر اورت ...افهم من كلمة القدر (اللة) وبحسب لمدلولات مفردات الجبرية والاختيار لاارى ان للقدر دخل في تقرير مسار قضية الشعوب وكفاحها من اجل الحرية والانعتاق...يقول اللة في القرآن الكريم(لايغير اللة مابقوم حتى يغيروا مابانفسهم) وكلمة حتى هنا جازمة وشرطية.ماشهدتة شعوبنا من ثورات وانتفاض على حكم الفساد والاستبداد والفشل هو الموجة الاولى ليس فقط باتجاة تغيير الانظمة فقط بل ايضا باتجاة تغيير الدات الخانعة الخائفة المستسلمة وثقافة التشردم والانانية والانغلاق...هي موجة ولها مابعدها وبعد بعدها في صيرورة تراكمية تبدأ من العقل والفكر...الفكرة سيدة الفعل وقاطرة الانجاز

محسن محمد اسماعيل20.02.2015 | 14:00 Uhr