تهم الفساد ضد حكومة إردوغان في تركيا

الانتخابات التركية البلدية 2014..امتحان لشعبية إردوغان

تصاعدت سلسلة من التسجيلات الهاتفية المزعومة بين رئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان وأفراد من أسرته إلى أزمة سياسية مستمرة تجاوز عمقها مستوى غير مسبوق في تركيا. وصار الكثيرون من الأتراك يشعرون بالقلق على مستقبل الديمقراطية في وطنهم. دوريان جونز يسلط الضوء من اسطنبول على تهم الفساد ضد حكومة إردوغان وتداعياتها على المشهد السياسي في تركيا.

في مرحلة التحضير لمباراة مهمة لكرة القدم كتب مشجِّع تركي على موقع التواصل الاجتماعي تويتر أنَّه يأمل في عدم ظهور أية ادعاءات جديدة حول الفساد في أثناء وقت المباراة، وذلك لأنَّه يريد مشاهدة المباراة في هدوء.

على الأرجح أنَّ هذه ليست حال مشجِّع كرة القدم التركي وحده في الوقت الراهن، بل كذلك هي حال الكثيرين من الأتراك المذهولين من تدفق هذا الكم الكبير وغير المنقطع من التسريبات الجديدة والتسجيلات الهاتفية التي تكشف عن فضائح مزعومة وقد تم تحميلها على شبكة الإنترنت - تسجيلات تشير إلى فضائح فساد على أعلى المستويات الحكومية.

 "كنت أعتقد أنَّ رئيس الوزراء يسيطر على كلِّ شيء، ولكن هذه المعلومات التي نشرت مؤخرًا - إذا ثبتت صحتها - تُعدّ من العيار الثقيل"، كما يقول سولي أوزيل، أستاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية في جامعة قادر هاس في اسطنبول وكاتب عمود في صحيفة "خبر تُرْك" اليومية.

"التخلص من مبالغ ضخمة"

 إنَّ ما يُزعَم سماعه في بداية التسجيل الأول هو مكالمة هاتفية تدور بين رئيس الوزراء التركي، رجب طيب إردوغان وابنه بلال؛ ويدور الحديث في هذه المكالمة حول "تصفير أموال" أو التخلص من كميات كبيرة من المال. هذه المكالمة الغنية بالأحداث خلقت بعد فترة قصير مصطلحًا جديدًا في اللغة التركية - أي مصطلح "تصفير الأموال".

 وفي الواقع يسأل رئيس الوزراء ابنه في هذه المكالمة عدة مرات إنْ كان قد تم "تصفير الأموال". وفي آخر تسجيل تم تحميله على الإنترنت من يُدَّعى سماع مكالمة هاتفية تدور بين زوج ابنة إردوغان الذي يعدّ رجل أعمال بارز، وبين زوجته؛ وفي هذه المكالمة يناقش الزوجان موضوع شراء آلة لإتلاف الملفات، ليقررا في النهاية شراء الموديل الأغلى.

فتح الله كولِن. Foto: picture-alliance/dpa
من شريك سياسي إلى منافس - يخوض الداعية الإسلامي فتح الله كولن ورئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان منذ شهر كانون الأوَّل/ ديسمبر 2013 صراعًا على السلطة، متورط فيه أيضًا جهازا الشرطة والقضاء. وهذا الصراع يتعلق بتحقيقات في قضايا فساد ضدّ أوساط حكومية يُحمِّل أتباع إردوغان حركة كولن مسؤوليتها.

عن هذه التسجيلات قال رئيس الوزراء التركي، رجب طيب إردوغان، عدة مرات إنَّها ليست سوى تسجيلات تم تجميعها بنية سيئة وهي مجرَّد تسجيلات مزيفة. وفي فعالية حاشدة لحزبه أقيمت يوم الخميس (27 / 02 / 2014) اتَّهم إردوغان شرطة بلده بالوقوف خلف هذه المؤامرة وسأل الشرطة التركية في لهجة شديدة "لحساب أي بلد هم يعملون في الواقع".

هذه التسجيلات تشكِّل أعلى مستوى حتى الآن من التصعيد في المعركة التي يتم خوضها بشدة متزايدة وبشكل متواصل بين حزب العدالة والتنمية الحاكم من جهة وبين أتباع الداعية الإسلامي فتح الله كولِن - من جهة أخرى، الذي يعيش في منفاه الاختياري في الولايات المتَّحدة الأمريكية.

 صراع على السلطة من وراء الكواليس

 "لقد كان هذا التحالف تحالفًا بحكم الأمر الواقع - تحالف انهار بسبب الاختلاف على تقاسم السلطة، والاختلاف على تحديد الطرف الذي يجب حصوله على الحصة الأكبر من المناصب والامتيازات التي تم الوصول إليها"، مثلما يقول في هذا السياق قدري غورسيل الكاتب في صحيفة "ميليت" التركية وفي موقع "المونيتور".

 منذ فترة الثمانينيات يقول أتباع فتح الله كولن، المعروفون باسم "جماعة كولِن"، إنَّهم ممثَّلون تمثيلاً قويًا في كلّ من الشرطة والقضاء. وهكذا من المفترض أنَّهم قد لعبوا أيضًا دورًا رئيسيًا عندما كان الأمر يتعلَّق بإسقاط العسكر العلمانيين الذين كانت لهم قوة سياسية والتغلّب عليهم في آخر المطاف من خلال سلسلة من المحاكمات، التي أقيمت لهم بتهمة ضلوعهم في مؤامرات انقلابية، ونجم عنها مئات الإدانات والأحكام.

في شهر كانون الأوَّل/ديسمبر الماضي، بدأ أعضاء النيابة العامة سلسلة من التحقيقات في عدد من قضايا الفساد، التي شملت أعلى المناصب الحكومية وعشرات الأشخاص. يوجد من بين هؤلاء الأشخاص أبناء ثلاثة وزراء ومدير بنك تابع للدولة.

وصف رئيس الوزراء التركي، رجب طيب إردوغان هذه التحقيقات بأنَّها محاولة انقلاب. وبعد ذلك قامت الحكومة بنقل مئات من أعضاء النيابة العامة وضبَّاط الشرطة إلى أماكن عمل أخرى بسبب علاقتهم بهذه التحقيقات، الأمر الذي أدَّى في الواقع إلى إيقاف التحقيقات.

وفي هذا الصدد يقول عثمان خان، القاضي السابق وعضو اللجنة المركزية في حزب العدالة والتنمية: "في الحقيقة إنَّ الأمر لا يتعلق بالفساد إطلاقاً، بل هو صراع على السلطة في تركيا". ويضيف أنَّ "المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين يخضع لسيطرة أتباع فتح الله كولن. وهذا معروف للجميع؛ نحن نعرف جميع هؤلاء الأشخاص بأسمائهم. ولهذا السبب فإنَّ هذا الصراع يدور في نهاية المطاف حول الديمقراطية".

احتجاجات عمالية بتاريخ 28 / 02 / 2014 في أنقرة ضد حكومة إردوغان.  Foto: picture alliance/AP
احتجاجات لمواطنين أتراك غاضبين على فضيحة الفساد الأخيرة - يعتقد أعضاء النيابة العامة في اسطنبول أنَّهم قادرون على إثبات رشوة بالملايين تم دفعها إلى وزير سابق في حكومة إردوغان - حيث يدور الحديث عن أكثر من ستين مليون دولار (نحو 44 مليون يورو) يُزعَم أن رجل أعمال إيرانياً دفعها لدعم صفقات ذهب بين إيران وتركيا.

القضاء بين أنياب اللاعبين السياسيين

 تفرض اللجنة المركزية لحزب إردوغان سيطرتها على القضاء في البلاد، حيث تقوم بتعيين القضاة والمدعين العامين، وتقدِّم الدعم للأشخاص "الصالحين" وتضمن بالتالي ولاءهم للحزب. وفي قرار مثير للجدل تعدَّت الحكومة مؤخرًا على استقلالية القضاء ووضعته تحت رقابة وزير العدل الأكثر تشدّدًا. وكذلك أثارت التشريعات المثيرة للجدل عاصفة من الاحتجاجات لدى ممثِّلي الجماعات المدافعة عن حقوق الإنسان والمراقبين السياسيين والاتِّحاد الأوروبي.

 "تحظى استقلالية القضاء بالنسبة للدولة الديمقراطية بأهمية عظيمة، لكن لا يوجد لدينا في الوقت الراهن قضاء مستقل - كما أنَّ الأمر يزداد سوءاً"، كما يحذِّر رضا تورمن، القاضي السابق في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والنائب عن حزب الشعب الجمهوري CHP وحاليًا يتابع المشرِّع إصدار قانون مثير للجدل أيضًا، ينص على فرض رقابة أكثر تشدّدًا على شبكة الإنترنت، الأمر الذي سيمنح الحكومة سلطة لإغلاق المواقع وحجبها من دون أمر قضائي.

 والآن تفكِّر الحكومة في إصدار تشريع جديد بغية توسيع صلاحيات وكالة الاستخبارات التركية MIT . وبموجب هذا القانون المقترح سيكون من حقّ رئيس الوزراء وحده إصدار أوامر تقضي بإجراء التحقيقات في أنشطة الاستخبارات التركية أو اتِّخاذ خطوات جنائية ضدّها.

وطبقًا لهذا التشريع سيتحتَّم على كلِّ شخص يقوم بإفشاء معلومات حول أنشطة استخباراتية تركية، أن يحسب حساب محاكمته بالسجن مدة تسعة أعوام. "غياب أي شكل من أشكال المساءلة يمثِّل واحدة من المشكلات الرئيسية في مشروع هذا القانون"، مثلما يحذِّر أستاذ القانون في جامعة دوجوس في إسطنبول، السيّد عشتار غوزدين، ويضيف: "عمليًا سوف تصبح وكالة الاستخبارات التركية من خلال هذا القانون قادرة على كلِّ شيء".

وعلى العموم يُنطر إلى وكالة الاستخبارات التركية باعتبارها المؤسَّسة الوحيدة التي يثق بها إردوغان من بين أجهزة الأمن التركية. لقد أظهرت الاستخبارات التركية تفوقها في التحقيقات التي تم إجراؤها في قضية أتباع فتح الله كولن داخل جهازي الشرطة والقضاء التركيين. وحاليًا تشير الكثير من الدلائل إلى أنَّ الاعتقالات الجماعية لأتباع فتح الله كولن باتت أمرًا من المتوقّع حدوثه قريبًا.

"غياب النزاهة المؤسَّساتية"

في الواقع تنتشر الآن في تركيا وعلى نطاق واسع مخاوف من اندلاع "حرب أهلية قانونية". وفي هذا الصدد يقول الأستاذ سولي أوزيل: "نحن نلاحظ في الوقت الراهن عملية تفكك وتحلل للدولة التركية، مثلما كنا نعرفها. إذ إنَّ مؤسَّساتها لم تعد تتمتَّع بأي قدر من النزاهة المؤسَّساتية. ولم يعد يتم كذلك احترام قواعدها وقوانينها. وحتى موعد إجراء الانتخابات البلدية في شهر آذار/ مارس لا يزال أمامنا وقت صعب".

الرئيس التركي عبد الله غول. A. Kisbenede/AFP/Getty Images
مجبر على إبراء ذمته - لجأ الرئيس التركي عبد الله غول مؤخرًا إلى أجهزة الرقابة التركية نظرًا إلى اتّهامات الفساد ضدّ أعضاء في الحكومة. غول، المشارك في تأسيس حزب إردوغان (حزب العدالة والتنمية)، تعرَّض مؤخرًا لضغط من الرأي العام يجبره على الإدلاء برأيه حول اتِّهامات الفساد.

"في الثلاثين من شهر آذار/ مارس ستجرى في تركيا الانتخابات البلدية"؛ ومثلما أعلن رجب طيب إردوغان خلال زيارته الأخيرة إلى ألمانيا: "حينئذ سيكون السؤال الحاسم: إذا اختارنا الناس كحزب قائد، فهذا يعني أنَّ الحكومة مستقيمة". وعلى الرغم من الأهمية السياسية التي تمثِّلها هذه الانتخابات، لكن لقد تم حتى الآن نشر القليل فقط من نتائج استطلاعات الرأي. وفي هذا الصدد قال شخص مطَّلع من داخل وسائل الإعلام لا يرغب في الكشف عن هويته: "الجميع خائفون من احتمال إغضاب الحكومة من خلال نشرهم نتائج استطلاعات سلبية".

ولكن مع ذلك لا يزال من غير الواضح كيف سيكون في نهاية المطاف تأثير اتِّهامات الفساد - وقبل كلِّ شيء تسجيلات المكالمات الهاتفية المسرَّبة - على ناخبي حزب العدالة والتنمية. "من الناحية النظرية يمكن أن تشكِّل خطرًا كبيرًا على الحكومة، بيد أنَّني غير متأكّدة إذا كان الناخبون سينتبهون على الإطلاق لهذا الموضوع"، بحسب قول المعلقة الصحفية أسلي أيدنتسباس: "من النادر جدًا أن يرد في الراديو أي ذكر لاتِّهامات حقيقية. صحيح أنَّ زعيم المعارضين السياسيين قام بتشغيل هذه التسجيلات في البرلمان (أثناء جلسة كان يتم نقلها على الهواء مباشرة)، إلاَّ أنَّ معظم محطات البث أوقفت إرسالها عند هذه اللحظة بالذات".

على الأرجح أنَّ الاقتصاد يمثِّل الورقة الرابحة التي يستطيع إردوغان استثمارها أكثر من غيرها. وخلال فترة حكمه التي بلغت الآن عشرة أعوام، شهدت تركيا مرحلة غير مسبوقة من النمو الاقتصادي، الأمر الذي كوفئ عليه حزب العدالة والتنمية بنتائج انتخابات مذهلة.

ولكن الآن بدأ الاقتصاد التركي يضعف بشكل ملحوظ. كما أنَّ الفضائح السياسية تؤثر بطريقة سلبية أيضًا وعلى نحو متزايد في اقتصاد البلاد. "يُظهر مؤشر الأعمال ومناخ الاستهلاك انخفاضًا حادًا في الأرقام لشهر كانون الثاني/ يناير" 2014، على حدّ قول أتيلا يسيلادا، المحلل في معهد Global Source Partners . ويضيف: "نحن نلاحظ شكلاً من أزمة الثقة، التي يرجع سببها قبل كلِّ شيء إلى الصراع الدائر على السلطة في أنقرة. يضاف إلى ذلك أنَّ لدينا صدمة كبيرة من أسعار الفائدة؛ والنتيجة التي تكاد تبدو حتمية هي أنَّ تركيا مقبلة على ركود عميق نسبيًا".

لكن إردوغان ليس له ند ومثيل بالسرعة حين يتعلَّق الأمر بالانتخابات، فهو يتحدَّث منذ عدة أشهر مرارًا وتكرارًا أمام الآلاف من أتباعه المتحمِّسين في جميع أنحاء البلاد. ومن المؤكَّد أنَّ هذه الجهود تزداد أكثر بكثير مع اقتراب موعد الانتخابات. وفي الواقع لم تشهد أي انتخابات حتى الآن مثل هذه الرهانات السياسية؛ وفي هذا الصدد يقول سولي أوزيل إنَّ "هذه الانتخابات البلدية أهم بكثير من جميع الانتخابات التي شهدتها في كلِّ حياتي".

 

 

دوريان جونز

ترجمة: رائد الباش

تحرير: علي المخلافي

حقوق النشر: قنطرة 2014

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.