تجدد الاشتباكات بين الميليشيات المتنافسة في ليبيا

خلفيات الانفلات الأمني في ليبيا ومعركة طرابلس

بعد غرق بنغازي في الفوضى والعنف، أصبحت طرابلس مسرحا لاشتباكات بين ميليشيات متنافسة. وجاء هذا على الرغم من إجراء الانتخابات البرلمانية بشكل قانوني. فاليري شتوكر تسلط الضوء من ليبيا لموقع قنطرة على أسباب هذا التصعيد وآثاره على المستقبل السياسي لهذه الدولة العربية الواقعة في شمال إفريقيا.

في شهر حزيران/ يونيو 2012، شهدت ليبيا للمرة الأولى انتخابات ديمقراطية - بعد أربعة عقود من الديكتاتورية وانفراد معمر القذافي في الحكم. وتقرّر أن يحل في أغسطس/ آب 2014 "مجلس النوَّاب" الليبي المنتخب محل "المؤتمر الوطني العام" الذي تم تأسيسه بعيد انتخابات عام 2012 كسلطة انتقالية، مثلما الحال مع مجلس النوَّاب الجديد.

واستعدت الجمعية المنتخبة في شهر شباط/ فبراير الماضي 2014 لصياغة الدستور خلال الأشهر الثمانية عشرة المقبلة. ومن المقرّر أن يتم بعد التصديق على هذا الدستور -من خلال الاستفتاء عليه- إجراء الانتخابات الحكومية النهائية التي ستُنهي هذه المرحلة الانتقالية. وهذا هو على الأقل الجدول الزمني الرسمي، الذي قام بتعديله المؤتمر الوطني العام آخر مرة في شهر شباط/ فبراير 2014. ولكن بالتوازي مع ذلك، تشكَّلت في ليبيا العديد من مراكز القوى السياسية، التي من الممكن أن يؤدِّي تصادمها إلى الحيلولة دون تحقيق هذا الهدف وتشكيل حكومة مستقرة.

يجب علينا لكي نفهم أبعاد هذا الصراع الراهن أن نلقي نظرة على عام 2012: في تلك الفترة كان على الناخبين الليبيين اختيار ممثِّليهم من بين عشرات الأحزاب التي تأسَّست حديثًا. وكانت هذه الأحزاب تختلف عن بعضها اختلافًا كبيرًا فيما يتعلق بدور الشريعة الإسلامية في سنّ القوانين وبالتعامل مع النخبة السابقة. من ناحية صار الأشخاص الذين يطلق عليهم اسم "أزلام النظام السابق"، أي فلول النظام الذين كانوا يحتلون في عهد القذافي المواقع القيادية، يريدون الآن أن يكونوا جزءًا من ليبيا الجديدة. ويقابلهم من ناحية أخرى الأشخاص المعروفون باسم "الثوَّار"، ومعظمهم من جيل الشباب الذين يطالبون بإصلاحات جذرية في المجتمع.

تفرض ميليشياتٌ من مدينة الزنتان سيطرتها منذ عام 2011 على مطار طرابلس الدولي، على الرغم من تعهداتها الكثيرة بتسليم هذا المطار إلى الجيش. Foto: Osama Alfitory
أهداف مستهدفة من قبل القوى المتنافسة - تفرض ميليشياتٌ من مدينة الزنتان سيطرتها منذ عام 2011 على مطار طرابلس الدولي، على الرغم من تعهداتها الكثيرة بتسليم هذا المطار إلى الجيش. أدَّت الصواريخ التي أصابت خزّانات الوقود إلى اشتعالها. ولذلك كان لا بدّ من تحويل الرحلات الجوية الداخلية إلى مطار معيتيقة العسكري.

المؤتمر الوطني عامل مساعد في هذا الصراع

ينظر الكثيرون إلى المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته باعتباره عاملاً مساعدًا في نشوء هذا الصراع. لم يكن المشهد السياسي الذي تكوّن في عام 2012 ناضجًا بعد، كما أنَّ أغلبية أعضاء هذا المؤتمر كانوا مستقلين (120 عضوًا مستقلاً من أصل 200 عضو)، وهذا أدَّى إلى صعوبة التوصّل إلى التوافق البرلماني.

وخلال فترة قصيرة انقسم المؤتمر الوطني العام إلى كتلتين تتجاوزان الأحزاب: هما "كتلة الوفاء لدماء الشهداء" الإسلامية و"تحالف القوى الوطنية" الأقرب إلى الليبرالية والعلمانية (كان يطلق عليه أحيانًا اسم "تحالف 96"). اتَّضح التنافس بينهما من خلال قانون العزل السياسي، الذي تم على أساسه استبعاد مرشَّحيهم الذين كانوا يتولون في عهد القذافي مناصب قيادية.

في ربيع عام 2013 نجح اللوبي المؤيِّد للعزل السياسي في تمرير نص قانون من خلال المؤتمر الوطني العام؛ استبعد هذا القانون من ناحية المسؤولين السابقين الذين انضموا الى المعارضة، وعمل من ناحية أخرى على إخفاء المصالحة الرسمية التي تمت بعد عام 2008 بين المعارضة الإسلامية ونظام القذافي.

لقد قام أفراد الميليشيات المتحالفة مع الإسلاميين القادمة من مدينة مصراتة الساحلية معقل الثورة الليبية بمحاصرة مبنى المؤتمر الوطني العام، إلى أن أجبروا نوَّابه على اتخاذ القرارت التي يريدونها. ومنذ ذلك الحين صار يحاول الليبراليون استصدار حكم يقضي بإلغاء قانون العزل السياسي، بيد أنَّ قضاة المحكمة العليا، التي يفترض أن تصدر هذا الحكم، أجلوا قرارهم منذ عدة أشهر بسبب الخوف من الانتقام.

وكذلك كانت هناك نقطة خلاف أخرى تمثَّلت في رئيس الوزراء الليبرالي علي زيدان. تمكَّنت كتلة الوفاء لدماء الشهداء بعد عدة محاولات من عزله من منصبه في شهر آذار/ مارس 2014. وفي هذا السياق أيضًا ظهر بوضوح تشابك المصالح السياسية مع قوة السلاح، على سبيل المثال عندما تم في شهر تشرين الأوَّل/ أكتوبر 2013 اختطاف علي زيدان من قبل وحدة تابعة لوزارة الداخلية بأمر من أعضاء في المؤتمر الوطني العام.

ولكن مع ذلك، إنَّ الطرف الآخر لا يعتبر مسالمًا أكثر من غيره. إذ إنَّ ميليشيات مدينة الزنتان الجبلية - التي تعدّ هي الأخرى معقلًا من معاقل الثورة وقد انحازت في الواقع إلى الكتلة الليبرالية - فرضت منذ عام 2011 سيطرتها على المطار، على الرغم من التعهدات والوعود الكثيرة بتسليمه إلى الجيش. لقد حاول الليبراليون أكثر من مرة إحداث تغيير سياسي، وذلك على سبيل المثال عندما طالبت في شهر شباط/ فبراير الماضي ميليشياتُ الزنتان أعضاءَ المجلس الوطني الانتقالي بالاستقالة وأعلن حليفهم اللواء خليفة حفتر الانقلاب العسكري.

رئيس الوزراء الليبي السابق علي زيدان . Foto: Picture-alliance/AP Photo
تم في شهر آذار/ مارس 2014 عزل رئيس الوزراء الليبي السابق علي زيدان بعد تصويت البرلمان الليبي على حجب الثقة عنه. وضمن هذا السياق ظهر بوضح تشابك المصالح السياسية مع قوة السلاح؛ وفي شهر تشرين الأوَّل/ أكتوبر 2013 تم اختطاف علي زيدان إبَّان فترة ولايته من قبل وحدة تابعة لوزارة الداخلية وبأمر من أعضاء في المؤتمر الوطني العام.

وبدأ اللواء المتقاعد خليفة حفتر بقيادة حملة عسكرية واسعة النطاق صارت في شهرها الثالث ضدّ الميليشيات الإسلامية المتطرِّفة في شرق ليبيا. وهذه الحملة - التي يطلق عليها اسم "عملية الكرامة" - تضعف "الكتلة الإسلامية الثورية"، وذلك بسبب علاقاتها الوثيقة مع الميليشيات المتطرِّفة في مدينة بنغازي، وهي بالتالي عرضة معهم للانتقادات والاتِّهامات.

خطر خسارة السلطة

وبالإضافة إلى ذلك فإنَّ هذه الكتلة تخشى من أنَّها ستخسر الآن هيمنتها الحالية، وذلك من خلال نقل السلطة إلى مجلس النوَّاب. ففي الانتخابات البرلمانية التي تم إجراؤها يوم الـ25 من شهر حزيران/ يونيو 2014 لم يكسب الإسلاميون على ما يبدو مقاعد كثيرة.

لم يكن الأمر واضحًا تمامًا، ففي هذه الانتخابات لم تكن هناك قوائم حزبية، بل مرشَّحون مستقلون فقط. لكن على أية حال صار الإسلاميون يخشون من خسارتهم السلطة ويريدون المحافظة على هذه السلطة من خلال الهجوم على معقل مليشيات الزنتان في طرابلس العاصمة. إذ إنَّ السيطرة على المطار لا تعني فقط مورد دخل لهم، بل تعني كذلك مراقبة المسافرين وعمليات تهريب الأسلحة. فقد تكرَّر في الماضي اختفاء شحنات كاملة من الأسلحة من على مدرج المطار ومن ثم كانت تظهر لدى ميليشيات الزنتان.

لقد كان هذا لفترة طويلة أمرًا مزعجًا بالنسبة للطرف الآخر، وبالتالي كان لا بدّ عاجلاً أم آجلاً من بدء العملية العسكرية الحالية التي يطلق عليها اسم "عملية الفجر". يسيطر الإسلاميون فقط على مطار معيتيقة العسكري الأصغر بكثير وكذلك على مطار آخر في مدينة مصراتة. ويعتقد البعض أنَّ الهدف من هذه العملية ليس الاستيلاء على هذا المطار، بل تدميره بالكامل. وإذا ثبتت صحة هذه التقديرات ولم يتم إيجاد بدائل أخرى، فعندئذ ستبقى "الكتلة الإسلامية الثورية" هي المسيطرة في المستقبل.

طرابلس ... مسرح للاشتباكات بين الميليشيات المتنافسة. Foto: Reuters
بعد غرق بنغازي في الفوضى والعنف، أصبحت طرابلس مسرحًا للاشتباكات بين الميليشيات المتنافسة. وبحسب معلومات وزارة الخارجية الألمانية لا تزال ليبيا غير آمنة بعد مضي ثلاثة أعوام على إسقاط الديكتاتور الليبي معمر القذافي.

لقد أدَّى الهجوم على مطار طرابلس العاصمة إلى سحب الدبلوماسيين والموظفين الأجانب العاملين في المنظمات غير الحكومية والشركات الأجنبية. وبالتالي أصبح يتم تحميل المطار العسكري أكثر من طاقته ولم تعد هناك إمكانية للخروج من البلاد في الوقت الراهن إلاَّ عن طريق البر إلى تونس.

منع البنزين عن طرابلس العاصمة

لا يبدو حاليًا أنَّ الرعايا الأجانب مستهدفون بهجمات الميليشيات، ولكنهم كانوا في الماضي عرضة للعديد من الاعتداءات العنيفة. في الوقت الراهن يواجه سكَّان طرابلس العاصمة صعوبات وتحدّيات متزايدة في تنظيم حياتهم اليومية: إذ يعانون في كلّ يوم من انقطاع الكهرباء والماء لعدة ساعات؛ ويصطفّون في طوابر يصل طولها إلى مئات الأمتار أمام محطات البنزين. وكذلك ثمة خشية من نفاذ البنزين في العاصمة الليبية، بعد الحريق الذي اندلع في خزّانات الوقود الرئيسية في العاصمة.

ولكن يبدو أنَّ هذا الأمر غير مهم بالنسبة للميليشيات المتحاربة. وفي مصراتة قام أفراد الميليشيات بإيقاف سائقي السيارات المتوجّهين إلى طرابلس وأجبروهم على إفراغ صفائح البنزين التي يحملونها معهم، "حتى يمنعون بذلك وصول أية قطرة من البنزين إلى طرابلس"، مثلما ذكر مراسل ليبي بعد وصوله إلى طرابلس العاصمة.

إنَّ الخاسرين في هذا الصراع الحالي هم في نهاية المطاف المواطنون العاديون. وأمَّا الميليشيات فتواصل صراعها على السلطة ولا يعبأ أفرادها بتدمير مدنهم. لذلك يبدو وعلى نحو متزايد أنَّ ​​الأمل في التوصل إلى حلّ سلمي بات بعيد المنال. من المشكوك فيه أيضًا إن كان مجلس النوَّاب، الذي من المفترض أن يجتمع بعد أيَّام قليلة، سوف يتمكَّن من أداء مهامه بشكل أفضل من أداء المؤتمر الوطني العام السابق، وذلك نظرًا إلى الانقسام السياسي العميق.

ولذلك صار يزداد عدد المواطنين الليبيين - وكذلك المسؤولين الحكوميين - الذين يطالبون بإرسال قوة دولية لحفظ السلام إلى ليبيا. بيد أنَّ مثل هذا السيناريو يعتبر أمرًا مستبعدًا للغاية، نظرًا إلى الفوضى التي تكتسح سياسية ليبيا الداخلية وإلى الأوضاع الاقتصادة والسياسية العالمية.

 

فاليري شتوكر

ترجمة: رائد الباش

تحرير: علي المخلافي

حقوق النشر: قنطرة 2014

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : خلفيات الانفلات الأمني في ليبيا ومعركة طرابلس

هذا ما جناه علينا الناتو

Anonymous06.08.2014 | 19:46 Uhr