جيم أوزديمير ، الصورة: أليانس/ د.ب.أ
تعليق لجيم أوزديمير:

"انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي يصب في مصلحة أوروبا"

إنَّ انضمام تركيا المزمع إلى الاتحاد الأوروبي يدعو إلى التساؤل عن ماهية أوروبا، حسب رأي النائب في برلمان الاتحاد الأوروبي، جيم أوزديمير. وأوروبا بالنسبة له هي مشروع سلام ينبغي أن لا يتم تحديدها في البدء من خلال إرثها المسيحي الغربي.

يجري الاتحاد الأوروبي وتركيا منذ شهر تشرين الأول/أكتوبر 2005 مفاوضات حول انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وذلك بعد أن أعطى رؤساء الدول والحكومات الأوروبية الضوء الأخضر لهذه المفاوضات في كانون الأول/ديسمبر 2004. وعلى الرغم من هذا القرار الذي صدر بالإجماع، إلاَّ أنَّ دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي يثير جدالات حادة وانفعالية. غير أنَّ الأمر لا يتعلَّق في هذا الخلاف بتركيا وحدها. إذ إنَّ دخول تركيا إلى الاتحاد يجعلنا نتساءل عن ماهية أوروبا في الأصل وماذا ينبغي أن تكون؟ هناك تشابه مع النقاش الألماني الدائر حول ما يطلق عليه اسم "الثقافة الموجِّهة". فنحن لا نناقش هنا مثلاً فقط اندماج المهاجرين، بل نتحقَّق أيضًا وبصورة شاملة من مستقبل وهوية مجتمعنا. وبهذا المعنى يعتبر أيضًا النقاش حول حدود الاتحاد الأوروبي وتوسيعه بمثابة تحقّق من الذات. لكن ما هي أوروبا هذه؟

إنَّ الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ترتبط ببعضها على المستوى الاقتصادي ارتباطًا وثيقًا، كما سيكون من الخطأ أن يتم إهمال الاندماج الاقتصادي في البحث عن تعريف مشترك لأوروبا، وكأنَّ هذا التعريف أقلّ أهمية من الحدود، التي يُزعم أنَّها موضوعية وأقلّ أهمية من القواسم الثقافية المشتركة. ولكن من ناحية أخرى تتجلَّى أهمية الاندماج السياسي بالنظر إلى التحدِّيات التي لا يستطيع بلد ما أن ينجح وحده في التغلّب عليها. وسواء كان الأمر يتعلَّق بعواقب التغيّر الديموغرافي أو بالتغيّر المناخي أو بمحاربة الإرهاب أو بمحاربة الفقر والجوع على مستوى العالم - فإنَّ الاتحاد الأوروبي يقدِّم أمكانية فريدة من نوعها من أجل تعاون فعّال بين الدول. ولذلك تعتبر معاهدة الإصلاح الصادرة عن الاتحاد الأوروبي معاهدة مهمة في سبيل التعاون، حتى وإن كانت هذه المعاهدة لا تشكِّل من دون ريب الخطوة الأخيرة.

أكثر من مجرَّد قوة الأمر الواقع

لكن التضامن والتعاون، اللذين يعنيان ضمن إطار الاتحاد الأوروبي التخلي عن السيادة، لا يقومان فقط على أساس قوة الأمر الواقع - بل يعيشان على أساس شروط داخلية تصل إلى أبعد من ذلك. وهذا الأساس أراه في تاريخ القرن العشرين. فأوروبا المعاصرة تعتبر بالنسبة لي في الوقت نفسه رؤية خيالية ومشروع لم يكن تحقيقه ممكنًا من دون كارثة الحرب العالمية الثانية. إذ إنَّ أوروبا والاتحاد الأوروبي يمثِّلان لي المثل العليا للسلام والديمقراطية وحرية التعبير عن الرأي - هذه هي المثل، التي ينبغي في الوقت نفسه أن يحول تطبيقها على أرض الواقع دون تكرار حدوث مثل تلك الكارثة في أوروبا.

وضمن هذا السياق أرى أنَّ تعريف أوروبا بالذات من خلال إرثها المسيحي الغربي أو من خلال عصر التنوير لهو أمر لا يقنع كثيرًا. ولا توجد معايير موضوعية وذاتية يمكن أن تعرِّف هويَّتنا ومستقبلنا تعريفًا شاملاً. يتحدَّث الجغرافيون والمؤرِّخون عن حدود أوروبا "المصطنعة".

انضمام تركيا تأكيد للرؤية الأوروبية

إذن ما هي أوروبا هذه؟ هي بحسب مفهومنا الذاتي مكان تعتبر فيه حقوق الإنسان وحرية التعبير عن الرأي والديمقراطية قيمًا لا يمكن التفاوض عليها؛ ليس بسبب "طبيعتها"، بل لأنَّنا نحن نريد ذلك. لقد ظهر في هذا الصدد أنَّنا لم نصل بعد إلى نهاية التطوّر، وذلك من خلال الحرب التي دارت رحاها قبل فترة غير بعيدة في يوغسلافيا السابقة وكذلك من خلال تورّط دول الاتحاد الأوروبي في عمليات اختطاف أشخاص على يد وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA واعتقالهم بشكل مخالف لحقوق الإنسان في غوانتانامو. وإذا كان هناك فقط دول ترغب في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وتعي تمامًا الأهمية التي تشكِّلها هذه القيم بالنسبة لنا، فإنَّ هذا تأكيد على فكرة الاتحاد الأوروبي ونجاحه.

وضمن هذا السياق فإنَّ السؤال عما إذا كانت تركيا تنتمي حسب "طبيعتها" لأوروبا أم أنَّها لا تنتمي لها، فهو سؤال على قدر قليل من الأهمية. وبما أنَّ تركيا تعتبر نفسها جزءً من أوروبا وتسعى إلى نيل عضوية الاتحاد الأوروبي، فإنَّ تعريف أوروبا لا يعتبر الأمر الحاسم - بل إنَّ الأهم هو تحديد شكل الاتحاد الأوروبي، الذي نريده، والدور الذي ينبغي لتركيا أن تؤديه. وصحيح أنَّه لا يجوز إغفال المسائل الدينية والثقافية في النقاش حول توسيع الاتحاد الأوروبي، غير أنَّ هذه المسائل لا تلعب أيَّ دور في قرار تأييد أو رفض انضمام بلد ما إلى الاتحاد الأوروبي. فشروط الانضمام معروفة؛ إذ إنَّ معايير كوبنهاغن الخاصة بذلك تقتضي وجود اقتصاد سوق حرة نشيط وقادر على المنافسة، بالإضافة إلى الديمقراطية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان وحماية الأقليات وكذلك تبني قانون الاتحاد الأوروبي الحالي. وتتم مراجعة تبني قانون الاتحاد الأوروبي على مراحل بالرجوع إلى خمسة وثلاثين موضوعًا كما يخضع لأشدّ التدقيق.

التخلي عن وجهات النظر الثقافوية

صورة رمزية لتركيا والاتحاد الاوروبي، الصورة:دويتشه فيله/ أ.ب
"فأوروبا المعاصرة تعتبر بالنسبة لي في الوقت نفسه رؤية خيالية ومشروع لم يكن تحقيقه ممكنًا من دون كارثة الحرب العالمية الثانية".

​​وعلى الرغم من أن شروط الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي تعد بناءً واضحاً على ذلك، إلاَّ أنَّ أطرافًا مختلفة تتذرَّع مرارًا وتكرارًا بذرائع ثقافوية ضدّ انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. وفي ذلك يتم أخيرًا وليس آخرًا، سرًا أو علانية، ذكر الطابع الإسلامي في هذا البلد. وفي ذلك يجب علينا أن نتخلى أخيرًا عن التصوّرات الثقافوية الذاتية، وكأنما الثقافة الخاصة ببلد ما وآراء سكّانه ثابتة لا تتغيّر إلى الأبد. لقد تجلى هذا التغيّر في البلدين اللذين كانا سابقًا مرشحين لعضوية الاتحاد الأوروبي، أي إسبانيا وإيرلندا وكذلك كانت الحال في جمهورية ألمانيا الاتحادية.

زد على ذلك أنَّ النجاح في تحقيق شروط الانضمام، التي سيتم تدقيقها في حال انضمام تركيا تدقيقًا شديدًا جدًا وغير مسبوق من قبل أيّ مرشح آخر، لن يغيَّر تركيا فقط على المستوى الاقتصادي والسياسي، بل سيؤثِّر من دون شكّ أيضًا في طبيعة تركيا الثقافية. وليتصوّر المرء فقط الجهود التي يجب بذلها في مجال التربية والتعليم. غير أنَّ هذا لا يعني إذن أنَّ تركيا سوف تصبح ملحدة أو مسيحية. بل يجب على تركيا وكذلك على سكّانها أن يثبتوا في مشروع يعتبر حتى الآن فريدًا من نوعه أنَّ الإسلام يمثِّل من ناحية قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان واقتصاد السوق الحرة وحماية الأقليات وأنَّه لا يتعارض معها من ناحية أخرى.

أنقرة وسيط مهم في أزمة الشرق الأوسط

لقد ذكر قبل بضعة أعوام معارض النظام السوري والصحفي، ميشال كيلو في برلين أنَّ تمييز تركيا في مجتمعات الشرق الأوسط قد تغيَّر. وأضاف أنَّ دولة تركيا التي تأسست على أنقاض الدولة العثمانية كانت تعتبر قبل وقت غير بعيد بسبب ارتباطها بحلف الناتو وعلاقاتها الجيدة مع إسرائيل دولة خائنة؛ واليوم يحترم المرء تركيا لانتخاباتها الديمقراطية وحرية الصحافة فيها ونموها الاقتصادي. وبالإضافة إلى ذلك فإنَّ أنقرة تؤدِّي دور الوسيط في أزمة الشرق الأوسط.

ونظرًا إلى ذلك فإنَّ دمج تركيا في الاتحاد الأوروبي لا يعتبر كذلك في مصلحة الأتراك وحدهم، بل أيضًا في مصلحة الأوروبيين. كما أنَّ قوى المجتمع المدني ذات التوجّهات الإصلاحية في دول الشرق الأوسط تنظر باهتمام إلى طريق تركيا البعيد. ولذلك يجب على الدول أعضاء الاتحاد الأوروبي أن لا تنظر إلى تركيا باعتبارها كرة في ملعب السياسة الداخلية، بل أن تقبل بها باعتبارها تحدٍ إيجابي وأن ترافقها بصدق ولكن بصورة ناقدة في طريقها إلى الاتحاد الأوروبي. ذلك أنَّه من الواضح أنَّ إنجاز هذا المشروع بنجاح أمر يصب في مصلحتنا.

جيم أوزديمير
ترجمة: رائد الباش
حقوق الطبع: دويتشه فيله 2008

جيم أوزديمير: نائب عن حزب الخضر في البرلمان الأوروبي وعضو في لجنة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي.

ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.