الصورة ا.ب
تساؤلات حول انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي:

هل تصعد تركيا دون أوروبا؟

هل يمكن لتركيا أن تنجح كديمقراطية ليبرالية دون مساعدة أوروبية؟ وهل توجها نحو الشرق في غياب عملية انضمام ذات مصداقية إلى الاتحاد الأوروبي يمكن أن يضفي عليها صبغة دينية مسيسة؟ فادي حاكورة، الخبير في الشؤون التركية في تشاثام هاوس وخبير الأمم المتحدة العالمي، يقدم إجابات لهذه التساؤلات وغيرها.

الصورة ا.ب
"في الوقت الذي تعاني فيه عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من الجمود، يمر المجتمع التركي بعملية تحوّل نحو الديمقراطية والعلمانية، وإعادة التشكيل الاجتماعي الاقتصادي"

​​

تحاول تركيا، في خضمّ النفور الأوروبي اتجاه انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، رسم خط سير بديل للديمقراطية العلمانية والازدهار الاقتصادي. غير أنه يتوجب على تركيا التحرّك خطوة إضافية إلى الأمام ومساءلة الحقيقة البديهية الشائعة بأن مصيرها بدون أوروبا هو كومة خراب مكونة من الأصولية الإسلامية أو وطنية لا ثواب فيها. فمنذ نهاية الإمبراطورية العثمانية، تعني الحكمة التقليدية القائلة بأن أوروبا هي المخلص الأخير لتركيا، ضمنياً بأن تركيا غير قادرة أو مستعدة لأن تصبح ديمقراطية ليبرالية في غياب وكالة خارجية. هذه الفكرة الزائفة غير متأصّلة في الواقع الثقافي أو السياسي، وإنما هي حادثة عرضية تاريخية.

وفي الوقت الذي تعاني فيه عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من الجمود، يمر المجتمع التركي بعملية تحوّل نحو الديمقراطية الأعظم والعلمانية، وإعادة التشكيل الاجتماعي الاقتصادي. وتشير الاستطلاعات إلى أن الأتراك يفضّلون رؤية أكثر روحانية للإسلام ومزيداً من المساءلة العامة للمسؤولين الحكوميين ومؤسسات الدولة وانخراطاً أعمق في الاقتصاد العالمي. ويريد السكان، وهو أمر لا يختلف عن الديمقراطيات الغربية، أن توفّر السلطات المدنية فرص عمل ونوعية ممتازة من التعليم ونظام رعاية صحية عالمي المستوى. ولا تجتذب المعارك الأيديولوجية القديمة سوى اهتماماً محدوداً في أفضل الحالات.

تركيا والهند

اسطنبول، الصورة د.ب.ا
تشكل تركيا جسرا بين الشرق والغرب، ما يؤهلها للعب دور مهم في التعايش بين الحضارات والأديان

​​

يوفّر نجاح الهند الاقتصادي تحدّياً لافتا للنظر للاعتقاد بأن تركيا التي تكون غير مرتبطة بأوروبا سوف تؤول إلى الجمود والتخلّف الأبدي. قبل ثلاثة عقود من الزمان فقط، كان من الشائع اعتبار الهند على أنها حالة اقتصادية فاشلة حُكِم عليها بتحقيق معدلات نمو متواضعة. وقد نُظِر إلى الثقافة الهندوسية بشكل خاطئ على أنها نقيض النمو الاقتصادي وتتعارض بشكل شديد مع التوسع الاقتصادي المتسارع لجنوب شرق آسيا غير الهندوسي.

تجد تركيا نفسها، إذا استبدلنا الهندوسية بالإسلام، في موقع مماثل للهند. من الناحية الثقافية، فالافتراض غير المعلن الثقافية هو أن تركيا لا تملك المقومات الضرورية لحل المشكلة الكردية واعتناق دستور مدني وديمقراطي جديد وتعميق العلمانية بين سكان غالبيتهم من المسلمين، أو قبول الحرية الاجتماعية كأساس للمجتمع. إلا أن هذا المنظور يشكّل خيانة لإنجازات عملية بناء الأمة بعد 87 سنة فقط من وجود تركيا، وهي فترة تشكّل نقطة في محيط التاريخ.

واقع الأمر هو أنه بعكس البلقان، نجحت تركيا إلى درجة كبيرة في تحقيق تكامل مجموعة متنوعة من الأصول العرقية بعد تفكّك المجد العثماني السابق. كما أن تركيا تقوم بإنشاء نظام قانوني عامل وتعميق التقاليد الديمقراطية شبه العلمانية وتشكيل طبقة من أصحاب الأعمال المبدعين الذين يخلقون أمواجاً في أسواق أوروبا والشرق الأوسط وروسيا وآسيا الوسطى وإفريقيا في مجالات الإنشاءات والزراعة والمنسوجات.

تحديات كبرى

المسألة الكردية، الصورة د..ب.ا
"السياسة التركية التي ترتكز على مبدأ "الفائز يأخذ كل شيء" لا تعير أي اهتمام لوجهات نظر الأقليات"

​​

ولا يعني ذلك بتاتاً أن تركيا لا تواجه تحديات كبرى، فهي بالتأكيد تواجه تحديات كهذه. لقد فشلت تركيا، كبداية، في التعامل بشكل مناسب مع خيبة أمل قطاع كبير من السكان الأكراد حول الحقوق الثقافية والفقر. فسياستها التي ترتكز على مبدأ "الفائز يأخذ كل شيء" التي لا تعير أي اهتمام لوجهات نظر الأقليات، بالإضافة إلى مشاعرها الوطنية الرجعية وانعدام الثقة لديها بغير المسلمين وانشغالها الدائم والبالغ حدود الاستحواذ بالسيطرة الاجتماعية على مستوى النُخَب الحاكمة، تتعارض جميعها مع تركيا التي تهدف إلى التنوع والتحديث. بمعنى آخر، يبحر المجتمع التركي وأصحاب الأعمال قدماً بشكل غير اعتيادي بالمقارنة مع سياسييه من حيث تبني القيم السياسية والاجتماعية الحديثة. ويعمل التمدين والعولمة الاقتصادية والتقدم الديمقراطي على تغيير المنظور المجتمعي والتقاليد الاجتماعية.

ما زالت تركيا، رغم ديناميتها التقدمية، التي قد تكون متعطّلة أحياناً، تصنّف كدولة مفعمة بالنزاعات، بين الأتراك والأكراد، والإسلام والعلمانية، أو الشرق والغرب. شاهد على سبيل المثال الجدل المستفحل حول تخلّي تركيا عن التحالفات الغربية لصالح التوجهات شرقاً. ويتجاهل هذا الجدل الرأي العام، الذي تقترح الاستطلاعات أنه يفضّل التعاون الدولي مع أوروبا، وخاصة ألمانيا، بدلاً من المملكة العربية السعودية أو إيران أو روسيا. لذا فإن هناك بعض المخاطرة بتوجه شرقي أو تركيا مسيّس دينياً في غياب عملية انضمام ذات مصداقية إلى الاتحاد الأوروبي.

ترتكب أوروبا خطأ جسيماً في رفضها تركيا وإلقائها جانباً. تبرز تركيا نبراساً حقيقياً من الأمل والإلهام للعديد من الدول، المسلمة وغير المسلمة، حيث تقوم بتشكيل مستقبل يرتكز على قدراتها وذكائها الشخصيين. غير أنه بالنسبة لتركيا سوف يدفن اعتماد مخفّض على الاتحاد الأوروبي أخيراً أسطورة أن أوروبا فقط هي التي تستطيع دفع عملية تحويل تركيا إلى اللبرالية، وبالتالي دول الشرق الأوسط العربية.

فادي حاكورة
حقوق النشر: خدمة الأرضية المشتركة الإخبارية.

فادي حاكورة متخصص في الشؤون التركية في تشاثام هاوس وخبير عالمي للأمم المتحدة.

ملفات خاصة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.