وردة الجزائرية من أهم الأصوات التي فرضت نفسها على خارطة الفن في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي
وفاة أميرة الطرب العربي وردة الجزائرية

وداعًا وردة الطرب العربي…وردتي... وردتنا

فقد العالم العربي بوفاة أميرة الطرب العربي وردة الجزائرية واحدة من عمالقة الموسيقى العربية، التي تغلغل صوتها الرومانسي في وجدان عشاق الغناء العربي الجميل من المحيط إلى الخليج. رشا الأطرش تستذكر وردة "العيون السود" ورحلتها الخاصة مع أغاني الفنانة الفقيدة صاحبة الصوت الذي يحترم متعة السماع.

تغيّبت معلّمة الحصة الأخيرة وأنزلونا إلى الملعب الصغير نفعل ما نشاء تحت شمس صيف وشيك. بعضنا اتجه إلى الدكان يفسد غداءه. وجلس بعضنا الآخر، يقطّع الوقت بأحاديث الصغار، على مقاعد حجرية تزنّر باحة الإسفلت في المدرسة المؤلفة من مبنى واحد لم يسلم من رصاص الاشتباكات الأخيرة وشظاياها، ويدور لعب تلامذتها في المساحة التي لا بد كانت موقفاً لسيارات السكّان قبل أن تستبدل أسرّة الغرف بطاولات وكراسٍ، ولوحات الجدران بألواح سود وطباشير.

لكننا، نحن الثلاث، قفزنا إلى مقاعد الأرجوحة الحديدية المستديرة، المطلية بالأحمر والأزرق، نُعمِل فيها شيئاً من قوة أجسادنا لتدور بنا على مهل. هل كنا ثلاثاً أم أربعاً؟ لا أذكر. لكن ميساء كانت بيننا بالتأكيد. شعرها المتدرجة شقرته، معقوص في ضفيرة. هي التي اقترحت علينا، نحن صديقات الصف الخامس في «ابتدائية رأس بيروت»، أن نسلّي أنفسنا بأغنية ريثما يأتي أهلنا لاصطحابنا... «في يوم وليلة، دُقنا حلاوة الحب، كلّه في يوم وليلة...»، غنّت، من دون انتظار موافقتنا. جاريناها، لكنها هي التي سلطنَت، بقدر ما قد تطرب طفلة. صوتها يعودني الآن جميلاً، ذا بحّة، أو هكذا تقرره ذاكرتي. لكن المعلومة الموضوعية هي أنني، في ذلك اليوم، سمعت الأغنية شبه كاملة، للمرة الأولى، وعرفت أنها لوردة الجزائرية. وفي أيام وسنوات تالية، فهمت أنها هي، وردة، التي تحبّها أختي الكبرى وتحاول عزف مقاطع من أغانيها على «أورغ» كان «صرعة» الثمانينات وأذعن أبي أخيراً لإلحاحنا فاشتراه.

ما كنت لأصدق أن ذلك اليوم المدرسي المشمس قد حصل فعلاً لولا خبر رحيل وردة، الذي استلّ المشهد من قعر الذاكرة، بخفّة صنّارة.

كنا، نحن جيل بيروت الثمانينات، الذي انحصرت دهشته في شاشة «تلفزيون لبنان» الوحيدة، ننعم في الصيف بخيار ثان يحمله إلينا الطقس الرائق من خلف الحدود: «قناة الشام» التي تختتم إرسالها كل ليلة ببرنامج المنوعات القصير «غداً نلتقي»، حيث تطلّ المذيعة بـ «غرّتها» العالية، بين أغنيات مختارة من حفلات مسجّلة، لتلقي أبيات شعر أو تتغنّى بحكمة وربما تروي طُرفة. برنامج تحفة، في نظرنا آنذاك، وأسمى ما قد تتفتّق عنه المخيلة البشرية. كل ليلة، وفيما خالتي ترصف ورق الشَدّة على الكنبة الخضراء وتمجّ السيجارة الأخيرة قبل النوم، تقوم أختي إلى تلفزيون ما قبل جهاز التحكّم من بعد، تبدّل شاشته إلى «الشام» وترفع الصوت متمتمة كالنساء المتعوّذات: «انشا الله يحطوا وردة». وحين يتمّ لها المراد، وغالباً ما كان يتمّ، تروح تغنّي مع ذات العينين الكحلاوين والردفين المكتنزين، إنما بصوت خفيض يحترم متعة السماع، وأنا أفكّر في تلك الرقبة العريضة البضّة، لا شك في أنها التفسير الوحيد لروعة الصوت.

أغمَضَت وردة «العيون السود» للمرة الأخيرة...

ظننت أنني، حينما كتبتُ العبارة على صفحتي على «فايسبوك»، أعبّر عن حنين من نوع لا يعني سواي، لتُثبت لي نَقَرات الـ «لايك» والتعليقات المتوالية أنني وطأت وطناً. وكل جملة كتبتها على الصفحة، ليلة أعلن خبر وفاة وردة، سرعان ما استُكملت أنشودتها جماعة. رحنا نكملها، أنا وعشرات الأصدقاء، غناء مكتوباً، موزّعاً بانتظام كورالي مذهل في خانات الـ «كومينت» والـ «ستاتوس» التي استقبلت سطوراً مكتومة الموسيقى وأيقونات «يوتيوب» كرذاذ لطيف منعش وحزين في آن واحد. حِداد إلكتروني، احتفالية افتراضية، وحقيقية.

«حبيبي صحيح بنتواعد، ونتقابل، ونتكلّم لُقا بطولو... كلام يمكن ما لوش معنى، ما هوش من القلب، لكن برضو بنقولو...».
كتبتُ تسليمة «أكدب عليك» وفي بالي رسالة بعينها من صديقي الأعزّ، وصلتني بالبريد الإلكتروني قبل سبع سنوات، عندما كنت أدرس في لندن. أسمعُ الآن وردة - قال في رسالته - إسمعي، بشرفك إسمعي، ها أنا أعيد المقطع وأعيده، أسمع الأغنية يومياً منذ أيام... أمعقولة هذه الجملة؟ واكتشفتُ في أمسية «الوداع» أخيراً، ومجدداً، كم أنها غير معقولة، ومعي «أصدقاء» نصفهم لا أعرفه شخصياً، لكننا تقاسمنا بأريحية لوعات وقصصاً وحكايات عن أحبّة، على وقع وردة. رحيلها مناسبة لفتح عُلب ظننّاها منسية، في بطون الأذهان. مجرد مناسبة. لكن مثل هذه الأغاني حيّة، ما دامت العلب سليمة. أما الاكتشاف، بل البداهة العائدة، ففي أن وردة، كما فيروز وأم كلثوم وعبدالحليم...، أرشيف شخصي وعام، فردي وجماعي. وتكرّ مكنونات الصناديق الصغيرة...

في أُذُن الحب الأول، ذي الشعر البني المخوتم والسن الأمامية المعوجة قليلاً فقط لتطيّر عقلي، كانت عِرَبٌ جديدة تطفو بـ «قدّ اللي فات من عمري بحبك، وقد اللي جاي من عمري بحبك... وشوووف قدّ إيه بحبّك». الأرجح أنها لم تكن عِرَباً، لكن الفوز بالابتسامة القصوى كان مضموناً، والقلب في الصدر يتكوّر... كيف تُسرمد الأغاني لحظات مفصّلة على مقاسات الناس؟ كيف يحلّون معاً في ترنيمة واحدة، وكلٌّ في كَونٍ له وحده؟

أظنها «حكايتي مع الزمان» التي جعلت أمي تبكي، ذات مساء، فيما تسكب وردة على قبّة مايكروفون بِسِلك «ضحّيت بعمري معاه... مشوار اسمه حياة... لا عتاب ح يشفي جراح... ولا ح يجيب اللي راح». رشدي أباظة ومعه طفلة بفستان أصفر قصير، خلف ستارة الكواليس، يدمع على بوح المظلومة. ألوان الفيلم فاقعة، ككل أفلام السبعينات التي أعادها لنا التلفزيون بعد عقد أو أكثر، وكان لا يزال ضخماً، لا يقلّ عمقه عن متر، وفي شاشته استدارة. كأني، بفطرة ما، عرفت أن عليّ غضّ البصر. أن أمنح أمي لحظتها. هكذا، علّقتُ مراهقتي على نقطة وهمية في وسط التلفزيون، وجمدتُ معها. ورغم أني لم أعرف سبباً لتلك الدموع، فقد عرفت أمي للمرة الأولى، كامرأة...

لن نقول وداعا ...بل إلى اللقاء

ليلة قيل إن وردة رحلت، رقصت أجهزة الكومبيوتر كالمصابة بمسٍّ، بشجن. ها هو الكاتب الصديق هاني درويش يشاطرني دواري من خلف شاشته في القاهرة:

- أتسمع صوتها يا هاني؟ كتلة رنين متراصّ، كثلج العيد، كالسكّر الأثيري الناعم يُرشّ على الحلوى...

- كابتسامة مجاملة، أو حينما ترتاح اليد بعد تشنج طويل على شنطة ثقيلة، كقُبلة خجلى ومفاجئة لشخص تمنيته في شكل عابر...

- كأول مرة تفكّر في شخص زيادة شوية، وقبل أن تدرك أنك تحبّه... كالخسارة التي ما توقعتها في حياتك، وتأخذك إلى مساحة أشبه بالشِّعر منها بالحزن.

وسكتنا عن الكتابة، نسمع، كلٌُ في غرفته وبلده... وردتي، وردتنا.

 

 

رشا الأطرش
حقوق النشر: الحياة اللندنية 2012

اقرأ أيضًا: موضوعات متعلقة من موقع قنطرة
اطبع المقال
أرسل المقال إلى صديق
إضافة تعليق
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : وداعًا وردة الطرب العربي…وردتي... وردتنا

الوداع كلمه قليله على اخر العملاقه من النجوم الكبار مثل أميرة الطرب العربي وردة الجزائرية.. دائما ستظلى قى القلب ودائما سوف اترحم عليك بقدر مامتعتينا على طول هذه السنين .. الله يرحمك ياورده العمر

هبة عاشقة وردة 21.05.2012 | 21:19 Uhr

وردة ... أحضنوا الأيام " يعوض الله يا وردة، عندما أسمع صوتك أنسى الحاضر المرير واحلم بمستقبل أفضل. وردة اكثر الأصوات صدقا وبليغ اعظم ملحن عربي في القرن العشرين رحمهما الله.

علياء المصري 21.05.2012 | 21:22 Uhr

مقال رائع و إن كان كلام الدنيا كله و دموع الدنيا كلها لن توفي وردة قطرة من حقها ........... خسارتنا فادحة

عمر جلال24.05.2012 | 13:22 Uhr

وردة الأسطورة وآخر عملاقة من عمالقة الطرب العربي الأصيل ....ولدت في فرنسا وترعرت في لبنان وطن الأم وإحتظنتها مصر أم الدنيا، لكن كانت أكثر جزائرية منا رغم بعدها عن الوطن الحبيب. وداعا يا أحلى وردة الجزائر و العرب .

اللهم إرحمها برحمتك الواسعة وأغفرلها وأسكنها في جناتك..

ريان السعودي30.06.2012 | 00:27 Uhr

بحبها اوى بدوب فى صوتها معجزة والحان بليغ كانت بتزيدها جمال طول عمرى احب اسمعها موت الانسان بجسدة لكن اعاملة باقية نسال اللة لهاالمغفرة بحق ما اسعدت ملايين: هالاغنيه كتبها بليغ حمدي الملحن المعروف و زوجها السابق وهو في غربته في الخارج

منصور  الشادي 30.06.2012 | 00:29 Uhr

تأثرت الفقيدة وردة بالانتقادات التي وجهها لها بعض الفنانين العرب مؤخراً، ورداً على ذلك صرّحت وردة الجزائرية بتحدٍّ كبير بأنها لن تتوقف عن الغناء ما دامت قادرة على العطاء حتى لو اضطرها الأمر إلى الغناء دون مقابل. وأضافت في تصريحات غاضبة أنها ستظل تغنّي إلى أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، مشددة على أن انتقادات البعض لها لن تؤثر عليها وتجعلها تتوقف عن مسيرتها الفنية، بالإضافة إلى أن الغناء بالنسبة لها هو الحياة، وأن الجمهور بالنسبة لها هو الهواء الذي تتنفسه وتعيش بفضله"، على حد قولها.

وأوضحت أن جمهورها ما زال يستمتع بغنائها وصوتها الذي طالما أسعدت به الملايين في الوطن العربي، وأنها تكون في قمة سعادتها عندما تشعر بقدرها عند محبيها ومدى تمسّك جمهورها بها وبصوتها.

الفقيدة وردة لاحقتها في المدة الأخيرة عدة شائعات مرتبطة بالاعتزال، وعلاقة ذلك بارتدائها الحجاب، فأوضحت أنها أحياناً ترتدي "كاب" أو "إيشارب" عند خروجها، وهذا ليس بشكل دائم بل في أوقات نادرة جداً كنوع من التغيير، لافتة إلى أنه لا يوجد ارتباط بين ارتداء الحجاب والاعتزال.

على على 07.07.2012 | 22:42 Uhr

نعم يا وردة الحاضر والمستقبل والغد وما بعده، يا من أحب الجمال وأسمعنى اياه. اذا كان الله جميلا يحب الجمال، فأنا مفتون بجمال صوتك. في زمن الفنون البلاستيكية واللافنون تبقة وردة رفيقة الحس الجميل والمذاق غير المريض.

علياء راضي 09.07.2012 | 13:09 Uhr

أشممت عطري - هبة القواس

أشممت عطري حين قلت تحبني
كيف تفتحت اكمام الورد على جسدي
ايقضتني عيناك في الحلم رفة جناحين
أعانقك وأنت في الغفوة ترنو
ولا أرتوي من ضمة العمر
سبيلي إليك
مياه تزهر من صحراء العمر
رعشتنا انخدرو
ولا أصحو من نشوة القبل
أشممت عطري حين قلت تحبني

http://www.youtube.com/watch?v=MEUowjYSh4Y&feature=related

هبة القواس القواس 13.07.2012 | 23:17 Uhr

مهما عاش الانسان سيصبح ذكرى في دفاتر النسيان، الا اذا ترك لحظات خالدة مثب وردة، زمان كنا بنحب ورده وأغنيها من غير من نسأل هي منين الله يرحمها. ويرحم الزمن الجميل.

حلمي محفوظ29.10.2013 | 16:17 Uhr

مةكةوووووووووووووووووووووو

ALYASMINE4@HOTM...10.12.2013 | 15:51 Uhr

الصفحات