انتخابات الجزائر الرئاسية 2014 وترشيح بوتفليقة لولاية رابعة

"مهزلة سياسية من صنيعة الدولة العميقة الجزائرية"

أشارت جميع التوقعات إلى فوز رئيس الجزائر عبد العزيز بوتفليقة بانتخابات الرئاسة 2014 لولاية رابعة. لكن في المقابل باتت تتكون في الجزائر مقاومة سياسية ضد حالة الجمود في البلاد وضد هذا المصير الذي يكاد يكون حتميا. الصحفي الألماني كيرستن كنيب يسلط الضوء على الوضع في الجزائر قبيل الانتخابات الرئاسية.

ترشَّح عبد العزيز بوتفليقة من جديد لخوض الانتخابات الرئاسية الجزائرية، المقرَّر إجراؤها بتاريخ 17 من شهر نيسان/ أبريل 2014. وإذا لم يعترضه أمر حاسم، فمن الممكن بحسب رأي المراقبين أن ينجح في هذه الانتخابات أيضًا. بوتفليقة الذي تم انتخابه أوَّل مرة في عام 1998 لمنصب الرئيس سيشغل، طبقًا لجميع التوقعات، للمرة الرابعة على التوالي منصب رئاسة الدولة الجزائرية.

 لكن في الواقع تشهد الجزائر قيام معارضة ضدّ إعادة انتخابات الرئيس بوتفليقة؛ ففي الجزائر العاصمة تتظاهر حركة "بركات" ضدّ ترشّح الرئيس من جديد. ويقوم في محيط الجامعة الكثيرون من أتباع هذه الحركة بتوزيع مناشير مكتوب عليها: "لم أطلب منك قَطّ أن تتقدّم لولاية رابعة. وعليه، أطالبك بأن تنسحب من هذه المهزلة السياسية".

"مهزلة سياسية" - لم يتكرَّر سماع هذا الاتِّهام في مرحلة التحضير للانتخابات فقط. إذ يتساءل الجزائريون: لماذا يتقدَّم بوتفليقة الذي يبلغ عمره الآن 77 عامًا ويحكم البلاد منذ عام 1998 مرة أخرى للانتخابات الرئاسية؟ مَنْ الذي قدّمه - ولأي هدف؟ أسئلة لا توجد لها في الجزائر إجابات واضحة، بل مجرَّد تخمينات.

مبدأ الغموض والتعتيم

يعتبر انعدام الشفافية في الجزائر عملاً منظّمًا، بحسب رأي الخبير في الشؤون الجزائرية، خوسيه جرسون في تحليل كتبه لصحيفة أوبسرفاتور دو ماروك: "الغموض والتلاعب يفسِّران لماذا يعدّ اختراق مركز السلطة الجزائرية من الداخل أمرًا في غاية الصعوبة. وفي الوقت نفسه، يضمن الغموض وعمليات التلاعب إفلات رجال النظام من العقاب. نظام قرَّر عدم الكشف عن هويته حتى يتمكَّن بهذه الطريقة من الإفلات من المساءلة القانونية".

وبالإضافة إلى ذلك يرى الخبير خوسيه جرسون أن هذا النظام يتجنَّب على هذا النحو أيضًا تقديم نفسه، للمواطنين الجزائريين المتلهفين للانتقام، على شاكلة الطغاة الذين كانوا في دول الجوار.

احتجاجات حركة "بركات" في الجزائر العاصمة ضدّ ترشّح الرئيس بوتفليقة لولاية رئاسية رابعة.  Foto: FAROUK BATICHE/AFP/Getty Images
احتجاجات حركة "بركات" في الجزائر العاصمة ضدّ ترشّح الرئيس بوتفليقة لولاية رئاسية رابعة. يتهمه خصومه بأنَّه لا يستطيع الحفاظ على السلطة إلاَّ من خلال نظام سياسي فاسد وغير شفاف. وكذلك يتم اتّهامه بأنَّه مجرد دمية في يدّ المخابرات والعسكر أصحاب السلطة الحقيقيين.

لكن في الواقع يظهر حاليًا في نشاطات حركة "بركات" أنَّه لا يتعيَّن على الحكومة أن تخشى من قيام معارضة ذات إرادة وتصمم على نطاق واسع. وذلك لأنَّ نشاطات هذه المجموعة لا تكاد تخرج خارج العاصمة. وعلى كلّ حال، فهي تجد في البلاد بعض المتعاطفين في المدن الجامعية الأخرى. ولكن إذا سألنا عنها في الولايات والأقاليم، فإنَّنا لا نلاحظ الكثير حول هذه الحركة.

وعلى أية حال فإنَّ هذا التحالف (بركات) يثبت وجود "قوة معنوية" انبثقت عن الصراع السياسي، مثلما صرَّح لمجلة جون أفريك عالم الاجتماع ناصر جابي من مركز بحوث الاقتصاد التطبيقي والتنمية (CREAD) في الجزائر العاصمة (حول عدم الخروج للاحتجاج) قائلاً: "هذا أمر نادر في الجزائر التي اعتدنا فيها على الخروج إلى الشارع من أجل تحسين الظروف المعيشية". ويضيف ناصر جابي أنَّ الضرورة تقتضي "عدم بقاء الحركة مقتصرة على الطبقة الوسطى، بل لا بدّ أيضًا من انتشارها لدى الطبقات الدنيا".

 ولكن الحال ليست على هذا النحو. إذ إنَّ الشعب الجزائري يلتزم الهدوء - تماما مثلما بقي ملتزمًا الهدوء إلى حدّ بعيد أثناء الانتفاضات التي اجتاحت العالم العربي. وبعد خروج مظاهرات قليلة في الجزائر العاصمة، هدأت موجة الاحتجاجات في البلاد من جديد.

شراء السِّــلم الاجتماعي

في كتابه الصادر مؤخرًا تحت عنوان "التاريخ السري للجزائر المستقلة"، يذكر الصحفي محمد سيفاوي عدة أسباب لهذا الهدوء ولضبط النفس. أولاَّ: لم يرغب الجزائريون بعد تجربتهم المؤلمة خلال الحرب الأهلية التي اشتعلت منذ عام 1992 إلى عام 2002، في المخاطرة بما يمكن أن يعرِّض الاستقرار في البلاد مرة أخرى للخطر. ثانيًا: تملك الحكومة ثروة كبيرة من عائدات النفط. وعندما تجد الحكومة أنَّ هناك ضرورة، تقوم باستخدام هذه الثروة أيضًا، من أجل إخماد الاحتجاجات في مهدها، وذلك من خلال تقديم المساعدات المالية. ويقول سيفاوي: "يقوم النظام بتوزيع المال من دون أية خطة اقتصادية، بغية شراء السِّلْم الاجتماعي".

 مسيرة احتجاجية نظمها العاطلون عن العمل في ولاية ورقلة الجزائرية. Foto: Saiza Souci ‎
شباب من دون آفاق مستقبلية - احتجاجات الشباب العاطلين عن العمل في مدينة ورقلة الجزائرية. على الرغم من ثروة البلاد الهائلة من احتياطيات الغاز والنفط، إلاَّ أنَّ بوتفليقة لم يتمكَّن أبدًا من معالجة المشكلات الاجتماعية في البلاد من خلال أعوانه السياسيين، مثل الفقر المتفشي لدى الفئات ذات الدخل المنخفض وكذلك ارتفاع مستوى البطالة لدى الشباب.

ثالثًا: لا توجد - بحسب رأيه - معارضة تستحق الذكر في الجزائر. يقول سيفاوي: "لقد خلق النظام فراغًا من حوله، وذلك من خلال شرائه البعض وتصديه للآخرين". ويضيف أنَّ المعارضة تسير بشكل منتظم في حلقة مفرغة؛ فقد تم إخضاع جميع القوى الأخرى من خلال المحاباة والمحسوبية.

 ولم تعد قيادة الدولة الجزائرية تعتمد على العنف تقريبًا، بحسب رأي الخبير السياسي، الأستاذ في جامعة ماربورغ الألمانية، رشيد عيسى: "الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، التي كانت شائعة في السبعينيات، لم تعد موجودة مثل السابق". وفي الواقع، كان من الممكن أن تكون الجزائر مستعدة لمناقشة بعض المبادئ السياسية مثل التغيير الديمقراطي وشرعية هياكل الحكم. "ولكن لا يحدث أي شيء من ذلك. إذ تم تدمير الأحزاب الكبيرة. وكذلك تم تهميش المشهد السياسي وجعله تافهًا"، وفق قول رشيد عيسى.

الخوف من جيل الشباب

لم يعد النظام معنيًا، كما يكتب سيفاوي، إلاَّ بعدم التخلي عن السلطة السياسية والاقتصادية. لقد شكَّل هذا المنطق السياسة الجزائرية في عهد الرئيس بوتفليقة. إذ تجلى المقصود بذلك أثناء زيارة وزيرة الخارجية الأمريكي، جون كيري إلى الجزائر في الـ4 من نيسان/ أبريل 2014 - قبل أسبوعين فقط من الانتخابات الرئاسية الجزائرية.

 لقد أثار هذا غضب السياسيين الذين ترشّحوا هم أيضًا لأعلى منصب في الدولة. وشعروا بالظلم من خلال زيارة جون كيري. كما أشاروا إلى أنَّ زيارة كيري لم تساعد سوى الرئيس وحده، ولكنها لم تساعدهم. وبذلك فقد تبنوا سلوكاً محددا، مثلما ورد في تعليق لصحيفة "كوتيديان دوران"، اتَّهموا وفقه بوتفليقة بقولهم: "هكذا هي الحال مع السياسة في بلد لا تدافع كوادره الفاعلة عن استقلالية بلدهم واكتفائه الذاتي، بل عن استقلالية أبناء العشيرة أو أصحاب المصالح الذين ينتمون إليهم".

يكتب سيفاوي أنَّه يتعيَّن على النظام أن يخشى من أمر واحد فقط: من تمرّد الجزائريين الشباب. ولكن مع ذلك لا توجد في الوقت الراهن سوى القليل من الأدلة التي تشير إلى احتمال حدوث ذلك. ويقول رشيد عيسى إنَّ هناك شرائح كبيرة من أبناء الطبقة الوسطى تستفيدت من المساعدات التي يقدّمها النظام. ولهذا السبب فهم يؤيّدونه.

ويضيف أنَّ الفقراء في المقابل يقبلون بالنظام. ولكن في حال حصول الشباب على بعض المال، فعندئذ يعرفون تمام المعرفة، بحسب قول رشيد عيسى، كيف يستثمرون هذا المال - ونظرًا إلى كميات مياه البحر الأبيض المتوسط المرئية التي تفصل بينهم وبين الحياة التي يتوقون إليها في أوروبا: "فهم يقومون بشراء قارب مطاطي".

 

 

كيرستن كنيب

ترجمة: رائد الباش

تحرير: علي المخلافي

حقوق النشر: دويتشه فيله/ قنطرة 2014

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : "مهزلة سياسية من صنيعة الدولة العميقة الجزائرية"

قمة الإحترافية هي في استعانة وسيلة اعلامية عربية (كمثلكم) على شهادة ألماني دون أن تتكرمو بنزر يسير من المجهود و ان تشرفونا في الجزائر بالقيام بعمل صحفي احترافي يغنيكم عن الأخذ من أناس لا صلة لنا بهم و لا نشاركهم لا اللغة و لا الدين و لا المصير..يعني ألماني يجتهد في موضوع هو في صلب الإهتمام العروبي الإسلامي ثم لتأتي وسيلة اعلامية اسلامية لتأخذ منه دونما عناء..قمة الإحترافية..هنيئا لكم.

غازي حيدوسي15.04.2014 | 12:02 Uhr

انتم في الجزائر السابقون ونحن في مصر بكم لاحقون .. انتم جربتم الرئيس ثلاث ولايات سابقة . اما نحن فنعرف من هو الرئيس من قبل فتح باب الترشيح .. ولكن الاكيد ان المؤسسة العسكرية لازالت تحكم منذ 1952 وحتي الان . رئيس يبشرنا بعودة الناصرية وهزيمة 1967 اشهر نتائجها .. رئيس يبشر الشعب بالتضحية بجيلين من اجل الاستقرار . كان التضحيات من 1952 حتي الان لم تكفي سفاكي الدماء . رئيس يبشرنا بعودة الجمهورية الاولي ..كأن البلاد تسير الي الخلف ..مصاصي دماء الشعوب مازالوا عطشي للدماء .. وعلي الشعوب ان تبذل الدماء من اجل حريتها .. وانا لله وانا الية راجعون .

طارق حسين 26.04.2014 | 15:17 Uhr