إئتلاف شباب الثورة...من ''ميدان التحرير'' إلي تحدي بناء تحالف حزبي مدني

إئتلاف شباب الثورة كان التنظيم المتحدث بإسم الثورة في مرحلة الميدان، لكنه تعرض فيما بعد لحملة إقصاء مصحوبة بالتخوين من فصائل أخري. هاني درويش حاور زياد العليمي، أحد أعضاؤه البارزين، في القاهرة حول مستقبل الإئتلاف في هذه المرحلة الحاسمة في تاريخ مصر.



بعد خمسة أشهر من الثورة المصرية، التي وصفت بثورة شباب 25 يناير، يتواصل الجدل حول تمثيل الشباب في عملية الإنتقال الديمقراطي، بين ضمير حركة سياسية تلعب فيها القوي التقليدية دورا مركزيا، ممثلة في المجلس العسكري وجماعة الإخوان المسلمين، وبين شباب صنعوا الثورة ولم يظهر تمثيلهم بشكل جيد في خريطة الأحزاب الجديدة في مصر ما بعد مبارك. دويتشه فيله حاورت زياد العليمي، أحد أعضاؤه البارزين، في القاهرة حول تاريخ ومستقبل الإئتلاف في هذه اللحظة الحاسمة في تاريخ مصر.

ماهي الخلفية التاريخية للإئتلاف قبل يوم 25 يناير، وكيف جرت تسميته؟

زياد العليمي: يتكون إئتلاف شباب الثورة من خمسة فصائل شبابية هي: حملة دعم البرادعي، وحركة 6 أبريل، وشباب العدالة والحرية، وشباب حزب الجبهة الديمقراطية، وشباب جماعة الإخوان المسلمين. وقد عملت المجموعات الخمس مع بعضها البعض منذ عام، يجمعها الميل إلي التمرد علي الأطر التقليدية لأحزابهم الأيدولوجية. وإستقلت الحملة التي تضم 15 ألف شاب عن الرعاية المباشرة للبرادعي، ثم بنينا تنظيما أقرب للسرية وفقا للأدبيات اليسارية، وتمثلت كل مجموعة في التنسيق لتظاهرات مثل "كلنا خالد سعيد" بممثل واحد، وجربنا تكنيكات جديدة مع إنتشار المجموعات الأربع فيما يزيد عن 16 محافظة، فخبرة التظاهرة المتزامنة التي طبقناها في الثورة كنا قد جربناها من قبل، مثلا نظمنا يوما للغضب في شهر نوفمبر تضامنا مع الكنائس، وختمنا تجريب هذا التكنيك بتظاهرة متزامنة بعد حادثة القديسين في الأسكندرية.

كيف كان التنسيق ليوم الغضب، الذي تحول إلي ثورة 25 يناير كما بات يعرف؟

زياد العليمي: دعا إلي يوم الغضب عبد الرحمن منصور وهو "الأدمن" الحقيقي لصفحة "كلنا خالد سعيد"، ومعه وائل غنيم مسؤلا عن التسويق، كما أن نادين المقيمة في أمريكا كانت "أدمن" إحتياطي في حال الهجوم علي الحساب أو إغلاقه في مصر. إجتمعت أربع مجموعات قبل أسبوع من يوم الغضب (بدون شباب الإخوان) لترتيب خرائط التظاهرات، علي أن يتم الإعلان عن تفاصيل التنسيق عبر صفحة خالد سعيد، وقبل يوم من الأحداث انضم شباب الإخوان بتمثيل مكون من 200 عنصر، أعلنوا عن 20 مظاهرة في 16 محافظة وفي القاهرة أعلنوا عن مظاهرات عند مسجد مصطفي محمود، وأخري عند لاظوغلي بهدف تمويه الأمن، وأخري من شارع شبرا، والأخيرة في العباسية، وكانت هناك تظاهرتان سريتان مفاجئتان، واحدة من عباس العقاد في مدينة نصر، والأخري من ناهيا في الجيزة.

متي ظهرت تسمية الإئتلاف طبقا للأحداث؟

زياد العليمي: تسمية الإئتلاف ظهرت في يوم 3 فبراير. نحن لم نكن نتخيل أنه في نهاية يوم 25 يناير سيكون لدينا 25 ألف متظاهر في ميدان التحرير مساءا. لقد إلتقت تظاهرات اليوم الأول وظهر أن ثمة شيئ مختلف هذه المرة. كنا نجتمع في هذا اليوم كل ساعة لبحث التطورات، حتي في إجتماعنا الصباحي يوم 26 يناير كنا قد اتخذنا قرارا بالتوقف، لكننا فوجئنا اثناء الإجتماع بتجدد المظاهرات في أماكن كثيرة، كما أتت الأخبار من السويس والمحلة والمنصورة عبر شبابنا هناك تفيد بأن الأمر يتطور، ثم جاء خطاب جمعة الغضب الأولي للرئيس المخلوع يبحث عن من يتفاوض معهم. كنا حتي هذه اللحظة قيادة مختفية للأحداث، ثم إتخذنا القرار بالظهور في مؤتمر صحفي رافعين شعار لا تراجع قبل رحيل مبارك، ورفضنا التفاوض، والتسمية جاءت أولا ائتلاف شباب ثورة الغضب إنطلاقا من تسمية جمعة الغضب، لكن بعض السياسيين نصحونا بتغيير الإسم إلي إئتلاف شباب ثورة 25 يناير.

الإختلاف الأيدولوجي، إخوان، ليبراليون، يسار ومستقلون، كيف لم يؤثر علي تناغم القرار الإنتحاري بعدم التراجع إلا بعد رحيل مبارك؟

زياد العليمي: شكلنا مكتب تنفيذي يضم 2 من كل مجموعة، وقواعد الإحتكام للقرار كانت ديمقراطية، أضف إلى ذلك أن المجموعة أصلا تعرف بعضها البعض جيدا، والثقة بين أعضاءها أكبر من الفواصل الأيدولوجية. لقد أدركنا في لحظة أن التراجع للخلف سيعني إعدامنا جميعا، فهذه هي المرة الأولي التي ستوجه تهمة "قلب نظام الحكم" علي من سعوا فعليا إلى قلب نظام الحكم. لم يكن أمامنا بدائل أخري، لذا عندما تسلمت الإتصال الأول من مكتب عمر سليمان ودعوته للحوار كانت البوصلة في الميدان تقول لا تفاوض، لم نكن حتي نملك شجاعة الإنسحاب أمام ثورية الشارع.

أما المجموعة التي ذهبت للقاء عمر سليمان فلم تكن مجموعة ممثلة لشيئ في الميدان، بل إنهم أصلا لم ينزلوا الميدان ولهم علاقة طويلة مع أجهزة الجيش، لذلك لم يكونوا قادرين لا علي حل ولا ربط الميدان. إدارة الميدان بنيت علي الثقة في وجودنا الدائم. لنا خيمة معروفة، وعندما نبادر بالحركة كمجموعة بقرار ما كان الآلاف يتبنونه.

البعض يري أن مهمة الإئتلاف قد إنتهت بنهاية الـ 18 يوم، كيف استمر الإئتلاف من بعد قرار تنحي مبارك وحتي الآن؟

زياد العليمي: كنت من اعضاء الإئتلاف، الذين فكروا في ثاني يوم لتنحي مبارك في ضرورة حله، وعودة أعضاؤه للعمل في منظومات أوسع، لكن من خلال النقاش اكتشفنا أن أهداف الثورة السبعة، التي أعلنها لم ينفذ منها إلا إزاحة مبارك فقررنا الإستمرار، خاصة وأن جسد الإئتلاف نفسه ضم شباب من أحزاب المعارضة كالوفد والتجمع وشباب مستقلين، وما أشيع عن خلاف مع مجموعة 6 أبريل هو خلاف داخل 6 أبريل نفسها، كما أن ممثلي الحركة لدينا وكتلتهم التمثيلية أكبر من المجموعة التي أخذت قرارا بالتحول إلي منظمة أهلية.

ورغم أنني أحد الوكلاء المؤسسين للحزب المصري الديمقراطي الإجتماعي، إلا أن علاقتي بالإئتلاف مستمرة، فالفكرة الجماعية التي تأسس عليها الإئتلاف هي الوحيدة القادرة علي دفع أحزاب لتكوين كتلة مدنية ليبرالية ويسارية في مواجهة تحالف أو تنسيق الإخوان مع الجيش.

نحن الآن نكتب مبادراة لخريطة طريق للمرحلة الإنتقالية تتضمن كتابة الدستور ثم الإنتخابات الرئاسية وبعدها البرلمانية، وقد أقر بها أربعة من خمسة مرشحين رئاسيين وهم البرادعي ، عمرو موسي، هشام بسطاويسي، وعبد المنعم أبو الفتوح. كما نسعي في إطار نفس المبادرة إلى جمع الأحزاب الوطنية المدنية، وبالفعل ثمة تحالف الآن بين أحزاب الجبهة والمصريون الأحرار والديمقراطي الإجتماعي والوفد عبر مبادرة شباب الإئتلاف.

يتحكم في المشهد السياسي الآن قوي تقليدية محافظة (الجيش والإخوان) مستندين علي حس شعبي رافض لتسمية الثورة بثورة الشباب. كيف تواجهون الميل لإقصائكم من المشهد؟

زياد العليمي: لقد بدأ الأمر بالترغيب، فبعد أن قدمنا عصام شرف إقتراحا وحيدا لنا كرئيس وزراء، قام الرجل بعرض منصب نائب وزير الشباب علي. لكن تمثيلنا الحقيقي هو الشارع فنحن فضلنا من البداية عدم الإنفصال عنه، لقد بنينا تلك الثقة إنطلاقا من تمثيلنا لعدم الرضا العام عن إدارة المرحلة الإنتقالية. لقد أوقفنا التعامل والإجتماع بالمجلس العسكري حتي من قبل حادثة فض إعتصام الميدان يوم 9 مارس، ولاحظنا من الإجتماع الأول مع المجلس العسكري أن الجلسة للتصوير لا أكثر، وما يدعي أنه تمثيل للشباب من إئتلافات أخري هي إما تابعة للإخوان أو صنيعة لبقايا النظام، خاصة وأن معظمها حاول إختطاف ما فعلناه بالظهور بعد رحيل مبارك، وبدأ من دعوتنا المنفردة في يوم 1 أبريل والتي رفض الجميع النزول فيها، ثم نزل بالفعل نصف مليون، عرف الجميع يومها من أين يأتي تمثيل إئتلاف شباب الثورة.

رغم ذلك لم ينجو الإئتلاف من إنتقاد وتخوين بعض الشباب الداعي كل مرة للإعتصام والمبيت في الميدان. كيف تديرون العلاقة مع الذراع الفوضاوي من جمهور الإعتصام؟

زياد العليمي: المهاجم الحقيقي والداعي لتصفيتنا هو المجلس العسكري، وللأسف يتقاطع مع ذلك الحس التخويني من زملاء في الميدان. الأزمة تكمن في أن الداعين للصدام مع الجيش يسرعون إختيار الصدام الذي لابد أن يكون بلا بديل. نحن مسؤلون عن أي موت يحصل في الميدان بعد سقوط مبارك، وهذا الضغط الإتهامي جعلني أعيد التفكير في ضرورة حل الإئتلاف. من يقرر البقاء في الميدان عليه التفكير في حماية نفسه من المذبحة، لا الذهاب إليها منفردا، لقد إحتمي الميدان عندما كانت فيه كتلة قادرة علي حمايته، وأي إعتصام غير إجماعي نشارك فيه كأشخاص ونحن نعلم كيف سينتهي بصدام.

كيف تري عدم إعتراف الإخوان بمثليهم في الإئتلاف بعد جمعة الغضب الثانية؟

زياد العليمي: شباب الإخوان إستمدوا شرعيته من الإئتلاف والثورة لا من موقعهم في الجماعة، والجماعة نفسها صدمت بعنف من حجم القوي المدنية التي أظهرتها الجمعة الماضية، آن الآوان لوحدة القوي المدنية، الإخوان إختاروا وحفروا متاريسهم مع الجيش للأبد، والإئتلاف حاليا يقود هذا التصور. وسيذوب الإئتلاف بمجرد تكوين قيادة موحدة للقوي المدنية، الخمسة مرشحين رئاسيين والأحزاب التي افرزتها الثورة إذا اجتمعت سيكون الإئتلاف قد حقق أهدافه.

أجري المقابلة هاني درويش
مراجعة: لؤي المدهون
حقوق النشر: دويتشه فيله 2011