تونس ما بعد ثورة الياسمين بعيون ليبية

زائر تونس العاصمة بعد ثورة الياسمين يلاحظ تغييرات دراماتيكية وتبدّلا كبيرا في مزاج التونسيين. أما أن يكون الزائر ليبيَّا، فإن مذاق مشاهد تونس ما بعد الثورة تبدو أكثر إثارة، ذلك ما يرصده الكاتب الليبي مصطفى فيتوري في مقاله التالي.



آخر مرة زرت فيها تونس، أيام الحكم السابق، كانت في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2010، يومها حللت بتونس للمرة الثالثة على التوالي في غضون عام لأشارك في ندوة علمية حول المغرب العربي وأوربا، وكان الحضور لفيفا من الباحثين من دول المغرب العربي وعدد من الدبلوماسيين على رأسهم سفير الإتحاد الاوروبي في تونس الدي تربطني به صداقة مند ان تولى مسؤولية المفاوضات بين ليبيا والإتحاد الأوروبي. الا ان اكثر الحضور بروزا كان الرئيس المخلوع زيد العابدين بن علي الذي لم يكن موجودا ولكن صورته بالبدلة السوداء "السموكن" كانت ضخمة تتوسط المنصة بحيث لا يمكن تفاديها، وكان المصورون يتحيلون التقاط صور للمشاركين لي لايظهر فيها زين العابدين بن علي كخلفية للصورة!

في تونس الثورة حضرت ندوتين خلال شهر أبريل/نيسان ومايو/أيار الماضيين وكان الحضور نفسه تقريبا الا ان الرئيس اختفى من المشهد، كما اختفت كل صوره بعد أن كانت تحتل الشوارع و الميادين العامة، وتتوسط منصات المؤتمرات ولازلت اذكر أن شباك غرفتي في فندق البلفدير بشارع الولايات المتحدة في العاصمة، وما ان أفتحه حتى تقع عيناي على بورتريه ضخم للرئيس المخلوع بنفس البدلة تقريبا على البناية المقابلة وهي ذات الصورة التي كانت تقابلك وبأحجام مختلفة في مطار العاصمة وفي ردهات الإنتظار في البنوك وفي بعض المطاعم وحتى المقاهي الشعبية. كان حضور الرئيس طاغيا ولا مناص من ان تراه عدة مرات في اليوم. أما في تونس الثورة فان جهود القطيعة مع عهد الزين وكنس بقاياه من الذاكرة الجماعية لا تتوقف وتأخذ اشكالا مختلفة.
 

جرافيتي تدون شعارات الثورة

فساحة "السابع من نوفمبر" وهو تاريخ وصول الرئيس المخلوع الي الرئاسة قبل ثلاثة وعشرين عاما ـ فيما بات يٌعرف بالإنقلاب الصحي ــ وحتى مطلع شهر مايو الماضي كانت محل جدل خفي بين طرفين حول اعادة تسميتها: الاول عفوي كعفوية الثورة التونسية، فعبرعن عفويته بأن كتب بالجرافيتي على قاعدة الساعة المنتصبة وسط الساحة "ساحة الشهيد محمد البوعزيزي" تخليدا لمن أشعل شرارة الثورة بجسده. أما الطرف الثاني فبدا أكثر تنظيما فعلق على عمود الإشارة الضوئية لوحة صغيرة كٌتب عليها "ساحة 14 جانفي(يناير)" وفي مساء الرابع من يونيو/حزيران الجاري بدأ ان الرأي قد أستقر علي التسمية الأخيرة حيث شاهدت عمالا ينصبون لوحة جديدة حديثة تحمل الإسم الثاني: ساحة 14 جانفي وهو تاريخ انتصار الثورة وليس تاريخ قيامها ولا يخلو الأمر من مفارقة فالثورات تؤرخ ببدايتها الا ان الحالة التونسية كسرت كل القواعد التقليدية.

الا ان اكبر تغيير متصل بالسلوك العام لاحظته متجليا في الكتابة على الجدران وهي ظاهرة لم يسبق أن رأيتها في العاصمة التونسية حيث جدران الأبنية وخاصة العامة نظيفة ومطلية غالبا. وأشهر ما قرأت في هذا الصدد جملة على جدارمبني مجاور لمبنى وزارة الداخلية تقول "القذافي خطر على الثورة التونسية" وأخرى بالقرب منها تقول "غلطوه" وتعلوها صورة الرئيس المخلوع، وثالثة تقول"ما احلاها تونس من غير بن علي بابا و40 سارق". في حين يعرض بائع صحف متجول صورة فريق كرة قدم أعضاؤه من الزعماء العرب كتب تحتها "الفريق الملكي السعودي".
 

الثورة غيرت مزاج التونسيين

وهذا الجدل حول اسم الساحة ليس الوحيد في تونس التي تشهد جدلا وتغييرا متواصلا في كل شيء بداية من حياة الناس الي الحياة السياسية. الا ان ما تجدر ملاحظته هو التغيير في سلوك وحياة الناس اليومية. وأهم مظاهر التغيير يتجلى في بروز نوع من الحالة الدينية ـ غير المسيسةـ والتي تصب في اطار اعادة تأكيد الهوية للمجتمع التونسي. فمثلا وأثناء كل زياراتي السابقة الى تونس ــ وكان أغلبها يبدأ يوم جمعة وينتهي يوم أحد ــ لا أذكر أنني سمعت صوت آذان صلاة الجمعة قويا مثلما لاحظته هذه المرة بل مرات عديدة في اليوم عند كلا موعد صلاة. اما الجانب الآخر للصورة الدينية فتمثل في ظهورغطاء الرأس للسيدات وخاصة اللواتي تجاوزن العقد الرابع من أعمارهن، وهو ما لم يكن منتشرا سابقا، الا انني لم اجد حتى الآن من يؤيد أي نظام سياسي جديد يستند إلى الدين.

ولأنني استخدم سيارات الأجرة خلال اقامتي في تونس فإنا على اتصال بـ"الرأي العام" عبر أحد أدوات قياسه غير العلمية، الا وهو سائقو سيارات الأجرة(تاكسي) الذين لا يفوقهم الا الحلاق في هذا الصدد. وهنا لاحظت أمرين لم يكونا من سلوك أغلب السائقين، الأول هو التحية الإسلامية "السلام عليكم" اما الثاني فهو السلوك الراقي والمعاملة المحترمة في أغلب الأحوال من قبل سائقي سيارات الأجرة. وبالرغم من مزاجي العصبي أحيانا فلم أشعر حتي اليوم بأي أستفزاز يستدعي غضبي، وهذا تبدل في السلوك والمزاج العام لا يمكن تجاهل دور الثورة فيه. الا ان اكبر تبدُّل في هذا الصدد هو ذاك الذي طرأ على العلاقة بين رجل الأمن ــ الذي يسميه التونسيون الحاكم ــ والمواطن العادي.

قبل الثورة كانت العلاقة بين الإثنين متوترة دائما، ويطبعها الشك المتبادل ويصعب ان ترى حديثا وديا بين الإثنين خاصة عند الإشارات الضوئية، أما الآن فأصبحت العلاقة عادية بل أنني رأيت شرطي يضحك مع مواطن وهنا اتذكر زياراتي السابقة الي تونس خاصة في عقد التسعينيات من القرن الماضي حيث كنت، وبسبب الحظر الجوي على ليبيا، أسلك الطريق البري من رأس أجدير(نقطة عبور حدودية) الي تونس العاصمة في رحلة من الشقاء والتعب. الا ان اكثر تجاربها مرارة كانت دائما مع البوابات الأمنية المنتشرة على طول الطريق ويفوق عددها عدد القرى المنتشرة على جانبي الطريق. ولاتفصل بين نقطة تفتيش وأخرى الا بضع كيلومترات وعند كل نقطة عليك ان تتوقف حيث يتفنن أعوان الأمن في أصطيادك واستفزازك بل ان بعضهم يجبرك على انزال كل حقائبك ويخضعك لتفتيش دقيق خاصة ان ضبطك وانت تقود بسرعة عالية!

أما اليوم فقد قلّت البوابات اللهم الا في بعض تقاطعات الطرق، والأكثر من ذلك هو ان القائمين عليها أكانوا من الامن او الجيش صاروا يبدون أناسا طيبين ويحرصون على راحتك بل ويبادرون الى سؤالك عن احوالك ورحلتك ويعرضون عليك المساعدة.
الا ان هنالك تغييرات سلبية، وهي طبيعية بعد سنين من الكبت الأمني ومع بدء احساس الناس باختفاء كابوس الرقابة الأمنية الصارمة التي كانت سائدة أيام بن علي. ويتمثل ذدلك في تحدي القانون. وأفضل الأمثلة على ذلك هو الحي الدي أقيم فيه في العاصمة حيث انتشرت القمامة في أرجائه وصار الناس لا يتورعون عن رمي القمامة خارج الأمكنة المخصصة لها مما دفع ببلدية المنطقة الى نصب لوحة تعلن منع رمي القمامة في تلك النقطة. ومع هذا تتكدس القمامة عند قاعدة اللوحة!

وهذا السلوك يعكس شعورا بالحرية والرغبة في ممارستها عمليا كما تقول احد الكتابات على أحد الجدران في شارع الحبيب بورقيبة. وتبدو حالة تحدي القانون في اختراق إشارات المرور ومخالفة قوانين السير مثالا صارخا على ذلك، بل وجزءا من الحياة اليومية وهو ما لم يسبق أبدا أن رأيته في تونس وقد علق أحد سائقي الأجرة ذات مرة بالقول "قيدو(سجلوا) على الثورة" بعد ان "حرق"(تجاوز إشارة مرورية)، على رأي اهل البلد ، سائق شاب الإشارة الحمراء!

 

مصطفى الفيتوري، كاتب وأكاديمي ليبي
مراجعة: منصف السليمي
حقةق النشر: دويتشه فيله 2011