بالمختصر الأليم: رحلتي ومشاهداتي من سوريا إلى ألمانيا

كاتب سوري: هذا أقسى ما صدمني في ألمانيا

تعميق الثقافة الإنسانية يجعل الاندماج في منتهى السهولة، كما يرى الكاتب السوري منصور حسنو، معتقدا أن جذور مشكلة اللاجئ النفسية هو جعل ديانته المسطرة التي يقيس بها كل خير وشر، ومتحدثا في المقابل عن لاجئين تعهدت ألمانيا بحمايتهم باعتبارهم هاربين من جحيم الأسد فإذا بهم كل فترة ينزلون إلى دمشق لقضاء العطلة مع أهلهم وربما مع فريق توجيههم المعنوي والسياسي هناك! ويعرض لموقع قنطرة أكثر ما صدمه في ألمانيا.

يحتاج الإنسان إلى أن يستمع إلى عقله في غالب الأحيان ولكن عندما يضج القلب ويضطرب عليك أن تصغي إليه جيدا، كان ذلك عندما أحسست بقرب اعتقالي من قبل المخابرات الجوية عام 1999م ومكوثي في سجن الطاغية الأكبر الأسد الأب وتعرضي لتعذيب شديد لم أعرف معه الليل من النهار، كان تحرر سوريا من هذه العائلة هو هاجسي الأوحد منذ وعي المراهق للحياة، كان كل تفكيرنا نظريا كمعارضين للنظام إلى أن قامت الثورة السورية ، هنا صدق فينا قول الشاعر: السيف أصدق أنباء من الكتب، في حده الحدّ بين الجد واللعب.

من سوء الطالع ، ضجّ قلبي واضطرب مع قيام الثورة ومشاركاتي الأولى في مظاهراتها الأولى في اللاذقية لأعتقل في عام 2012 في عهد الطاغية الأصغر- رغم أنه دمّر أكثر من أبيه الطاغية الأكبر- لأخرج بعدها بتعهد ألاّ أفكر بمغادرة سوريا، وكيف أغادر وأنا الممنوع من الحصول على جواز سفر ومن السفر منذ عام 1999م ؟

العنف ميدان النظام البارع فيه تاريخيا

مع تعقد المشهد السوري والثوري معا، ودخول الثورة في لعبة السلاح والعنف والجماعات الراديكالية والتي يجيد النظام اللعب معها وبها. وكون العنف ميدانه البارع فيه تاريخيا منذ تأسيسه، والمراقبة والملاحقة الأمنية والتجسس على الهاتف، استمعت لقلبي مرة ثالثة حتى لا تكون القاضية، وقررت الهروب في الشهر السادس من عام 2015م بين ليلة وضحاها.

كانت مغامرة لا تنسى أبدا وأهمها لحظة العبور بين آخر حاجز لجيش النظام وبين أول حاجز لقوى الثورة المسلحة، كنت أظنها رحلة من الموت إلى الحياة، وأكثر ما صدمني تلك اللوحات الطرقية: الديمقراطية كفر، العلمانية شرك، الديمقراطية طريق التخلف: هنا وبعد نيتي المكوث في المناطق المحررة لم أستطع تحمّل أصوات الطيران الحربي وهو يقصف حواضن الثورة الشعبية، مكثت مع والدتي بضعة أيام وهي صابرة على البراميل وراجمات الصواريخ على قريتنا وقد قبلت قدمها ويديها مودعا: أمي لا أستطيع البقاء هنا، أنت أقوى مني، لا أعرف كيف تستطيعين النوم على صوت الحوامات والطائرات وأنا الضابط السابق الذي عاش بين الطائرات لا أستطيع النوم! ودّعت أسرتي في رحلة صار كل العالم يعرفها عبر تركيا، بحر أيجة، اليونان، مقدونيا، صربيا، المجر، ألمانيا.

محتجون سوريون على النظام السوري في سوريا DW
يقول الشاعر الألماني يوأخيم سارتوريوس: كنت متحمساً جداً ومعجباً بالربيع العربي وما حمله من عفوية وجدية... لقد خرج الشباب إلى الشارع يدعون إلى حرية التعبير، والمساواة وحرية المرأة ومن أجل حياة أفضل.

اخترت ألمانيا كوني متاثرا ثقافيا بالفلسفة الألمانية وقد شكلت اهتمامي الخاص بعد دراستي الفلسفة عام 2006 وشكلت المثالية الألمانية فهما لدي كونها الأنسب والأقرب لتحديث الشرق وتحديث دينه العام، الإسلام، منطلقا من قراءة هيجل وكانط وهانزغادامير ومدرسة فرانكفورت وإريك فروم.

 "معاملة ألمانية مثالية للوافدين الجدد"

لم تخيب ظنوني المقارنة بين ما قرأته عن ألمانيا في الكتب وبين عظمتها في أرض الواقع، لقد كانت المعاملة مثالية مع الوافدين الجدد، فهل كان القادمون الجدد أهلا لهذه المثالية وراغبين في الحفاظ عليها؟

وهل الشعب الألماني كان على نفس المستوى من الرغبة في فتح قلبه أمام الهاربين من ويلات الحرب والموت أم ثمة استثناءات ومعكرات؟

ترغب هذه السردية الذاتية القفز من الحديث عن مملكة الخوف (سوريا) كونها لن تقدم جديدا عن نظام يعرفه القاصي والداني، بقدر ما يهمني الحديث عن مشاهداتي وملاحظاتي على ولاية شمال الراين ويستفاليا ومدنها المحيطة بها من كولونيا إلى دوسلدورف، فوبرتال، بوخوم، آخن، دورتموند، فيلبرت، إيسن ... وغيرها من البلدات والقرى والتي يعيش بها قومي من أهل سوريا من طلاب اللجوء.

"الصدمة الأولى...كفر بالديمقراطية"

الصدمة الأولى والأقسى: كنت أظن أنّ العبور من الدولة الديكتاتورية إلى المناطق التي تسيطر عليها القوى التحررية كما كنت أظن فرصة لبداية جديدة في سوريا حرة فإذا حديث كل السوريين في المناطق المحررة عن الإسلام وتطبيق الشريعة والكفر بالديمقراطية فقلت في نفسي: لن أسجلها نقطة لصالح الأسد وثمة خيارات عدة منها الهجرة إلى بلدان تؤمن بالديمقراطية فإذا بي أجد سوريين هنا في بلدان الحرية والديمقراطية، لا يؤمنون بالحرية ولا الديمقراطية، وهم على قلتهم شكلوا صدمة لي كتلك الصدمة الأولى في ادلب عندما قرأت: الديمقراطية طريق التخلف.

اذ يمكنك أن تفهم الكافر والجاهل بالديمقراطية عندما يختار البقاء بحضن الأسد أو حضن داعش أو النصرة، أمّا أن يأتي هاربا من الأسد وداعش والنصرة كما يزعم ثم يعطيك دروسا في ضلالة أوروبا وبعدها عن هدي الله وشرعه فهذا أمر جد خطير.

هذه الصدمة ووجود عينات لا أستطيع الجزم بندرتها ولا بكثرتها جعلتني أحتك بالقادمين الجدد مثلي وأسمع إليهم وأفهم مشكلاتهم، مستفيدا من قراءاتي الفلسفية والنفسية الفرويدية والفرومية، لأجزم أنّ الشخصية اللاجئة بالعموم تعاني مشاكل نفسية جمّة، فكيف إذا عرفنا أنها عاشت وولدت تحت حكم الأنظمة الفاشية؟

"جذور المشكلة النفسية لدى اللاجئ"

جذر المشكلة النفسية لدى اللاجئ المشحون لا ديمقراطيا، هو جعل ديانته ومذهبه المسطرة التي يقيس بها كل خير وشر، وهي مشكلة في التفكير الديني الإسلامي، أن نجعل ما يتوافق مع الإسلام إسلاميا وما يتعارض مع الإسلام جهنميا، ويصبح الإسلام وحده منبع القيم والفضائل وهو الخطأ نفسه الذي ارتكبه المعهد العالمي للفكر الإسلامي يوم طرح شعاره : إسلامية المعرفة.

مجزرة إسلامية للذبح الحلال في فرنسا
شعار المنتج "الحلال" لاقى رواجا كبيرا في العديد من الدول الأوروبية: رغم أن القوانين الألمانية تحظر ذبح الحيوانات وتعتبره أمرا غير مسموح به، إلا أن المحكمة الدستورية الألمانية أصدرت حكماً سمحت بموجبه بذبح الحيوانات على الطريقة الإسلامية ولكن ضمن نطاق ضيق، حيث لا يسمح إلا لأشخاص محددين بمزاولة عملية الذبح. وتحمل منتجات اللحوم في بعض المتاجر الإسلامية ختم "الحلال الأوروبي"، وهو المعهد الذي يمنح شهادة "حلال" للذبائح وذلك لتجنيب المشتري المسلم الغوص في متاهات قد تحرمه من تناول اللحوم التي يحبها. ورغم اختلاف الآراء حول تعريف المنتج "الحلال"، إلا أن هذا الشعار لاقى رواجا كبيرا في العديد من الدول الأوروبية التي يكثر فيها المسلمون. يشكل المسلمون في ألمانيا والقارة الأوروبية قوة شرائية كبيرة، ما دفع المتاجر الكبرى إلى توفير منتجات تحمل علامة "حلال"، حيث توفر نحو مئات الشركات في ألمانيا هذه المنتجات، كما يوجد منها آلاف المنتجات في السوق الأوروبية.

لنأخذ مثالا: الشعب الألماني شعب حيوي حياته في عمله ، يستيقظ باكرا وينام باكرا وربما يرغب في أن تكون حافلة الباص أو عربة القطار هادئة نوعا ما، يصر أخونا اللاجئ على جعل نغمة جواله مرتفعة وبأناشيد دينية ومنها تذكير بميعاد الصلوات بصوت المؤذن، هذا مشهد تكرر أمام عيني عشرات المرات وعندما تسأل صاحبه: لماذا نغمة الأذان رغم أنك لم تصلِّ في القطار؟ يجيبك، ديني هل أخجل منه، هل تريدني أن أخجل من صوت الله أكبر، لماذا هم لا يخجلون من قرع أجراس الكنائس؟

أقول له يا صديقي: أجراس الكنائس في الكنائس وليس في عربات القطار!

رغبة التمظهر الديني في أوساط اللاجئين هي أبرز الملاحظات المثيرة للاهتمام، جذرها رفض لكل قيم الحداثة والديمقراطية والعلمانية، وليس رفض إحدى اللاجئات مصافحة رئيس وزراء السويد إلا قمة الجبل المتصلب لكل قديم الرافض لكل جديد، يمكن لنا أن نتفهم اختلاف الثقافات ورسوخ العادات ولكن ليس إلى الحد المجافي للفطرة والمنطق وروح العصر، يمكن لنا أن نفهم امتناع المسلم عن أكل لحم الخنزير، اعتبر ذلك دينا أو ثقافة أو هوية، لا ضير، لكن أن يسيطر الخنزير على تفكيرك في كل صغيرة وكبيرة تشتريها من المولات والأسواق وتتمظهر في أسئلة ورعية وزهدية لا معنى لها سوى تثبيت التشدد والتنطع فيما لا يلزم من الدين فهذه حماقة!

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : كاتب سوري: هذا أقسى ما صدمني في ألمانيا

هل يمكن الحصول ع المقال باللغة الالمانية ؟

Anonymous12.11.2017 | 12:46 Uhr