دلالات قرار ترامب بالانسحاب من سورية

تحرر العرب من الأوهام الأمريكية بدعم الديمقراطية وحماية الخليج... وتبنّي قضايا الأقليات

الكاتب والباحث برهان غليون: ما سقط في إعلان الانسحاب الأميركي من شرق الفرات ثلاثة أوهام كبيرة، عاش عليها المشرق، وخربت حياته السياسية والإقليمية: وهم دعم واشنطن للديمقراطية العربية، ووهم الحماية الأميركية للخليج وثروته النفطية، ووهم تبنّي واشنطن لقضايا الأقليات القومية والدينية.

يطرح إعلان الرئيس دونالد ترامب عن سحب القوات الأميركية من سورية مسائل عديدة على جميع الأطراف المحلية والإقليمية والدولية، بمقدار ما تمثله الولايات المتحدة من وزن في جميع الساحات، وما يفرضه انسحابها من أي واحدةٍ منها على الأطراف من حتمية إعادة النظر في حساباتها، وربما في مشاريعها الكبرى أيضا، كما هو الحال اليوم بالنسبة لمليشيا حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) ومنظماته التابعة، من إدارة محلية، وقوات حماية الشعب، وقوات سورية الديمقراطية، وغيرها.

وقد تباينت الآراء في أهداف هذا الإعلان وعواقبه أيضا، وفي المقام الأول داخل الإدارة الأميركية نفسها، فاضطر أكثر من مسؤول أميركي إلى تقديم استقالته.

أما على الصعيد الدولي، فقد انتقد الفرنسيون صراحة، باسم الإتحاد الأوروبي، هذه الخطوة التي أبرزت، في ما وراء طابعها الإقليمي، مدى استهتار صاحب القرار في القوة الأعظم في العالم بحلفائه، إلى درجةٍ لم يشعر فيها بالحاجة، ولا بالواجب، لإعلامهم، فما بالك بمشورتهم والتنسيق المسبق معهم.

وعلى المستوى الإقليمي، شعرت حكومات عديدة بالإحباط ذاته. وليس مؤكّداً أن تركيا التي وجدت نفسها مدفوعةً بواشنطن إلى التقدم إلى واجهة الصراعات الإقليمية تشعر بالثقة اليوم أكثر مما لو ضمنت وجود القوة الأميركية التي، وإن اختلفت معها في التكتيكات السياسية، تبقى قاعدة ارتكاز أساسية لسياستها الإقليمية.

على الرغم من كل المخاطر التي يمكن أن تنجم عن هذه الخطوة، وأهمها، كما ذكرت التحليلات السياسية، احتمال عودة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) إلى لعب دور أكبر في سورية والمنطقة، وتنامي حظوظ طهران في تأمين طريقٍ سالك حتى المتوسط، من دون مصاعب تذكر، كما كانت تحلم دائما، وربما شعور نظام الإبادة الجماعية في سورية بأملٍ أكبر في استعادة جزءٍ جديد من الجغرافيا السورية تحت سيطرته، في الجزيرة السورية، إلا أنني أرى في هذا الانسحاب عنصرا تحرّريا، لما يمثله من خطوةٍ على طريق الخلاص من الوهم الكبير الذي تمثله القوة الأميركية العالمية، والرهان المدمر وغير الموثوق، الذي وضعته قوى اجتماعية وقومية كثيرة، وحكومات إقليمية وعالمية أيضا، على هذه القوة لتحقيق أهدافها، أو ما تعتقد أنه مصالحها الأساسية أو المستقبلية.

"الانسحاب الأميركي طعنة عميقة لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي حلم بدولة خاصة به في شمال سورية وشرقها"

(1)

ولو رجعنا إلى نتائج التدخلات العسكرية الأميركية في العقود الثلاثة الأخيرة في المنطقة وجوارها، لرأينا أنها انتهت جميعا بكوارث نموذجية. هذه كانت الحال بالنسبة للتدخل الواسع النطاق في أفغانستان، والذي انتهى بتدمير الدولة والمجتمع الأفغانيين، وظهور حركة طالبان وتجذّرها، وقبل ذلك ولادة منظمة القاعدة على أيدي المجاهدين العرب الذين تُركوا لمصيرهم بين أيدي نظم فاسدة، ولا وطنية، تلقفتهم، واستخدمتهم لتبرير الاحتفاظ بسياسة القبضة الحديدية، وحرمان الشعوب من حقوقها الأساسية في أي نوعٍ من المشاركة السياسية، وقيادتها كما تكرش قطعان الماشية، بالضرب وتسليط كلابها عليها.

وهذه كانت أيضا حال سياسة محاصرة إيران الخمينية واحتوائها، التي جاءت على حساب دول المنطقة واستقرارها عموما، والتي انتهت بتحويل إيران إلى قوة توسع وتمدد وانتقام من جميع دول المنطقة المحيطة بها، وتهديد لأمنها وسلامتها.

وهي كذلك حال مشروع إدارة الرئيس الأسبق، جورج بوش الابن، لإعادة هيكلة الشرق الأوسط الموسع، والذي أدى إلى غزو العراق وتدمير الدولة العراقية وزرع عوامل الحرب الأهلية في مجتمعه، وتقديمه لقمةً سائغةً لولاية الفقيه الإيراني.

وليست الحال أفضل من ذلك في استفراد الولايات المتحدة بالملف الفلسطيني الإسرائيلي، الذي لم يساعد على التقدم خطوة واحدة في التوصل إلى تسويةٍ سياسيةٍ على أساس حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، كما كان قد بشّر به الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، عام 2011، ولكنه شجع تل أبيب على الاستمرار في سياسة التوسع الاستيطاني اليهودي الذي حبس الفلسطينيين ومشروعهم الوطني في سجن كبير اسمه غزة وحكومتها الذاتية، كما تقضي به صفقة القرن المشؤومة، وتكريس القدس عاصمة "أبدية" لإسرائيل.

عودة النظام السوري إلى "حضن العرب" تأتي نتيجة الاخفاق في دعم الثورة السورية: أول الأوهام التي غذّتها الولايات المتحدة كان وهم الوقوف مع الانتفاضة الشعبية، ومعارضة بقاء رأس النظام، إن لم يكن النظام ذاته، عندما طالب الرئيس الأميركي بشار الأسد بالتنحّي ثم لم يتدخل لوقف عمليات القتل الجماعي للثوار السوريين.
عودة النظام السوري إلى "حضن العرب" تأتي نتيجة الاخفاق في دعم الثورة السورية: أول الأوهام التي غذّتها الولايات المتحدة كان وهم الوقوف مع الانتفاضة الشعبية، ومعارضة بقاء رأس النظام، إن لم يكن النظام ذاته، عندما طالب الرئيس الأميركي بشار الأسد بالتنحّي ثم لم يتدخل لوقف عمليات القتل الجماعي للثوار السوريين.

وفي الحالة السورية، كان للأوهام التي غذّتها سياسات واشنطن دور كبير في دفع لاعبين كثر، إن لم يكن كل اللاعبين، إلى الخطأ في حساباتهم، وفي إيصال الأوضاع إلى درجةٍ من التداخل والاختلاط، أدخلت الصراع في تشابكاتٍ وعقدٍ لا يزال من الصعب تفكيكها والخروج منها. وها هي تترك "الملف السوري" الآن، بعد أن قوّضت جميع فرص التوصل إلى حل، وحولت الدولة إلى قلعةٍ تحاصر فيها، بدعم من طهران وروسيا، سلطة عاصية وطبقة/ عصابة، وشتتت المجتمع بين مناطق تسيطر عليها مليشيات أجنبية أو مدعومة من الخارج، ودفعت أبناءه إلى النزوح والبحث عن الأمن والخبز في قارات العالم الخمس.

أول الأوهام التي غذّتها الولايات المتحدة كان وهم الوقوف مع الانتفاضة الشعبية، ومعارضة بقاء رأس النظام، إن لم يكن النظام ذاته، عندما طالب الرئيس الأميركي بشار الأسد بالتنحّي.

هذا المطلب أعطى جمهور الانتفاضة الثقة بأن المجتمع الدولي ينظر ويشاهد ويقف إلى جانبه، ومن الممكن أن يتدخل في الوقت الذي يبالغ فيه الأسد بالإفراط في العنف، فهانت التضحيات عنده، وصارت المسألة بالنسبة له مسألة تحمّل وصبر وتصميم، حتى رمى نفسه قاتلا أو مقتولا في المعركة الدامية. لكن شيئا لم يحصل، والتصريحات الفارغة من المعنى والالتزام أعطت لنظام الأسد وحلفائه، في طهران وموسكو، الذريعة المُثلى لتشويه صورة كفاح السوريين التحرّري والبطولي، وخلطها بما أطلقت عليه المؤامرة الغربية والكونية، ثم المؤامرة الإرهابية، كما سهلت عليه شق صفوف الشارع السوري والعربي معا.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : تحرر العرب من الأوهام الأمريكية بدعم الديمقراطية وحماية الخليج... وتبنّي قضايا الأقليات

العرب بالنسبة لامريكا مثل الخراف او مزرعة الخراف ولكن هذة الخراف تتغذى على الاكاذيب الامريكية وفضلات العالم ولضمان الحصول على انتاج وفير يطلقون عليهم كلابهم منهم وهم العسكريين الطغاة والحكام الدكتاتوريين فتصبح المزرعة فى يد الاوباش يرعون كما يشاءون ولدى امريكا الاعلام الذى يوهم هذة الخراف بانهم اسود ويعيشون كالملوك ... وحينما ياتى الدور على الكلاب فيجدون انفسهم على موائد الامريكان ولكن بايدى الخراف الموجهين بالاعلام القذر !
فلم يكن للامريكان اى علاقة بالديموقراطية انما يصنعون الاشياء التى تخدم مصالحهم ويلبسونها قناع الديموقراطية وعلى سبيل المثال الانتخابات فى مصر !!!!! المفروض ان الانتخابات تعنى ديموقراطية ولكن عندما يصنع الامريكان مرشحا واحدا ويتم القضاء على اى مرشح اخر ضدة ويتم ملا صناديق الانتخابات ببطاقات انتخابات للمرشح الامريكى بعدد اضعاف تعداد سكان مصر ويحصل المرشح على 99,999999999% من مجموع الاصوات فهذا لا يعنى الا الديموقراطية الامريكية المزعومة !! ...... منقول عن كتاب ابليس وفن التعريص فى خلق الرئيس

Ahmed Saleh08.01.2019 | 10:25 Uhr

برهان غليون ترباية البعث! البعثيون يعتبرون حكم الكرد لانفسهم خطرا على معتقداتهم العنصرية بشأن سوريا. وكأن سوريا نزلت كقالب من السماء ولم يتم تشكيلها من قبل الاستعمار الفرنسي عام 1921 ككيان جغرافي. وهل كان غليون يعير اي اهمية للكرد حين كان رئيسا للمعارضة االاستبولية التي تضم بعض الكركوزات من الكرد؟ غليون وقتها وصف الكرد بانهم كالمهاجرين! سوريا تم تشكيلها من قبل الاستعمار الفرنسي في 1921 ولم تكن دولة قبل ذلك وضم اليها قسم من وطن الكرد عنوة والكرد ليسوا اقلية. الان الكرد والعرب اخوة في سوريا كوطن جامع لكن يجب ان يكونوا اخوة متساوين وان لايكون هناك تابع ومتبوع كما يتمنى البعثيون ومن تربى في مدارسهم كغليون.

ازاد 08.01.2019 | 10:47 Uhr