"الربيع العربي" حرر الناس من الخوف

في السودان، الجزائر.... أين يقع ميدان التحرير اليوم؟

نسأل أين ميدان التحرير، فيأتينا الجواب من المغرب العربي. ميدان التحرير يقع اليوم في الجزائر مثلما يقع في الخرطوم، وهو قادر على الفعل في أماكن أخرى. ولعل سر "الربيع العربي" لا يكمن في انتصاراته أو هزائمه، بل في قدرته على تحرير الناس من الخوف.

من يزور مصر اليوم لن يعثر على الميدان الذي شكّل علامة التحوّل الكبرى في العالم العربي، وهو يدخل في القرن الجديد.  شرارة الثورة التي انطلقت من تونس، وامتدت إلى مدن مصر وليبيا واليمن وسوريا والبحرين، وجدت في ميدان التحرير المكان الذي تحوّل إلى رمز لانتفاضات الشعوب العربية ضد الاستبداد. كان ميدان التحرير مختبراً للحرية، وشهدت شوارعه الجانبية مقاومة شعبية مذهلة للاستبداد والديكتاتورية.

لكن أين ذهب الميدان؟ هل اختفى مع القمع الشامل، الذي تعرّض له شباب الثورة نتيجة التواطؤ شبه المعلن بين المجلس العسكري والإخوان في سياق تشكيل دائرة القمع، التي انتهت بانقلاب عسكري أطاح بالإخوان، وأعاد مصر إلى مربّع الحكم العسكري؟

علاء الأسواني في روايته "جمهورية كأن" قام بكتابة مضبطة اتهام، تمزج الواقعي بالمتخيّل لتلك المرحلة الدموية من حياة ميدان التحرير، وكانت النتيجة المباشرة هي إحالة الكاتب إلى القضاء العسكري! ومنع كتابه الذي طبع في "دار الآداب" في بيروت من دخول مصر.

النظام السلطوي يطيح بالمعايير القانونية

وبالأمس، قامت نقابة المهن التمثيلية في مصر بطرد الفنانين عمرو واكد وخالد أبو النجا من عضويتها بتهمة الخيانة العظمى، والسبب هو أنهما انتقدا التعديلات الدستورية في مؤتمر عقد في واشنطن وشارك فيه بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي!

بيان الطرد الذي وقّعه نقيب المهن التمثيلية أشرف زكي، جاء سريعا وصاعقا ومن دون تحقيق، وهو يشكل نموذجا صارخا لنية السلطة الإطاحة بالأشكال القانونية، ومؤشرا للواقع المصري الجديد.

الفنان المصري عمرو واكد في مهرجان دبي للأفلام (picture-alliance/abaca/Abd Raboo )
اعتبرت نقابة المهن التمثيلية المصرية مشاركة كل من الممثلين عمرو واكد وخالد أبو النجا في جلسة استماع حضرها عضو بالكونغرس الأمريكي بشأن التعديلات الدستورية "خيانة عظمى"، وألغت عضويتهما. كان واكد وأبو النجا قد عبرا عن اعتراضهما على تعديلات قد يجري إقرارها على الدستور المصري، وتحدثا عن الأوضاع الحقوقية في مصر، أثناء مشاركتهما في جلسة استماع عُقدت في إحدى قاعات مجلس الشيوخ تحت رعاية عضو مجلس النواب توم مالينوسكي.

لكن السؤال هو: ما معنى الخيانة العظمى أولاً، وكيف تحوّلت النقابة التي من المفترض فيها الدفاع عن أعضائها إلى شكل من أشكال المحكمة التي أصدرت حُكما غيابيا من دون الاستماع إلى المتهمين.

يبدو السؤال شكليا، فالاستبداد هو عدو الأشكال والأطر القانونية التي تحمي المواطن. مهمة الاستبداد الأولى هي تحطيم الأشكال وتعرية المجتمع من ضماناته التي اكتسبها عبر نضال شاق.

"ميدان التحرير كما يبدو اليوم يلفّه الخمول، كأنه لم يكن، هذا ما يوحي به كل شيء. ناشطو الميدان إما في المعتقل أو في المنفى أو في الصمت، والصوت الذي يلعلع هو صوت القمع"

أول ما يلفت النظر في الأداء الإعلامي التابع للسلطة في مصر هو ركاكته وقدرته الخارقة على "تتفيه" نفسه في سياق محاولته تتفيه خصومه، ولعل قمة السذاجة نراها حين يرسم مقدمو برامج "التوك شو" المزدوجين الصغيرين في الهواء عند الحديث عن ثورة يناير، من أجل الإيحاء بأن الثورة لم تحصل، أو بأن ما حصل كان مجرد هوشة فوضوية، جاء الجيش من أجل ضبطها، في سياق حربه على الإرهاب!

ولكن أين ميدان التحرير من كل ما جرى ويجري؟

الميدان كما يبدو اليوم يلفّه الخمول، كأنه لم يكن، هذا ما يوحي به كل شيء. ناشطو الميدان إما في المعتقل أو في المنفى أو في الصمت، والصوت الذي يلعلع هو صوت القمع. انتكاسة الربيع العربي قادت إلى قمع لا يتسمى إلا باسمه.

صورة السيسي كوريث لناصر سرعان ما تلاشت في صفقة تيران وصنافير ثم اضمحلت في التعاون العسكري مع إسرائيل في سيناء.

وهذا ليس حال مصر وحدها، فموجة الثورة المضادة لا تملك سوى خطاب واضح هو الخطاب الأمني، ولا أفق لها سوى الوصول إلى بلورة ممارسة القمع من أجل القمع، أي القمع من أجل بقاء السلطة فقط لا غير، بصرف النظر عن محاولة صوغ شرعية سياسية نابعة من مشروع اجتماعي- سياسي. هذا ما تشهده سوريا حاليا، وهذا ما تشير إليه وقائع التفتت الليبي وإلى آخره…

صورة من الأرشيف لميدان التحرير من عام 2012 خلال اعتصامات بعد إحياء الذكرى الأولى للثورة المصرية Foto: picture alliance/dpa.
الياس خوري: "نسأل أين ميدان التحرير، فيأتينا الجواب من المغرب العربي. ميدان التحرير يقع اليوم في الجزائر مثلما يقع في الخرطوم، وهو قادر على الفعل في أماكن أخرى. ولعل سر "الربيع العربي" لا يكمن في انتصاراته أو هزائمه، بل في قدرته على تحرير الناس من الخوف".

ولعل نموذج هذا العجز السلطوي يتجلى اليوم في الجزائر، حيث اندمج الرمز بالواقع بشكل غرائبي، بوتفليقة لم يكن عاجزاً عن الكلام السياسي فقط بل كان عاجزا عن أي نوع من الكلام، وسلطة الجنرالات والمافيات المالية المحيطة به تبدو اليوم في قمة خرسها وعجزها أمام ميادين التحرير الجزائرية.

سر "الربيع العربي" لا يكمن في انتصاراته أو هزائمه، بل في قدرته على تحرير الناس من الخوف

نسأل أين ميدان التحرير، فيأتينا الجواب من المغرب العربي. ميدان التحرير يقع اليوم في الجزائر مثلما يقع في الخرطوم، وهو قادر على الفعل في أماكن أخرى. ولعل سر "الربيع العربي" لا يكمن في انتصاراته أو هزائمه، بل في قدرته على تحرير الناس من الخوف. ورغم أن المقتلة السورية شكلت نموذجا ترهب به الأنظمة شعوبها، وهذا ما جرت محاولة تعميمه عندما رفع شعار "منع سوْرَنة الجزائر"، فإن جدار الخوف قد انكسر.

هزيمة الربيع العربي التي بدت وكأنها قادرة على إقفال الأفق وإعادة العالم العربي إلى مربع الاستبداد العسكري- النفطي، وطحن إرادته في سياق الصراع السني- الشيعي، أي الإيراني السعودي، الذي رمى المنطقة في الحضن الإسرائيلي، هذه الهزيمة ليست قدرا ولا تستطيع أن تقفل الأفق. فالحضيض الذي وصل إليه العالم العربي لا حضيض بعده، ولا يستطيع أن يستمر أو يتأبّد.

محاكمة الأسواني واتهام واكد وأبو النجا بالخيانة العظمى واعتقال شباب ميدان التحرير، وتحويل الشعب السوري إلى شعب من اللاجئين، ليست سوى جزء من مرحلة تسود في العالم العربي، هدفها اجتثاث روح الحرية التي صنعها ميدان التحرير، وهي روح لا يمكن لأحد أن يقتلها.

هذه الروح لا تحيا إلا بتجديد جذري للفكر العربي، وهو تجديد مطالب بتحويل انتفاضات الربيع العربي التي انفجرت في وجه الأنظمة إلى مشروع فكري وسياسي وأخلاقي، يعيد إعطاء المعنى للحرية والديمقراطية ودولة العدالة الاجتماعية.

 

إلياس خوري

حقوق النشر: إلياس خوري 2019

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : في السودان، الجزائر.... أين يقع ميدان التحرير اليوم؟

ان اول ما بدأ ربيع الثورات على الانظمة السياسية، كان في دورته الاولى بالجزائر 1988 سرعان ما انتقل الى اوربا الشرقية وتصدع الاتحاد السوفياتي ويوغوسلافيا ليصل الى العالم العربي، وكان في كل من هؤلاء الدم حاضرا للاسف؛ ولم يحقق الهدف منه لتعود تدريجيا الى البداية في شكل الحكم و التبعية.

الجزائر اليوم تأخذ كل ذلك في الحسبان وهي تعبر عن توجه جديد في هذا الربيع الذي يمثل دورته ثانية والتي سيصل صداها الى ابعد من حدودها الجغرافية. لتشكل نوعا اخرا من الحكم و اليات الاستقرار و بفعالية ان شاء الله

القاسم04.04.2019 | 13:50 Uhr