العودة إلى نموذج الإسلام الحضاريّ هو قارب النجاة

 فخري صالح: لا مجال إذًا، لتحقيق الخلاص، سوى بالعودة إلى نموذج الإسلام الحضاريّ الذي استطاع هضم اللحظات الحضارية الأخرى، والتأثر بالثقافات المختلفة والتعايش معها، انطلاقاً من طبيعة الإسلام الوسطيّة السمحة التي تنبذ العنف والتعصّب .
فخري صالح: لا مجال إذًا، لتحقيق الخلاص، سوى بالعودة إلى نموذج الإسلام الحضاريّ الذي استطاع هضم اللحظات الحضارية الأخرى، والتأثر بالثقافات المختلفة والتعايش معها، انطلاقاً من طبيعة الإسلام الوسطيّة السمحة التي تنبذ العنف والتعصّب .

ليس الإسلام ديناً وعبادةً فقط بل هو لحظة ثقافية حضارية مضيئة في تاريخ البشرية. إنه تصوّرٌ رحبٌ ومنفتح على العلاقة المثلثة التي تقوم بين الله والإنسان والعالم. ولهذا استطاع هذا الدين أن يقنع ملايين، بل مئات الملايين من البشر، باعتناقه والإيمان به، كما دفع قبائل وأعراقاً وأقواماً وثقافات إلى الاندراج في تلك اللحظة الثقافية الحضارية التي سطعت شمسها على العالم على مدار قرون ماضية.

بسببٍ من هذا الوعي بالإسلام بوصفه خطاباً حضارياً ثقافياً، ورؤيةً متفتحةً ومنفتحةً على العالم، تشكّل غير المسلمين، من أتباع الديانات والعقائد الأخرى، في فضاء الإسلام، واندرج وعيهم بالعالم والوجود ضمن اشتراطات الخطاب الإسلامي الثقافي الحضاري. كان غير المسلم، في أزمنة صعود الحضارة العربية الإسلامية، جزءاً من هذا الفضاء الكليّ المسمّى «دار الإسلام». ولعل هذا الشعور بالانتماء إلى ثقافة ذات خصائص وأقوالٍ تشجع على الحرية والتسامح الدينيين والمواطنة العامّة هو الذي جعل مراحل معيّنة من الحضارة العربية الإسلامية تشهد ازدهاراً ثقافياً وأدبياً وفلسفياً وعمرانياً لا نقع عليه في تاريخ الحضارات الإنسانية الأخرى. لقد كانت الأندلس مصهراً للثقافات والمعارف والتصوّرات المختلفة، بل المتناقضة أحياناً، حول سبل العيش والتصوّر والمعتقد. وهذا ما جعل الحقبة الأندلسية قمة نهوض العالم الإسلامي، كما حوّلها إلى لحظة تواصل واستمرارية مع الحضارة الغربية التي واصلت من حيث انتهت اللحظة الحضارية الأندلسية.

الحقبة الاندلسية نموذج لتلاقح الحضارات

الجانب المضيء في الحقبة الأندلسيّة من اللحظة الحضارية العربية الإسلامية أنها من صنع مسلمين وغير مسلمين، مؤمنين وغير مؤمنين، عربٍ وغيرِ عرب. ولهذا اتخذت سمات الحضارة الكونيّة القادرة على الاستفادة مما سبقها من حضارات، والطامحة في الوقت ذاته إلى التأثير في ما بعدها من حضارات آخذة في التشكّل والصعود. وقد أتاح النصّ الديني الإسلاميّ ذاته، القرآن الكريم والحديث النبويّ وكذلك التأويلات المتعددة للنص الديني، المجال لحريّة الاعتقاد، بحيث انصهرت أعراق وأقوام وثقافات وشعوب وعادات في نسيج كليّ اسمه الإسلام.

الكاتب الأردني فخري صالح
فخري صالح ناقد بارز في مجال الأدب العربي المعاصر. درس الأدب الإنكليزي والفلسفة في جامعة الأردن ويعمل حاليا مديرا لقسم النشر باللغة العربية في "دار بلومزبري للنشر مؤسسة قطر".

ويمكن الراغب في التيّقن من هذه الرؤية الإسلامية المنفتحة أن يراجع الآيات والأحاديث التي تحضّ على حرية الاعتقاد لكي يعرف أن الإسلام الذي يبشّر به الدعاة الجدد، ممن يطلقون على أنفسهم أو يُطلَق عليهم «شيوخ السلفيّة» أو «المتسلّفة»، هو نسخةٌ متطرفّة متصلّبة من الإسلام الذي يعاني من عقدة الاضطهاد والإحساس بالهزيمة الحضارية وغروب شمس الحضارة العربية الإسلامية في القرون الأربعة أو الخمسة الماضية.

إن دعوات العودة إلى ماضي الإسلام الصحيح، والقول بالفرقة الناجية، والحديث عن صيغة وحيدة مطلقة للإسلام ومذهبٍ لا ثاني له، تصبّ كلها في التضييق على الإسلام والمسلمين، وتضيّق من آفاق الإسلام الواسعة الرحبة، وتغتال روح الإسلام السمحة، وتقوّض أسس الإسلام الحضاري؛ الإسلام الذي يحتضن العالم ولا يخنقه، ينظر إليه كلحظة تواصل لا لحظة انفصال وقطيعة. في هذا الإسلام الحضاريّ، ومن خلال النظر إليه كنسقٍ أو خطابٍ ثقافي حضاري، لا كمعتقد ديني وعبادة فقط، تكمن نجاة المسلمين المعاصرين، وانعتاقهم من هذا الشعور الخانق بالحصار، وخلاصهم من الاحتراب الذي وصل إلى بيتهم الداخليّ.

إن ما يحدث الآن، نتيجة للحظة التعصّب والتطرّف والتقوقع والمذهبيّة القاتلة التي تأخذ بخنّاق العرب والمسلمين في الوقت الراهن، هو إعلان حرب على العالم؛ حربٍ خاسرة من دون أي شكّ، بل إنها تمثل نوعاً من الانتحار الجماعيّ العنيد للمسلمين. لا مجال إذًا، لتحقيق الخلاص، سوى بالعودة إلى نموذج الإسلام الحضاريّ الذي استطاع هضم اللحظات الحضارية الأخرى، والتأثر بالثقافات المختلفة والتعايش معها، انطلاقاً من طبيعة الإسلام الوسطيّة السمحة التي تنبذ العنف والتعصّب والرؤية الواحديّة للعالم.

 

فخري صالح

حقوق النشر: قنطرة 2016

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.

تعليقات القراء على مقال : مواجهة دموية مع الذات قبل العالم

العذر من الكاتب : التطرّف ليس قرار اتخذه المسلمبن والعرب بلحظة ، وليس كل المسلمين والعرب اتجهوا للتطرف ، والحل ليس بالاستثمار بالتعليم . لمن تكتب وعن من تكتب

Lüneburg18.05.2016 | 09:05 Uhr