بنية متاهية

إنْ أردت أن استخدم مجازاً لوصف البناء الشكلي للرواية، فسيكون غالباً رمز (الما لا نهاية) أو الأفضل أن يكون مثل شريط «موبيوس» [مسار يجعل المتنقِّل فوقه يعود إلى نقطة البداية بشكل عكس المرآة]. مثل شريط «موبيوس»، تقدم رواية "أخيلة الظل" نوعاً من الحيز غير القابل للتوجيه، حيث يؤدي المجال المادي إلى النفسي، والعكس. تنسكب الذكرى داخل الحلم. الحلم يؤخذ خطأَ على أنه ذكرى. يصبح الراوي شخصية روائية. تصير الشخصية الفنية فكرة خطرت في عقل الكاتب. امرأة تحلم بأنها وردة ووردة تحلم بأنها امرأة. إنه الفضاء حيث يوجد الشيء عبر نقيضه: يولد فيه الظل من الضوء، والنظام من الفوضى. 

وعلى نحو يُذكِّر بـ"أليس في بلاد العجائب"، للرواية بنية تشبه المتاهة. كما لو أن القارئ دخل جحر الأرنب، يقفز في بئر أفكار الكاتب ومن خلال المرآة. على الجانب الآخر من الواقع، يصبح بطل القصة هو المؤلف أو يقع السارد في فخ النسيج المتخيل.

الرواية أيضاً ثرية بالتناص، فهي، مع هذا، لا تحيل فقط إلى «لويس كارول» وروايته عن «أليس»، بل أيضاً إلى «كافكا»، في ما يخص موضوع التحول والهوية المتلونة، وهذا يستحق أن يُناقَش بتوسع في مقال مستقل. 

تمام الذات السردية

 

صورة رمزية - الضوء والظل. Foto: picture-alliance
لغز الصورة الأدبية: "يُعرَّف الشكل الجمالي في رواية "أخيلة الظل"، للكاتبة المصرية منصورة عز الدين، من خلال علاقة الضوء بالظل، والحدود المساميّة بين الحلم والواقع وبين الرواية والتعاطي مع الواقع باعتباره خيالاً. ونتيجة لذلك لا توجد معالم واضحة، لأن الشكل يمتص كمية معينة من الضوء وبالتالي يُعرِّف نفسه. هكذا «يستوعب» الشيء/ الشخص الواقع"، كما تكتب ماريا بولاتوفيتش.

 

أسلوب الرواية فريد: انطباعية أدبية على طريقة «مارسيل بروست»، مع رؤية فينومينولوجية دارسة لظواهر العالم بوصفه طيفاً من الألوان والأصوات والموسيقى والروائح والمذاقات. الطعم الحلو المر لمشروب «شويبس» واللون الفيروزي للسماء ورائحة الليمون والدفلى، هي فقط بعض الموتيفات المتكررة التي «تحفز» تيار الذكريات ذا النكهة، عبر الوعي والأحاسيس المستدعية لأزمنة مضت. 

هذه الانطباعية الأدبية – تذكارات الماضي والانطباعات الحسية – هي تقنية لإنعاش الذكريات والخبرات المفقودة التي تتحول بدورها بمعرفة الشخص الذي ما زال يتذكر. تلك بحق شذرات من الخبرة. أجزاء يُبحَث عنها لتحقيق فانتازيا الكمال، تمام الذات السردية.

الخلاصة، في يمبوس الأفكار المختلطة الصاخب هذا، أود أن أقدم مفهوم الكتاب-الفُلك لابن منظور. فذات مرة، قارن المعجمي العربي القروسطي، ابن منظور، معجمه "لسان العرب" بفلك نوح، مستحضراً صورة الكتاب كأنه سفينة تقطع الأمواج، فتختلط فيه الكلمات، ويطيح بعضها ببعض، فتختلط المعاني وتتحرر نحو آفاق جديدة، أو على العكس، كتاب كأنه سفينة يُغرِق شخصياته وقراءه على حد سواء، ويلتهم الكلمات التي -مِن ثمّ- تطفو كأنّها جثث فوق سطح الماء، بعد أن استنفدت معانيها. 

 

ماريا بولاتوفيتش

الترجمة عن الإنجليزية: ممدوح التايب

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

 
 
 

اقرأ/ي أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة

 
 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة