مناخ ثقافي ليبرالي

"لا يزال المناخ الثقافي في المدينة ليبراليًا حتى اليوم أيضًا"، مثلما يقول منصف بوعلي: "يوجد طلب كبير على كتب حول موضوعات شائكة، مثل النزاع حول قانون الإرث الإسلامي في المغرب"، سواء كانت مكتوبة بالفرنسية أو بالعربية. وتُباع كثيرًا -بحسب تعبيره- كتبُ الناشطة النسوية المعروفة أسماء المرابط وكذلك عبد الله الطايع، وهو كاتب مغربي يعيش في فرنسا ويكتب بصراحة حول مثليته الجنسية.

يَذْكُر لنا من بين مؤلفي الجيل الأصغر المهمين الصحفي عبد السلام القادري، الذي نشر كتابًا يضم حوارات ومناقشات مع المؤلف إدريس الشرايبي، المُتَوَفَّى في فرنسا عام 2007. وإدريس الشرايبي كان أيضًا يتناول الهياكل الاجتماعية في رواياته. ويذكر كذلك الكاتب محمد المغربي، الذي كتب (عام 2018) رواية حول مدينته ومسقط رأسه تحمل عنوان: A Tanger dans le bec de la pie.

لقد تغيَّرت طبيعة المدينة تغييرًا كبيرًا منذ زمن بول بولز ومحمد شكري. أصبحت طنجة جزءًا من المملكة المغربية مع استقلالها عن فرنسا في عام 1956. رحل عن طنجة كثير من الأمريكيين واليهود. وفي عهد الملك الحسن الثاني، أمست طنجة عديمة الأهمية. وفقط محمد السادس اكتشف من جديد إمكانياتها كنقطة اتِّصال بين أفريقيا وأوروبا واستثمر فيها استثمارات ضخمة.

باب - مدخل إلى مدينة طنجة القديمة - المغرب. Foto: Claudia Mende
طنجة بين الماضي الأدبي الثري بالأساطير والحداثة النابضة: تغيَّرت طبيعة المدينة تغييرًا كبيرًا منذ زمن بول بولز ومحمد شكري. تم الآن تجاوز الركود وباتت تسود في المدينة أجواء تفاؤل جديدة. تعتبر طنجة اليوم مركز تبادل مهم في التجارة بين أوروبا وأفريقيا وآسيا.

نشأت في طنجة وظائف كثيرة بفضل ميناء طنجة المتوسطي، وهو أكبر ميناء للحاويات في منطقة البحر الأبيض المتوسط برمَّتها، وكذلك منطقة التجارة الحرة، التي يُنتِج فيها مستثمرون أوروبيون مثل مجموعة رينو للسيارات.

اشترى المستثمرون المباني القديمة وأُضيفت فنادق جديدة، وأعيد تصميم كورنيش الميناء من أجل السياح، وأنشئ مرسى يخوت ليجذب المسافرين والسياح في قسم الرفاهية. ازداد في طنجة الطابع العربي والإسلامي منذ مطلع الألفية الجديدة، وذلك بشكل خاص من خلال تدفُّق السكَّان المحافظين من منطقة الريف إليها. فحتى طنجة بات يوجد فيها اليوم أيضًا مشهد سلفي واسع.

أجواء تفاؤل جديدة في طنجة

ولكن تم تجاوز الركود وباتت تسود في المدينة أجواء تفاؤل جديدة. تعتبر طنجة اليوم مركز تبادل مهم في التجارة بين أوروبا وأفريقيا وآسيا. تقول خديجة الهمام في شقتها المليئة بالذكريات في منطقة القصبة القديمة: "طنجة تتحرَّك. في طنجة أشياء تتقدَّم".

كانت خديجة الهمام البالغة من العمر ثلاثة وثمانين عامًا من أوائل النساء في السينما المغربية، وشاركت كمصمِّمة أزياء في كثير جدًا من الإنتاجات السينمائية، إلى درجة أنَّها لا تستطيع تذكُّر الجميع. غير أنَّها لم تتمكَّن من المشاركة في فيلم "السماء الواقية" للمخرج برناردو برتولوتشي، لأنَّ ذراعها انكسرت.

تتحوَّل خديجة الهمام باستمرار أثناء حديثها بين اللغة العربية والإنكليزية والفرنسية، مثل الكثيرين من الطنجاويين. وتعتقد أنَّ تطوير طنجة ذو حدَّين: فهي تخشى من خسارتها طنجة، التي يعرف فيها كلُّ شخص جيرانه ولا يلعب فيها الانتماء الديني دورًا كبيرًا ويهتم فيها الناس بكبار السنّ وبتدبُّر أمورهم.

لقد عاصرت زمن التنانير القصيرة وموسيقى الـ "روك أند رول"، كان ذلك في فترة شبابها. أمَّا اليوم ففي طنجة أيضًا الكثير من النساء المحجبات. ولكنها مقتنعة بأنَّ طنجة ستبقى مدينة ليبرالية. وفي هذا الصدد تقول: "لن يستولي بتاتًا على قلب طنجة أسلوبُ الحياة الإسلامي الضيِّق".

وتتَّفق معها ابنتها سمية أكعبون البالغة من العمر ستة وأربعين عامًا. وسمية أكعبون ممثلة مشهورة في المغرب، عادت إلى الوطن بعد أعوام في الخارج. كانت في شهر آذار/مارس 2020 عضوةً في لجنة تحكيم مهرجان طنجة السينمائي الدولي، الذي أقيم قبل فترة قصيرة من بدء أزمة كورونا.

وهي تؤمن بطبيعة طنجة غير القابلة للتدمير، بطبيعة هذه المدينة الخاصة بين الثقافات والقارات. وتقول: "كلُّ شيء دائمًا واضح أمامنا. طنجة تبقى معبرًا يتحرَّك فيه الناس دائمًا".

 

كلاوديا مينده

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

ar.Qantara.de

 

 

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة