وليس من العسير دحض هذه المقولة التي ترمي إلى إنكار المطلق والمعياري، وبغيرهما يتسيب الوجود وتغدو الحياة الإنسانية هملا، وفي التاريخ من الشخصيات من أنكرت "أناها " وضحت بنفسها في سبيل نصرة الحق والانتصار للإنسانية وفضائلها، وجبران يعرف ذلك جيدا، إنما هي آثار الظروف وجراح الواقع التي لم تندمل حتى وهو في أمريكا.

أفكار لجبران تعزز الحرية الإنسانية

غير أن في بعض أفكار جبران معاني بكر تعزز الحرية الإنسانية وتستخلص اللباب من القشور وهي تستفز عقل القارئ وتدعوه للتأمل والتفكير في مسار حياته معتمدا على " أناه" باحثا عن حريته مثمنا قدراته الشخصية ونوازعه الذاتية ولو استلزم ذلك إنكار الماضي والولوع بالحاضر : "إن بلية الأبناء في هبات الآباء ومن لا يحرم نفسه من عطايا آبائه وأجداده يظل عبد الأموات حتى يصير من الأموات".

 

 

وأما الثورة التي أحدثها جبران في الأدب العربي فتكمن في أسلوبه الأدبي الذي تجاوز به مدرسة الإحياء في النثر العربي خاصة أسلوب المنفلوطي، وفي نثره شعرية وموسيقى داخلية وروح رومانسية حالمة ثائرة باحثة عن الحرية متعطشة إلى الكمال أو هي ناسوت باحث عن اللاهوت وهنا تكمن عظمة جبران ككاتب، وأي إنسان لا يقرأ هذه الكلمات ولا تحرك وجدانه وتستفز عقله وتقع الألفاظ المستمدة من الطبيعة موقع الرضا والاستحسان من القارئ ... :"أنت تنظر بعين الوهم فترى الناس يرتعشون أمام عاصفة الحياة فتظنهم أحياء وهم أموات منذ الولادة ولكنهم لم يجدوا من يدفنهم فظلوا منطرحين فوق الثرى ورائحة النتن تنبعث منهم".

ولقد تأثر جبران بالشاعر الإنجليزي الرومنطيقي وليام بليك بعد أن قرأ شعره وتمثل روحه  وهو القائل: "اذهب وطور قابليتك على رؤية الرؤى حتى تصل بها إلى أفضل ما يمكن أن تكون عليه". فكان في أدبه صاحب رؤيا وكأنه عراف انسدل شعره، وعبثت الريح بأطراف ثوبه الأبيض وتحركت الطبيعة وهدر الوجود بحفيف شجره وخرير مائه ولمعان برقه وهزيم رعده. وامتدت نظرة الشاعر وثابة نحو الآفاق لا تنكسر ولا تلين باحثة عن عالم تزداد فيه إنسانية وشهامة وعدلا.

وأما جبران في شعره فكان ناظما أكثر منه شاعرا فلقد تكلف الوزن والقافية فوقع فيما أنكره على غيره، وفي شعره حاول أن يبدي موقفه من الوجود وجدية العلاقات الإنسانية ومضمونها، وهو متأثر بنيتشه وببوذا  وزرادشت ومحيي الدين بن عربي ويسوع فاقتبس معاني كثيرة عنهم وسجنها بين حيطان البيت وسقف القافية فجاءت أدنى مستوى من نثره ذي الروح الشعرية واللمسة الإنسانية:

                  الخير في الناس مصنوع إذا جبــــــروا
                  والشر في الناس لا يفنى وإن قـــــــبروا
                 وأكثر الناس آلات تحركهـــــــــــــــــــا      
                 أصابع الدهــر يوما ثم تنكســـــــــــــــــر
                  فأفضــل الناس قطعان يسير بهـــــــــــا  
                  صوت الرعـــاة ومن لم يمش يندثــــــــر    
                 والعدل في الأرض يبكي الجن لو سمعوا        
                  به ويستضحك الأموات لو نظـــــــــــروا
                  فالسجن والموت للجانين إن صغـــــــروا            
                  والمجد والفخر والإثراء إن كــــــــــبروا
                   فسارق الزهر مذموم    ومحـــــــــــتقر
                  وسارق الحقل يدعى الباسل الخطـــــــر  
                   والحق للعزم والأرواح إن قويــــــــــت
                   سادت وإن ضعفت حلت به الغـــــــــير
                   ففي العرينة ريح ليس يقربــــــــــــــــه  
                   بنو الثعالب غاب الأسد أم حضـــــــروا

 

وتأثر جبران هنا بفيلسوف القوة "نيتشه " صاحب كتاب "هكذا تكلم زرادشت" واضح لا ينكر. وبعد فماذا يبقى من جبران وماذا يثمن من مواقفه؟ لقد كان جبران ظاهرة أدبية حقيقة بالإعجاب والتقدير مستحقة للخلود الأدبي، تجاوزت شرطها الحياتي بفاصلته وترتيبه كما يقول علماء الرياضة وقهرت ظروفها بعبقريتها وعطائها ومعاناتها الإنسانية.

ولعل من أثمن مواقفه دفاعه عن الحرية الإنسانية وهي لباب الوجود الإنساني وحملته على التقليد ومقته للتعصب ودعوته إلى التسامح الديني وحربه الشعواء على الإقطاع السياسي والزراعي والديني وتنديده بالطبقية الجائرة تلك الموبقات التي هدت عافية العرب وأسلمتهم لقمة سائغة إلى القوى الإمبريالية الأوروبية، ثم الأسلوب الساحر بروحه الشعرية وتراكيبه البديعة وخياله الخلاق وإيقاعه الشعري، تلك الميزات التي تعرج بالقارئ إلى سماوات الفن والهيام على الرغم من بعض سقطاته اللغوية.

ويشفع له اضطراب حياته، ثم حياته فيما بعد في المهجر يتكلم بغير لغته الأم، وعلى الرغم من إسفافه أحيانا وتعاليه على قيم الدين والحياة وتسفيههما وهذا كله يفهم بالاستناد إلى الخلفية اللاشعورية، فقد تركت ظروف القهر ندوبا في نفس نابغتنا لم تقوَ أمريكا ولا الزمن على محو آثارها ولا بلسمة الجرح أو تضميده، لهذا كله حق لنابغة لبنان والعرب أن يخلد في دنيا الإبداع والأدب وحق لقريته "بشري" أن تنال حظها من الشهرة وهي تلك البلدة الصغيرة المعزولة في شمال لبنان.

 

إبراهيم مشارة 

حقوق النشر: إبراهيم مشارة / موقع قنطرة 2020

 
 
 
 

 

 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة