.

بيد أن تضافر عوامل متعدّدة على مدى العقدين الماضيين أو أكثر أرهق قدرة العديد من الدول العربية على استيعاب الضغوط المتزايدة ضمن موازين القوى القائمة منذ فترة طويلة، الأمر الذي يجعل المرحلة الانتقالية الحالية بطبيعتها أكثر خطورة بالنسبة إلى هذه الدول. وقد شكّل الانفجار السكاني أكبر تهديد لتلك الدول، حيث أسفر عن تضخم هائل في أعداد الشباب، إلى جانب تضاؤل ​​فرص العمل والإنتاجية والمهارات والتفاوت في الدخل الذي يتّسع باستمرار بسبب عمليات تحرير الاقتصاد القائمة على المحسوبية والخصخصة الجائرة، وتآكل أو انحلال المواثيق الاجتماعية بشكل تراكمي. والواقع أن فائض الثروة المتاح، ولا سيما صافي الدخل من إنتاج النفط، إضافة إلى أشكال أخرى من الإيرادات، تراجع بصورة حادّة جداً، لدرجة عانت معها حتى شبكات المحسوبية والدوائر الاجتماعية السابقة التي كانت تتمتع بامتيازات خاصة.

جهادي من جهاديي الدولة الإسلامية، الصورة دويتشه فيله.
الخبير الألماني في شؤون الشرق الأوسط ومدير معهد الدراسات الأمنية والاستراتيجية في برلين، فولكر بيرتيس، كتب في تحليل لموقع قنطرة: إنَّ "الدولة الإسلامية" ليست مجرَّد تنظيم إرهابي آخر، بل يجب أن يتم فهمها - خاصة إذا كنا نريد محاربتها بشكل فعَّال - على أنَّها مشروع بناء دولة جهادية: وهي محاولة لإقامة دولة شمولية توسُّعية لا تسعى - على العكس من حكومة إقليم كردستان في أربيل أو الكانتونات الكردية السورية أو السلطة الفلسطينية - إلى الحصول على اعتراف المجتمع الدولي، ولن تقدِّم أيضًا أي طلب للحصول على عضوية الأمم المتَّحدة، بل ترفض النظام الإقليمي والنظام الدولي كنظام.

تختلف الظروف الخاصة اختلافاً كبيراً من دولة عربية إلى أخرى، بيد أن الأزمة في كل منها ناشئة عن عجز مماثل عن الحفاظ على العلاقة القائمة بين بنية السلطة ووسائل تكوين رأس المال وتوزيعه، أو عن استعادة العلاقة إن فُقِدت. ونتيجة لذلك، تم إلى حدّ كبير نقض التفاهمات السابقة حول الهدف من الدولة وطبيعة المواطنة التي كانت تشكّل أساس المواثيق الاجتماعية وتعزّز الاستقرار السياسي، والتي تتجسّد في بعض الاستحقاقات والالتزامات، سواء كانت رسمية أو ضمنية.

بيد أن الأكثر مدعاة للقلق هو أنه لم تحلّ بدائل واضحة محلّ تلك التفاهمات، لا بل إن الادعاء بممارسة الحكم الشرعي الذي يقول به «داعش» على أساس ثنائية صارخة بين المؤمنين والكفار لا يلبّي هذه الحاجة، لأنه يمنع كل أشكال التفاوض المجتمعي حول تطبيق الحوكمة أو حول أي ناحية من نواحي السياسة العامة.

كان الغموض الشديد الذي ميّز الأطر الدستورية أو المرجعيات الأخرى التي تنظّم السياسة الوطنية والحياة اليومية، سواء كانت رسمية أو غير رسمية، في عدد من الدول العربية هو الذي يقود هذا الاتجاه ويعكسه. فعلى سبيل المثال، لم يؤد وضع دستور ديموقراطي جديد بعد العام 2003 في العراق إلى تقبّل «قواعد اللعبة» المشتركة والملزمة التي تنظّم المنافسة السياسية وتحدّ من اللجوء إلى العنف وتحافظ على السلام الاجتماعي الأساسي، وبالتأكيد لم تؤدّ الترقيعات الدستورية التي جرت في سورية في العام 2012 إلى أي شيء من هذا القبيل أيضاً.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة