أزمة غير مسبوقة في تاريخ حزب العدالة والتنمية المغربي . الصورة: عبد الإله بنكيران، الأمين العام السابق
أزمة غير مسبوقة في تاريخ حزب العدالة والتنمية المغربي

إخوان المغرب: إفلاس قيادة أم أزمة مشروع؟

أظهر حزب "العدالة والتنمية" المغربي مرونة كبيرة في المراوغة وتقديم التنازلات من أجل البقاء حاضراً في المشهد السياسي كرقم صعب في المعادلة السياسية المغربية المعقدة، لكن التفريط في ثوابته يضع مصداقيته على المحك. تعليق محمد طيفوري لموقع قنطرة.

من مكر السياسة، أن تبدأ وتنتهي الولاية الثانية لحزب العدالة والتنمية في الحكومة ببلوكاج (انسداد) سياسي، بعد تفكُك الأغلبية الحكومية، يوم 7 مارس/ آذار، باختيار بقية أحزاب التحالف الحكومي التصويت مع أحزاب المعارضة، لصالح تعديل قوانين الانتخابات؛ القاسم الانتخابي وإلغاء العتبة الانتخابية.

لكن شتان ما بين الانسدادين؛ فالأول كان دفاعا عن الإرادة الشعبية، المعبر عنها في انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول عام 2016. أما هذا الأخير، فظاهره حماية التجربة "الديمقراطية" بالبلد، وباطنه أشياء ومصالح أخرى. فما أكثر لحظات استهداف الديمقراطية طيلة الولاية الحكومية، دون أن يقض ذلك مضجع إخوان العثماني.

عاد الإسلاميون في التحالف الحكومي، بعد إقرار النصوص المؤطرة لانتخابات سنة 2021، للحديث عن استهدافهم من قبل الدولة العميقة، بتنسيق مع الأحزاب السياسية، قصد تقليص نصيبهم من المقاعد في الانتخابات المقبلة. صحيح أن اعتماد القاسم الانتخابي على أساس المسجلين في القوائم الانتخابية، لا على أساس المشاركين فعلا في عملية التصويت، يجعل العدالة والتنمية الضحية الأولى، لبدعة مثلت سابقة في إصلاح قوانين الانتخابات، وأن هذه الفكرة الفريدة والعبثية، تفقد العملية الانتخابية أي معنى؛ حيث يتساوى المُصوت والمُقاطع، وحتى الميت المسجل في اللوائح، في إعطاء شرعية التمثيلية.

استطاعت السلطوية تحويل العدالة والتنمية، في معركة القاسم الانتخابي، من ضحية إلى متهم. لا سيما وأنه بقي وحيدا، ضد الجميع دون أي سند مدني أو حقوقي، باستثناء قادته وقواعده، الذين اصطفوا للدفاع عن الديمقراطية. من جانبها، حاولت قيادة الحزب، استغلال لحظة الإجماع الاستثنائية، لردم الهوة بين مختلف أطياف الحزب (تيار الاستوزار، تيار بنكيران، المبادرة الشبابية) المنقسم على نفسه، نتيجة الأخطاء القيادة في تدبير الولاية الحكومية. وكان أخرها توقيع الأمين العام سعد الدين العثماني، بتاريخ 22 ديسمبر/ كانون الأول 2020، على اتفاقية تطبيع المغرب للعلاقات مع إسرائيل. وقبل ذلك إقرار قانون فرنسة التعليم، في شهر يوليو/ تموز 2019، في تناقض صارخ مع مرجعية وهوية ومبادئ وشعارات الحزب.

"نجحت السلطوية في المغرب في تحويل حزب العدالة والتنمية من الضحية إلى المتّهم، في معركة القاسم الانتخابي، سيما أنه بقي وحيدا ضد الجميع"

لم تدم وحدة الصف طويلا، فسرعان ما سينفجر لغم أخر في وجه العثماني، محدثا هذه المرة، زلزلا كبيرا في صفوف الحزب. يتعلق الأمر هذه المرة، بمصادقة المجلس الحكومي على مشروع قانون لتقنين زراعة القنب الهندي (مخدر الكيف)، ما خلّف ذهولا في صفوف أعضاء الحزب الإسلامي، فحتى القادة التبريريون في الحزب، ممن استعانوا بالحيل الفقهية وقواعد الترجيح لشرعنة قرار التطبيع، فقدوا أمام هذه الواقعة الحجة لإقناع قواعدهم وعموم المغاربية، بهذا الانقلاب المفاجئ في الموقف من هذه المسألة. خاصة، وأن الأمانة العامة للحزب رفضت، سنة 2016، وبشكل مطلق في بلاغ قوي لها حينذاك، مقترح قانون حول الموضوع تقدم به فريق حزب الأصالة والمعاصرة.

الممارسة السياسية تعري كل الأيدولوجيات والمرجعيات الفكرية: أظهر حزب "العدالة والتنمية" المغربي مرونة كبيرة في المراوغة وتقديم التنازلات من أجل البقاء حاضراً في المشهد السياسي كرقم صعب في المعادلة السياسية المغربية المعقدة، لكن التفريط في ثوابته يضع مصداقيته على المحك. المحلل السياسي محمد طيفوري يعتبر أن حزب العدالة والتنمية أضاع على نفسه فرصة تاريخية بعدم ذهابه إلى المعارضة، كانت ستفتح المسار على إمكانات أخرى للديمقراطية في المغرب.
الممارسة السياسية تعري كل الأيدولوجيات والمرجعيات الفكرية: يجد حزب العدالة والتنمية نفسه، بعد مضي 4 سنوات على إعفاء زعيمه عبد الإله بنكيران من تشكيل الحكومة، في 15 مارس/ أذار 2017، قد أحرق كافة أوراقه بعد التفريط في ثوابته الكبرى من خلال قيامه بتقديم تبريرات لأخطاء السلطوية الحاكمة في المغرب. المحلل السياسي محمد طيفوري يعتبر أن حزب العدالة والتنمية أضاع على نفسه فرصة تاريخية بعدم ذهابه إلى المعارضة، كانت ستفتح المسار على إمكانات أخرى للديمقراطية في المغرب.

اهتز الحزب مجددا، مع إمعان قيادته في تبني قرارات تكشف عن خيانة المبادئ والانسلاخ عن الهوية، لكن هذه المرة بشكل أقوى، فبعد استقالة الوزير السابق عبد العزيز العماري من الأمانة العامة، وتجميد المقرئ أبو زيد لعضويته في الحزب، جاءت استقالة رئيس المجلس الوطني؛ برلمان الحزب، إدريس الأزمي من المجلس والأمانة العامة للحزب معا، في رسالة اكتنفها الكثير من الغموض، لتكشف جانبا من أزمة داخلية، غير مسبوقة في تاريخ الحزب.

يأتي تنفيذ عبد الإله بنكيران، الأمين العام السابق للحزب تهديده، بتجميد عضويته في الحزب، متى وافقت الأمانة العامة على مشروع تقنين زراعة القنب الهندي، ليربك أوراق قيادة الحزب، ويزيد من شدة الاحتقان في صفوف الإخوان، بعدما رهن استقالته من الحزب، بالتصويت على القانون من طرف الفريق النيابي للحزب بالبرلمان.

وبدت الجدية في قرارات الرجل هذه المرة، بتذييل بيان تجميد العضوية بالإعلان عن قطع علاقاته مع قيادات بارزة في الحزب، على رأسها رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، ومصطفى الرميد، وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، وكل من وزير الطاقة عزيز رباح، ووزير الشغل محمد أمكراز، والوزير السابق لحسن الداودي.

مصداقية خطاب حزب العدالة والتنمية على المحكّ

يجد حزب العدالة والتنمية نفسه، بعد مضي 4 سنوات على إعفاء زعيمه عبد الإله بنكيران من تشكيل الحكومة، في 15 مارس/ أذار 2017، قد أحرق كافة أوراقه، في تدبير هذه المرحلة، بالتفريط في ثوابته الكبرى من خلال الحرص على تقديم تبريرات لأخطاء السلطوية المتعلقة بملفات حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية، واعتماد منهجية التقرير بشكل انفرادي، من موقع الحكومة، ثم إلزام الحزب بها، حتى وصل إلى الباب المسدود.

فهو اليوم تائه بين مطرقة الأزمة التنظيمية داخليا؛ فقد أضحى تماسك الحزب مهددا أكثر من أي وقت مضى، وسندان أزمة الأغلبية الحكومية المفقودة، بعد تباين الموافق بشأن تعديل القوانين الانتخابية، حيث صوتت باقي مكونات الأغلبية مع أحزاب المعارضة، ما يؤكد أن هناك أغلبية حزبية أكبر من الأغلبية الحكومية.

 

 

أزمة سياسية حقيقة، تفرض على حزب عارَض تغيير القاسم الانتخابي، بمبرر تحصين التجربة الديمقراطية - وهو على حق في دعواها- أن يبقى وفيا للنضال عن الفكرة الديمقراطية، بتفعيل مقتضيات الدستور أمام هذه الواقعة. وذلك بإعمال أحد الخيارين: إما الفصل 103 من الدستور الذي، يربط مواصلة الحكومة مسؤوليتها بتصويت يمنحها الثقة، أو تفعيل الفصل 47 من الدستور، الذي ينص على تقديم رئيس الحكومة لاستقالته للملك، ما يؤدي بشكل تلقائي إلى استقالة الحكومة.

ويبقى اللجوء إلى هذه الخيارات مستبعدا، بالنظر لحرص الحزب على تفادي أي اصطدام أو مواجهة مع المؤسسة الملكية أولا. ثم لكونها ممارسات غير مألوفة في تاريخ السياسية بالمغرب ثانيا.

وثالثا، لأنها دخيلة على أدبيات التنظيمات الإسلامية القائمة على النصح للخليفة والسلطان. ولأنها أخيرا، ستبقى مواجهة بلا أثر؛ فعمر الحكومة الحالية لا يتعدى بضعة أشهر، قبل موعد الانتخابات المرتقبة مطلع الخريف المقبل. تعززت فرضية الاستبعاد تلك، بتباطئ المجلس الوطني؛ برلمان الحزب، في عقد دورة استثنائية، رغم توالي الهزات الداخلية لما يزيد عن شهر، لمناقشة آخر المستجدات السياسية، واتخاذ المواقف اللازمة بشأنها.

"ضيع حزب العدالة والتنمية على نفسه فرصة تاريخية، كانت ستفتح المسار على إمكانات أخرى للديمقراطية في المغرب"

أي موقف بقي أمام الحزب، وهو يستعد لخوض غمار الاستحقاق الانتخابي، في ظل عزلة سياسية غير مسبوقة، ساهمت فيها قيادته بشكل كبير؟ وعلى فرص احتواء الأزمة الداخلية الحادة، وإن كانت المؤشرات تفيد النقيض من ذلك، فإن ظفر الحزب بولاية ثالثة بات شبه مستحيل، بعد أن فرض عليه التقليص القسري بالقانون.

يوشك الحزب على بلوغ خط النهاية، في سباق دخل غماره، منذ عام 2011، دون أن ينجح في كسب معركة الرهان الديمقراطي بالمغرب. وبدا كأنه يستنسخ تجربة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بعد مضي حوالي 20 سنة، مع تسجيل فوارق في الجزئيات والتفاصيل، حسب السياق والحيثيات.

لقد ضيع حزب العدالة والتنمية على نفسه فرصة تاريخية، كانت ستفتح المسار على إمكانات أخرى للديمقراطية في المغرب، إنها خيار التحول إلى المعارضة لحظة إقالة عبد الإله بنكيران زعيمه الأسبق، لأنه شتان بين أن يختار الحزب المعارضة، وهو في أوج قوته، وبين أن تفرض عليه الظروف السياسة التحول إليها وهو في حالة ضعف.

 

محمد طيفوري

حقوق النشر: قنطرة 2021

كاتب وباحث مغربي في كلية الحقوق في جامعة محمد الخامس في الرباط. عضو مؤسس ومشارك في مراكز بحثية عربية". نشر دراسات في مجلات عربية محكمة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة