أزمة نظام الحكم بعد الثورة التونسية...أوجه تشخيص ومعالجة

في تونس: نظام سياسي شاذ وهجين بعيد عن روح الثورة وتطلعات الشعب

بدلا من تحقيق طموحات الشعب التونسي المتمثلة في بناء نظام سياسي ديمقراطي، يقوم على الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، قامت نخب تونسية بإعادة إنتاج نظام بن علي السابق على مقاس الطبقة السياسية الحاكمة، وبما يخدم دولة الظل العميقة القديمة – الجديدة التي تدير هذا النظام الظاهر والحكومة من وراء الستار، كما يرى الباحث والكاتب التونسي توفيق المديني في تحليله التالي لموقع قنطرة.

هناك عقل سياسي في تونس، لا سيما لدى أحزاب الطبقة السياسية الحاكمة، يختزل أزمة نظام الحكم السائد في الأشخاص الذين يتبوؤون رئاسة الحكومة، ويلجأ إلى تحميل رئيس الحكومة الحالي، يوسف الشاهد، أو من سبقه، الفشل في معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة التي تعاني منها البلاد، بدل البرامج والفكر السياسي للأحزاب السياسية الحاكمة التي أصبحت لا تجيد من الحكم سوى الفوز بالانتخابات، نظرًا لاعتماد الحزبين الكبيرين، نداء تونس وحركة النهضة، على ماكينة قادرة على الحشد وجمع الأصوات والاستئثار بالنصيب الأكبر من نتائج صناديق الاقتراع، سواء في الانتخابات البرلمانية أو البلدية.

هذه الأحزاب الحاكمة تُسْهِمُ بعجزها إسهامًا كبيرًا في تعميق أزمة نظام الحكم الليبرالي القائم على فلسفة "الديمقراطية التوافقية" التي تعاني بدورها من الفساد البنيوي والظلم المتزايد، والفشل في تحقيق انتظارات الشعب التونسي من الثورة، بل أصبحت من مصادر عدم الاستقرار السياسي والتضامن بين مختلف طبقات المجتمع وفئاته، حين تحولت إلى عنوان لحكومة الأثرياء المتشكلة من "طبقة الأرستقراطيين الأثرياء من النظام السابق، والأثرياء الجدد"، وأداتها دولة الظل العميقة – الجديدة، ممثلة بشيخيها الرئيس الباجي قائد السبسي، وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، اللذين يكرسان نظام الحكم الليبرالي المعولم في تونس منذ اجتماع باريس في أغسطس/ آب 2013.

إنتاج نظام هجين

على الرغم من أن الثورة التونسية أسقطت رأس النظام السابق، ونخبته الحاكمة، وحلَت البرلمان السابق، وحلّت أيضا حزب النخبة الحاكمة السابقة، وكتبت دستوراً جديداً، ونظمت انتخابات برلمانية ورئاسية على مقتضى قانون انتخابي جديد في سنة 2014، فإنّ كل هذه الإجراءات لم تفض إلى ثورة حقيقية، تحدث تغييراً راديكالياً في البنى والعلاقات الاجتماعية - الاقتصادية، وهو ما يترافق مع تغيير جذري لعلاقات السلطة وتركيبها الطبقي المناسب لنوع العلاقات الاجتماعية السائدة.

وفضلاً عن ذلك، لم يكن للحركة الاحتجاجية برنامج عمل واضح المعالم، ولم تكن لها أيضًا قيادة ثورية، ووعي سياسي ناضج، وإذا حكمنا على "الثورة التونسية"، أو هذه الحركة الاجتماعية الكبيرة التي تحولت إلى انتفاضة شعبية عارمة، انطلاقًا من الأهداف التي صيغت في قالب شعارات، من قبيل "الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية"، فلن يكون الحكم عليها في صالحها قطعًا، فليس كلَّ ما يُريدُ المرْءُ يُدْركه، لوجود الفجوة الموضوعية بين الرغبات والشعارات المطروحة ووسائط القوة لتحقيقها، بين الينبغيات واليقينيات، أو اختصارا، لامتناع ميزان القوى المناسب.

بدأت احداث "الربيع العربي" في تونس بمدينة سيدي بوزيد بعد أن احرق الشاب محمد البوعزيزي نفسه احتجاجا على مصادرة عربته مصدر رزقه، فخرج الشباب والعاطلون عن العمل وعمال النقابات متظاهرين محتجين ونجحوا في وقت قياسي في اسقاط حكومة زين العابدين بن علي الذي فرّ من البلد الى السعودية .
بدأت احداث "الربيع العربي" في تونس بمدينة سيدي بوزيد بعد أن احرق الشاب محمد البوعزيزي نفسه احتجاجا على مصادرة عربته مصدر رزقه، فخرج الشباب والعاطلون عن العمل وعمال النقابات متظاهرين محتجين ونجحوا في وقت قياسي في اسقاط حكومة زين العابدين بن علي الذي فرّ من البلد الى السعودية .

هذه واحدة، الثانية أن أهدافًا كبرى مثل الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، لا تكفي الإرادة، والرغبة فيها، كي تتحقق، حتى وإن أسعفت موارد القوة (وميزان القوى بذلك)، فهي، مثل سواها من الأهداف الثورية الكبرى التي عرفها التاريخ البشري في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وفي ثورات القرن العشرين، تتوقف على وجود الشروط التحتية، وليس في جوف البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التونسية، ما يفصح عن علائمها، حتى وإن كانت تونس تتميز بوجود طبقة متوسطة قادرة أن تلعب دور الحامل الاجتماعي لأي ثورة ديمقراطية مستقبلية، فالثورة السياسية التي تهدف إلى اقتلاع جذور النظام الاستبدادى القديم، لا بد لها أن تتقدّم إلى الأمام، وتحاول تأسيس نظام ديموقراطي، يقوم على أساس التعددية، وينهض فى ضوء مبادئ سيادة القانون من ناحية، واحترام المواطنة من ناحية أخرى.

نظام سياسي شاذ وهجين بعيد عن روح الثورة وتطلعات الشعب

لكن النظام السياسي الذي تأسس في ضوء دستور 2014 يعتبر نظامًا شاذًا وهجينًا، لأن الفكر السياسي الذي تبنته الأحزاب التي فازت في الانتخابات، سواء في 2011، أو في سنة 2014، الإسلامية التي ارتبطت بالهوية، أو العلمانية التي نادت بالمساواة في الميراث، كان فكرا تقليديًا، وغير متطابق مع انتظارات الثورة، فبفوز حزب نداء تونس في الانتخابات التشريعية، وفوز زعيمه الباجي قائد السبسي في الانتخابات الرئاسية، استطاع الأخير أن ينجح في استمالة كوادر النظام السابق لحزبه، ويواصل تمثيل مصالح برجوازيّة بلدية العاصمة وعصبية الساحل، والاحتفاظ بدعم القاعدة الاجتماعية التقليديّة للحزب الحاكم منذ الاستقلال.

وعرف قائد السبسي كيف يستثمر الأخطاء الكبيرة التي وقعت فيها حركة النهضة، لا سيما ضعف الكفاءة في إدارة الحكم، والعجز عن تقديم أجوبة شافية على المطالب الاقتصادية – الاجتماعية، وانتظارات الشعب التونسي من الثورة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.