كانت طموحات الشعب التونسي تتمثل في بناء نظام سياسي ديمقراطي، يقوم على الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، بوصفه معيارًا كونيًا في تصنيف النظم الديمقراطية من غيرها، وهو ما يتطلب من الأحزاب التونسية التي تنطحت لعملية البناء أن تكون حاملة لمشروع فكري وثقافي وطني وديمقراطي، وهوما افتقدته كليا الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، أو الأحزاب العلمانية التي تبنت المرجعية البورقيبية، ولهذا السبب عجزت جميعها عن بناء نظام ديمقراطي جديد، وإعادة بناء الدولة الوطنية.

الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي...أدى رئيس الجمهورية المنتخب باجي قائد السبسي اليمين الدستورية في آخر يوم من سنة 2014 أمام نواب البرلمان، وتحول بعدها مباشرة إلى قصر قرطاج لتسلم منصبه الجديد كخامس رئيس للجمهورية.
تعتبر سياسة التوافق ومنهج التعقل اللذان اتبعاه كل من راشد الغنوشي زعيم حزب النهضة الإسلامي والباجي قايد السبسي رئيس حزب نداء تونس، الليبرالي العلماني، من بين أسرار نجاح الانتقال الديمقراطي في تونس

"يتحمل الرئيس الباجي السبسي مسؤولية تاريخية في إعادة إنتاج النظام السابق على مقاس الطبقة السياسية الحاكمة"

فالنظام السياسي الذي أسسه، السبسي والغنوشي، وكرّسه دستور 2014، شاذ وهجين، حيث تتوزع فيه السلطة التنفيذية بين طرفين، رئيسي الجمهورية والحكومة، مع صلاحيات أوسع للثاني، وهو المتسبب الرئيس في الأزمة التي تعيشها تونس في الوقت الحاضر، فهو ليس نظامًا برلمانيًا قائمًا على الفصل بين السلطات، كما في الأنظمة البرلمانية التي تقوم على الفصل المرن بين السلطتين، التنفيذية والتشريعية، ولا نظامًا رئاسيًا، مثل الأنظمة الرئاسية التي تعرّف بأنها تقوم على الفصل الصارم بين السلطتين. وعلى الرغم من أنّ دستور 2014 يحدّد مركز الثقل السلطة التنفيذية في البرلمان والحكومة، فإنّنا نجد أن مركز الثقل الحقيقي داخل السلطة التنفيذية في الوقت الحالي ليست في الحكومة، ولكن في قصر الرئاسة في قرطاج.

لم يتخلص بعد ساسة تونسيون كثيرون يقودون هذا النظام ويسيرونه من الفكر السياسي القديم، بينما تعيش تونس على إيقاع القطيعة التامة بين الفكر السياسي السائد لدى عموم التونسيين والفكر السياسي الذي يتبناه في السر والعلن عدد غير قليل من السياسيين، في الحكم والمعارضة.

ويتحمل الرئيس الباجي السبسي مسؤولية تاريخية في إعادة إنتاج النظام السابق على مقاس الطبقة السياسية الحاكمة، وبما يخدم دولة الظل العميقة القديمة – الجديدة التي تدير هذا النظام الظاهر والحكومة من وراء الستار، حين أفسح في المجال لعودة وجوه من حزب التجمع الدستوري (حزب بن علي) القديمة التي تقلدت مناصب حكومية وحزبية وبرلمانية، بناء علی رغبة الباجي السبسي نفسه، النابعة من الخوف من إضعاف الدولة، بعد الهزات المرتدة من الثورة.

كما أنّها أيضًا ناتجة عن تحول حزب نداء تونس إلی حزب تجمعي صريح، وهو المسيطر علی الائتلاف الحكومي مع حركة النهضة الاسلامية، على الرغم من أنّ الهدف التأسيسي لهذا الحزب في 2012 كان إزاحة الإسلاميين من الحكم، والدفاع عن النمط المجتمعي والإرث البورقيبي، بتحالف بين الحداثيين والعلمانيين عبر أربعة روافد يسارية ودستورية ونقابية ومستقلين. ومع العودة القوية للتجمعيين في 2014، وسيطرتهم علی قيادة الحزب، والرئيس الباجي الذي يترأس الدولة التونسية ذات النظامين، توقف التاريخ عنده عند سنة 1986، ويتولى الآن معالجة الأزمة الراهنة، انطلاقًا من تبنيه فكرا سياسيا بورقيبيا قديما متكلسا وجامدا.

ويريد أن يصنع تاريخًا جديدًا لنفسه وعائلته بفكر قديم، ويهزه الحنين إلى التماثيل القديمة والنصوص التي كانت قائمة، وتوريث الحكم لابنه.. بينما تقتضي المصلحة الوطنية من الرئيس الباجي أن يضع مصلحة تونس والدولة فوق الجميع، وأن ينأى بنفسه عن المصالح الضيّقة العائلية والحزبية، لا سيما أنّ ما يحدث داخل حزب نداء تونس من أزماتٍ متتاليةٍ أدخلت البلاد في حالة عدم استقرار سياسي واقتصادي. وأن يعيد النّظر في كلّ هذه الأمور، بدْءًا من طبيعة النظام السّياسي الذي يسود الإجماع حوله بأنّه مُعَطَّلٌ، وغير قابل للاستمرار، ما جعل البلاد، أحيانا، غير قابلة للحكم، إذ تتميز بتراجع دور السلطة التنفيذية وعجزها عن القيام بالإصلاحات الكبرى المنتظرة، ومرورًا بما في الدستور من نقائص، كشفتها الممارسة، ووصولا إلى تشكيل المحكمة الدستورية، بوصفها من أركان تماسك الدولة ووجودها.

أي مخرج للأزمة؟

وكان رئيس الجمهورية التونسية قد اجتمع بالأحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية الوطنية الموقّعة على اتّفاق قرطاج، للمصادقة على وثيقة قرطاج 2، والتي أصبحت بمنزلة العقد الاجتماعي والسياسي الملزم لجميع الأطراف، حيث المطلوب من أي حكومة قادمة بتنفيذ النقاط الـ 63، غير إن المعضلة التي يواجها نظام الحكم في تونس، تتمثل في تحديد الموقف النهائي من النقطة 64 الخلافية في الوثيقة، والمتعلقة بمسـألة التعديل الحكومي، حيث هناك حالة

الرفض لرئيس الحكومة الحالي، يوسف الشاهد، من أكبر منظمة اجتماعية هي اتحاد الشغل، وكذلك حزب نداء تونس (الحاكم) الذي بادر منذ فترة بالمطالبة (بالتنسيق مع الاتحاد العام التونسي للشغل) بتغيير الحكومة، وطالب المدير التنفيذي برأس يوسف الشاهد (على أساس أنه سبب فشل "نداء تونس" في الانتخابات البلدية، حسب المحيطين بحافظ قائد السبسي).

ويريد الاتحاد لعب دوره الوطني، ويرى أن الحكومة الحالية لم تنفذ الاتفاقات، ولا يمكن التقدم معها باعتبارها فشلت، وهو الموقف الذي بات يؤيده فيه اتحاد الصناعة والتجارة في مقابل تردد أطراف أخرى، واصطفاف آخرين مع منظمة الشغيلة، في مقابل داعمي موقف حركة النهضة التي لا تراها حكومة مثالية، لكن من غير المعقول تغييرها، من أجل الاستقرار السياسي في البلاد.

وجاءت كلمة رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، أخيرا لتفجر "المعركة" بينه وبين المدير التنفيذي لحزب نداء تونس، حافظ قائد السبسي، من خلال تحميل الأخير والمحيطين به، وهم أساسا المنتدبون الجدد في الحزب، مسؤولية ما آل إليه حزب نداء تونس من وضع صعب، أثر على الدولة كاملة، فقد قسمت كلمة الشاهد كتلة الحزب في البرلمان بين مناصر له، ومناصر لحافظ قائد السبسي، فضلا عن أن الهياكل الجهوية ل "نداء تونس" انقسمت من خلال حرب البيانات، ما بات يتطلب من رئيس الجمهورية وجميع الأطراف السياسية والوطنية أن يتدخل مباشرةً لإعادة النظر في وثيقة قرطاج 2، باعتبارها وثيقة وضعت لخدمة الأطراف التي تطالب بها، وأهمها صندوق النقد الدولي، من دون مراعاة أولويات الثورة واستحقاقاتها.

فحكومة الشاهد التي تبنت وثيقة قرطاج فشلت في التحكم في التوازنات المالية الداخلية، باعتبار تفاقم عجز الميزانية الى مستوى قياسي لم يبلغه إلا في عهد حكومة الوحدة الوطنية، وفشلت في التحكم في التوازنات المالية الخارجية المتعلقة بتفاقم عجز الميزان التجاري الذي فاق كل التوقعات، وأدى إلى انهيار الدينار التونسي، وهو انهيار لم يزعزع حكومة الوحدة الوطنية، ولم يحرّك لها ساكنا، حيث حافظت على سياستها في مجال التجارة الخارجية في انتظار أفق سنة 2019.

ويرى المتابعون للشأن التونسي أن السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في قبول الباجي السبسي بتغيير الحكومة بالتنسيق مع راشد الغنوشي، وإبعاد نجله حافظ السبسي من "نداء تونس"، عبر الدفع نحو أول مؤتمر للحزب، بما يمكن رئيس الجمهورية من إنقاذ الحزب الذي أسسه، وكذلك عودة المنسحبين، والمنسلخين، المفتتين، باعتبار أن عديدين منهم شخصيات معروفة، لا سيما أن شخصياتٍ عديدة مؤسسة للحزب وجهت اللوم لرئيس الجمهورية في أزمته، لأن الرئيس "ينحاز" لنجله على حساب البقية.

وتتمفصل أزمة النظام التونسي حاليًا بإبقاء الحزبين الحاكمين على استراتيجية الهيمنة الليبرالية على قواعد اقتصاد البلاد، علمًا أنّ هذا النموذج الاقتصادي أصبح منذ 2011 تحت التهديد، ووصل إلى مأزقه المحتوم، وتعزيز النظام الأوليغارشي في الحكم. يتجلى ذلك بالصراع الذي يدور داخل "العائلة الحاكمة" بشأن من يكون رئيس الجمهورية في انتخابات 2019، وهو ما تجلى في الموقف المعلن من بقاء رئيس الحكومة أو رحيله، إضافة إلى وجود محاولةٍ لترتيب البيت داخل الائتلاف الحاكم، بين حركة النهضة ونداء تونس.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.