مرحلة مفصلية في تاريخ تونس

وفي هذه اللحظة التي تعد مفصلاً أساسيًا من مفاصل تاريخ تونس المعاصر، يتطلب الخروج من الأزمة أن تبلور النخب الحاكمة استراتيجية وطنية بديلة لوثيقة قرطاج 2، بدلاً من أن تذهب الدولة التونسية إلى الاقتراض بشروط مجحفة من المؤسسات الدولية المانحة، وتمضي في التفويت في بعض المؤسسات والقطاعات العمومية، حتى أصبح متوقعا تخصيص وزارة الداخلية والأمن يوما ما. وتقوم هذه الاستراتيجية على المرتكزات التالية:

أولاً: خوض الحرب ضد الفساد المالي والاقتصادي، وفتح ملف رجال الأعمال التونسيين (127)، وكل الفاسدين في عهد الترويكا، حيث يقدر الخبراء المبلغ في ذمتهم بين 10 آلاف و13 ألف مليار ونصف، أي حوالي نصف ميزانية تونس، تمثلت في قروض حصلوا عليها بطرق غير قانونية، وسط صمت رهيب، وعدم تدخل الدولة لاسترجاع ما نهبوه، والتحرك سريعًا لاستردادها، لتدخل خزينة الدولة، وتسهم في المشاريع التنموية في المحافظات الفقيرة والمهمشة تاريخيًا.

ثانيًا: وضع خطة لمقاومة التهرب الجبائي، والقيام بإصلاحات تشريعية وقانونية لإصلاح الجباية المحلية، حيث تخسر الدولة التونسية نحو 15 ألف مليون دينار، أي ما يعادل 10.34 مليارات دولار سنويًا (وفقا لسعر صرف الدولار أمام الدينار التونسي في 2012)، بسبب التهرب الضريبي، وهو ما يمثل 50% من جملة دخل الجباية، والتي تعتمد أساساً على الجمارك والقيمة المضافة، وعلى دخل الأشخاص الطبيعيين، وعلى الشركات، ورسوم التسجيل والطابع الجبائي، ورسوم أخرى على بعض المنتجات والنقل.

ثالثًا: محاربة المافيات الكبيرة التي تسيطر على التهريب، والاقتصاد الموازي، والتجارة الموازية، والتي راكمت ثروات طائلة، مستغلة "ضعف أجهزة الدولة الرقابية"، حيث أن هذا الاقتصاد الموازي ينخر الاقتصاد الرسمي، إضافة إلى أنه يولد الإرهاب والتهريب، ويفضي إلى تبييض الأموال. واحتلت تونس المرتبة الخامسة عالميا في تبييض الأموال، حسب تقرير منظمة الشفافية الدولية. وتقول السلطات التونسية إن ممارسة التجارة الموازية ضخت خلال السنوات الأربع الماضية أكثر من خمسة مليارات دينار (حوالي 2.5 مليار دولار) لفائدة شبكات الإرهاب التي يقودها "الأثرياء الجدد".

مقهى البرلمان في تونيس: "نملك اليوم، على الأقل، حرية الكلام"، هذا هو لسان حال ابن الشارع في تونس. وأضحت مقاهي كالبرلمان منتديات للنقاشات التي أطلقتها الثورة من قمقمها.
مقهى البرلمان في تونيس: "نملك اليوم، على الأقل، حرية الكلام"، هذا هو لسان حال ابن الشارع في تونس. وأضحت مقاهي كالبرلمان منتديات للنقاشات التي أطلقتها الثورة من قمقمها.

خاتمة...عودة إلى تطلعات الجماهير

يمتلك الشعب التونسي من الكفاءات الوطنية القادرة على تحمل المسؤولية في زمن الأزمات الكبيرة، سيما حين يتعلق الأمر بإعادة بناء الدولة الوطنية في عصر العولمة الليبرالية التي عليها أن تستفيد من الزخم النفسي للحرية التي جاءت بها الثورة، لدفع المواطنين إلى العمل والإنجاز، وتطوير التعليم باعتباره قاطرة تحقيق القفزات الاقتصادية الكبرى، والحفاظ عليها، وانتهاج نموذج جديد للتنمية، يقوم على إعطاء دور حقيقي للدولة، لكي تضطلع بالمشاريع الاستراتيجية المنتجة، لا سيما تعصير الفلاحة، وبناء الصناعات المعتمدة على التكنولوجيات العالية المنتجة للثروة، والتحرّر من ضغوط الدول والمؤسسات المالية المانحة التي تريد فرض شروطها، لا سيما برامج الإصلاحات الهيكلية للاقتصاد التي تفرض التضييق الأقصى من مجالات تدخّل الدولة، وتوسيع مجال الأفراد الخواص الذين لا يتجاوز عددهم عشرات، على حساب ملايين الفقراء، وعلى ضرب منظومة الفساد، وانتهاج سياسة إغراق البلاد في الديون الأجنبية.

وعلى عكس ما يدعيه الفكر الاقتصادي السّائد الذي يزعم أن الدّين الخارجي نصير التنمية في بلدان العالم الثالث، يبرز تحليل المديونيّة الخارجيّة لتونس، والتي تعدّ في منزلة النموذج في هذا المجال، أنّ الحقيقة عكس ذلك. الأمر أسوأ من ذلك، حيث يمثل تسديد خدمة الدّين اليوم أحد أهمّ العراقيل التي تقف في طريق التّنمية في تونس، ما يستوجب إلغاء هذا الدّين.

بجباية الضرائب وإيقاف نزيف السوق الموازية للعملة الصعبة، ونزيف التهريب، وإرجاع الأموال المنهوبة من رجال الأعمال، يتعافى الاقتصاد التونسي، وتنجز المشاريع الفلاحية والاقتصادية في المحافظات الفقيرة والمحرومة، ووُظف المعطلون عن العمل من الشباب، وارتفع الدينار في قيمته، وانخفضت الأسعار، وتحسنت القدرة الشرائية للمواطن.

 

توفيق المديني

حقوق النشر: قنطرة 2018

توفيق المديني كاتب وباحث تونسي، أصدر 21 كتاباً في السياسة والفكر والثقافة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.