ألا ترى أنّ الإشادات الدولية بتجربة الانتقال الديمقراطي في تونس مبالغ فيها خاصة مع تفشي ثقافة "الإفلات من العقاب" وتسيّد لوبيات المال والأعمال والإعلام وتأثيرها الفاضح في سلوكيات السياسيين؟

أشرف العوادي: يتعامل المجتمع الدولي بكثير من الرومنسية مع التجربة التونسية مما صعّب المسائل بنسبة للمجتمع المدني في بلادنا. يريد المجتمع الدولي الترويج لصورة تونس الدولة الناجحة في الانتقال الديمقراطي. لذا عندما تريد الحديث عن المشاكل يقاطعك الجميع ويريدون الاستماع إلى النجاحات فقط.

إنّ المقارنات مع ليبيا ومصر واليمن، جعلت الجميع يهنئ تونس على "أنصاف الإنجازات" متناسين أن الإفلات من العقاب يسود البلاد، الفساد ينخرها، العنف البوليسي مازال يحصد الأرواح بحصانة كاملة.

ولأن البقية فشلوا يصبح نصف الفشل إنجازاً للمجتمع الدولي! أتذكر عندما أسسنا "أنا يقظ" كان الجميع يسخر منا لأن الفساد حينها لم يكن موضوع الساعة. فتجدهم كمجتمع دولي ودول مانحة يخيّروننا بين دعم الانتخابات وصياغة الدستور والحملات التوعوية... اليوم ها هم يقفون على خطورة الوضع.

كسبتم قضايا كثيرة عندما قمتم بالاستفادة من قوانين تحررية جديدة من قبيل "حق النفاذ إلى المعلومة" و"حماية المعطيات الشخصية" و"الإبلاغ عن الفاسدين" وغير ذلك. هل تعتقد أنّ التونسي واعٍ بحقوقه التي جاء بها دستور 2014، وأنه يساهم من جهته في الخروج بها من النصّ النظري إلى الممارسة العملية اليومية؟

أشرف العوادي: لا أرى أن المشكل يكمن في وعي التونسي بقدر ما هو نقص وعي بين النخبة. عندما كنا نضغط لتمرير "قانون النفاذ للمعلومة" لم يكن هناك غير منظمة "البوصلة"، نقابة الصحافيين و"أنا يقظ" تسعى لذلك.

اليوم وبعد تمرير القانون كيف لك أن تفسر أن 3 صحافيين فقط تقدموا بمطالب نفاذ للمعلومة؟ هل يعقل هذا؟ 

أشرف العوادي: الشعوب تتبع نخبها، إلا في تونس الشعب اجتاز نخبه بمراحل. مازال المسار طويلاً، فالوعي يتطور تدريجياً ولكن بشكل غير كاف. نجحنا في تمرير ترسانة مهمة من القوانين مثل قانون "تضارب المصالح" و"التصريح بالمكاسب" و"الإثراء غير المشروع"، والآن حان الوقت للتعريف بالقوانين وحقوق المواطنين.

منظمة "أنا يقظ" حظيت بسمعة طيبة في زمن وجيز رغم وجود مئات من منظمات المجتمع المدني الفاعلة في تونس، وبعضها أعرق من منظمتكم. هل للأمر علاقة بشركائكم الدوليين مثلا؟ أم لأنّ قضايا الشفافية ومكافحة الفساد هي أولوية التونسيين اليوم؟ أم لك تفسير آخر؟

أشرف العوادي: نحن نعمل منذ 8 سنوات، وهذا ليس بالوقت القصير. لا أعتقد أنّ ما وصلت إليه المنظمة اليوم يمكن أن ينسبهُ أي شخص لنفسه باستثناء الشباب الحالم الذي أسسها... المتطوعين الذين ضحّوا من أجلها لتصبح اليوم على ما هي عليه.

في السنوات الأولى، كان المُموّلون يرفضون دعمنا لأننا "أطفال"، بحسب رأيهم. حتى شراكتنا مع منظمة "الشفافية الدولية" لم تستقم إلاّ عندما أصبحنا أكثر شهرةً ومصداقية، ولكن قبل ذلك كانوا يودّون التعامل مع منظمات "أكثر نضجًا".

 
 
واليوم الجميع يود المراهنة على الجواد الرابح ويعتبروننا كذلك. ربما ما سرّع في صعودنا هو تدهور مردود معظم المنظمات العريقة. فغياب الرؤية والإستراتيجيات أثّر على مردودها، والتمويل كذلك.

كثرة التمويلات حوّلت النشطاء إلى مجرد موظفين دون قضية. اليوم نحن نعمل على دعم الجمعيات خارج العاصمة. لدينا 42 شريكا نحاول دعمهم تقنياً ومادياً. عندما بدأنا لم يؤمن بنا أحد. نعلم معنى الاحتقار والتجاهل. ربما ذلك ما جعلنا نصرّ على المواصلة.

أعتقد أن الفرق هو في التصميم. كان يمكن لنا أن نتحول إلى مجموعة من الموظفين كذلك ونتفادى الصدام ونغازل السلطة مثل كثيرين.

نحن نحتكم إلى ميزانية كبيرة، تعتبر من الأكبر بين منظمات المجتمع المدني المحلي والدولي ولكن اخترنا الطريق الأصعب. أما عن الشركاء الدوليين فأنا شخصياً لا أثق فيهم كثيراً ولا أعوّل عليهم حين أخوض معاركي. فقد تخلى عنا العديد من شركائنا سابقاً عندما احتدم الصراع مع السلطة وانصاعوا لإملاءتها مثلما فعل الاتحاد الأوروبي عند رفضنا لقانون المصالحة. هل توقفنا؟ هل أثنانا ذلك عن عزمنا؟ طبعا لا، فقد قمنا حينها بفسخ العقد ورفضنا تمويلاتهم.

 

 
حاوره: إسماعيل دبارة 
حقوق النشر: موقع قنطرة 2019
 
 أشرف العوادي - رئيس منظمة "أنا يقظ" الرقابية غير الحكومية في تونس
إسماعيل دبارة - صحافي وعضو الهيئة المديرة لمركز تونس لحرية الصحافة

-------------------------------------

منظمة رقابية غير حكومية - تعرّف "أنا يقظ" نفسها بكونها "منظمة رقابية غير ربحية ومستقلة تهدف إلى مكافحة الفساد المالي والإداري وتدعيم الشفافية. وهي منذ 29 يناير 2017 الفرع تحت التأسيس لمنظمة الشفافية الدولية بتونس. وتضمّ ثلة من الشباب والشابات النشيطين في مختلف جهات الجمهورية ويعمل جميعهم على الحفاظ على مكتسبات الثورة.
-------------------------------------
دعوى قضائية ضد رئيس الحكومة ​​​​-​​​ تقدمت "أنا يقظ" في 7 يناير 2019 بدعوى قضائية ضد رئيس الحكومة يوسف الشاهد بتهمة الفساد لتدخّله لفائدة رجل أعمال بارز. الشاهد استغلّ صفته لرفع التجميد عن ممتلكات وأموال الثريّ مروان المبروك، بدول الاتحاد الأوروبي، وذلك رغم صدور أحكام قضائية ضد هذا الأخير في تونس وفي لوكسمبورغ. تقول الشكوى إن الشاهد استغلّ نفوذه وصلاحياته لتحقيق منفعة للغير والإضرار بالمصلحة العامّة.
-------------------------------------
دعوى قضائية ضدّ رئيس الجمهورية - تقدّمت منظّمة "أنا يقظ" بمعيّة جهات أخرى، في 11 يناير / كانون الثاني 2019، بدعوى قضائية تتعلّق بتجاوز السلطة ضدّ رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي، وذلك على خلفية منح عفو خاص للسياسي برهان بسيّس المدان في قضية فساد. بسيّس مسؤول كبير في حزب "نداء تونس" الذي أسسه الرئيس السبسي، مُنح عفوا رئاسيا بعد أن أدين بسنتين سجنا مع النفاذ العاجل وبغرامة مالية في قضيّة فساد وتحقيق فائدة دون وجه حقّ لنفسه وخدمة لنظام بن علي.
-------------------------------------
الصحافي إسماعيل دبارة: طريق شباب منظمة أنا يقظ ليس مفروشا بالورود، فرجال أعمال نافذون تضرروا من تحقيقاتهم ضدّ الفساد قاموا بحملة للتجريح في النشطاء وهتك أعراضهم عبر منابر إعلامية مختلفة.
-------------------------------------
حملة ضدّ منظمة "أنا يقظ"- أنصف القضاء التونسي منظمة أنا يقظ أمام رجل الأعمال لزهر سطا، وهو شريك سابق لصهر بن علي، عندما طالب بحجب مقال من موقع المنظمة يتحدّث عن تجاوزات إدارية ومالية وقانونية حفت بتعاطي الدولة مع الأملاك المصادرة لهذا الرجل. كما أنصفها القضاء أمام رجال الأعمال نبيل القروي مالك قناة "نسمة" التي تشنّ حملة ضدّ "أنا يقظ" على خلفية تقصّيها لشبهات فساد القروي.
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.