فلقد كانت التحوّلات الثقافيّة والاجتماعيّة التي تلت بداية استخراج النفط تحوّلاتٍ جذريّة. فجدّ منيرة القادري مثلًا كان يعمل منشدًا على ظهر قاربٍ لصيد اللؤلؤ. فقد قلب استخراج النفط في غضون فترةٍ وجيزةٍ من الزمن حياةَ الناس بالمنطقة رأسًا على عقب، إذ انتقلوا في ظرف جيلٍ واحدٍ من العيش في خيام الصحراء إلى ناطحات السحاب ومن ركوب الإبل إلى سيّارات المرسيدس.

وهي تشبّه حلول عصر النفط في منطقة الخليج العربية بغزو كائناتٍ فضائيّة، تمامًا مثل الوبر، ذلك الكائن الخرافي الآتي من الفضاء الخارجيّ. وتعتقد القادري بأنّ النموذج المستورد من الغرب لمفهوم التقدّم قد جعل سكّان المنطقة يتناسون جذورهم الثقافيّة بالكامل.

فإلى يومنا هذا ما برح الرخاء الاقتصاديّ لمنطقة الخليج وثقافته الاستهلاكيّة المفرطة يدين للنفط بكلّ شيء، وهو ما نتجت عنه أزمةٌ نفسيّةٌ حادّةٌ تتراوح بين الإحساس بالرفاهيّة وبين الشعور بحالةٍ من الخواء الداخليّ. ولذا فإن اللون الأسود للتماثيل الزجاجيّة يشير إلى دور النفط في بلورة كلّ شيء. ولكن الفنّانة منيرة القادري على قناعةٍ بأنّ أولئك الذين ما زالوا يذكرون عصر ما قبل النفط هم وحدهم فقط من سيكون بإمكانهم تطوير مستقبلٍ خالٍ من هذا الوقود الأحفوري.

 

 

فلسفة جماليّة الحزن

ولكن، وكما تعتقد منيرة القادري، فإنّ مجتمعات الشرق الأوسط قد أزاحت ذكريات الماضي من وعيها الجماعيّ، ولهذا السبب يُلاحظ غيابٌ كليٌّ لكلّ فكرٍ وتصوّرٍ يمكن الاعتماد عليهما لتحديد وجهة مسار التطوّر المستقبليّ لتلك المجتمعات. وتضيف قائلةً: "تشهد سرديّات مجتمعاتنا حالةً من الانهيار، فلا وجود لأيّ رؤيةٍ للمستقبل البتّة. إنّ الوضع السائد في الشرق الأوسط مؤلمٌ ومأساويّ".

"وعلى الرغم من ذلك فإنّي أرى في سوداويّة الشرق تلك بعدًا جماليًّا"،  فهي تقارن بين تلك السوداويّة وبين التقليد الغربيّ الذي يلزم الفردَ  بشعور الفرح الدائم، وذلك لإظهار التفاوت بين الثقافتين. وليس من المستغرب إذن أن رسالتها للدكتوراه كانت بعنوان "جماليّة الأسى في الشرق الأدنى". إنّ المستقبل يبدو مظلمًا، ولكن هناك أصواتٌ فاعلةٌ وحيويّةٌ لفنّانين شبّان وشابّاتٍ مثل القادري والذين يمتلكون قدراتٍ إبداعيّةٍ خارقة.

وبعد أن حطّ معرضها رحاله في كلٍّ من أمستردام وبيروت ولندن وجدّة والكويت والدوحة وطوكيو ومدينة غوتينغن الألمانيّة، ها هو معرض منيرة القادري قد حلَّ ضيفاً على مدينة ميونخ الألمانية (وذلك في الأصل حتّى يوم 21 يونيو / حزيران) في متحف بيت الفن في مدينة ميونخ الألمانيّة [تمّ تمديد فترة المعرض إلى يوم 30 أغسطس / آب من سنة 2020].

 

كلاوديا مِندِه

ترجمة: صهيب زمّال

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

ar.Qantara.de

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة