أفغانستان تحت حكم طالبان

هل توقظ طالبان الأفغانية أشباح التطرف في باكستان؟

نزل خبر سيطرة طالبان على أفغانستان كالصاعقة على كثيرين ممن يتذكرون نظام رعب فرضته قبل 2001. وقد كان لبعض أجهزة أمن باكستان علاقة وثيقة مع طالبان، فهل ينقلب السحر على الساحر وماذا تأمل القيادة الباكستانية؟ وكيف تتأثر باكستان بل والصين وروسيا والهند وإيران بذلك؟ الباحث محمد لقمان يجيب لموقع قنطرة.

توالت الأحداث القادمة من أفغانستان خلال أسابيع أغسطس / آب 2021 على مدار الساعة بعد أن اجتاحت طالبان الولايات الأفغانية الواحدة تلو الأخرى، وتمكّنت من السيطرة على العاصمة كابول بلا مقاومة تذكر، الأمر الذي فاجأ الجهات الفاعلة الرئيسية  على الساحة الأفغانية، فقد انحلت  قوات الأمن الأفغانية بصورة فعلية، وكان الفشل الذي مني به الجيش الأفغاني صادمًا لكل المراقبين؛ فهو الجيش الذي أُنفقت مليارات الدولارات على تشكليه وتسلحيه خلال السنوات العشرين المنصرمة، وكان وقع ذلك أشد على الأفغان قبل غيرهم. وفرّ الرئيس الأفغاني أشرف غني من البلاد تاركًا الطريق مفتوحةً أمام المتطرفين للاستيلاء على السلطة.

صحيح أنه من المبكر التنبؤ بعواقب هذه التطورات على المنطقة، إلا أنه من الواضح أن باكستان هي المنتصر الثاني في هذا الصراع إلى جانب حركة طالبان، على الأقل في الوقت الحاضر. وتصعب حاليًا الإجابة على سؤال حول الكيفية التي سيؤثر بها استيلاء طالبان على السلطة على المجتمع الباكستاني- هذا السؤال هو بيت القصيد.

فقبل بضعة أشهر، اتهم أعضاء في الحكومة الأفغانية باكستان بدعم تقدم طالبان بصورة حثيثة، كما شهد مؤتمر إقليمي عقد في أوزبكستان تراشقا علنيا غير مألوف للاتهامات بين الرئيس الأفغاني غني ورئيس الوزراء الباكستاني عمران خان.

وجاء رد فعل خان غاضبًا بصورة واضحة على اتهام غني باكستان بأنها تقف وراء تهريب الآلاف من مقاتلي طالبان إلى أفغانستان، وأكد خان أن بلاده لا علاقة لها بالتطورات الأخيرة في أفغانستان، وأنها مهتمة بالتوصل إلى حل سلمي للصراع فيها، وأن الحرب الأهلية في أفغانستان المجاورة والتدفق الجديد للاجئين الأفغان من شأنهما أيضًا زعزعة  استقرار باكستان في نهاية المطاف.

وقد يكون هذا التقييم صحيحًا جزئيًا، فمن المؤكد أن باكستان لم تقم بتهرّيب آلاف المقاتلين من طالبان عبر حدودها، ولكن ذلك لا يعني إنكار أن المؤسسة الباكستانية تقيم علاقات وثيقة مع طالبان، حتى وإن كان نفوذها في أفغانستان متدنّيًا.

فسيطرة طالبان على كابول تعني تولي نظام "موالٍ لباكستان" مقاليد  السلطة في أفغانستان مجددًا بعد عشرين سنة. وخلافًا لما حدث في الماضي، تشارك جهات إقليمية فاعلة أخرى، بالإضافة إلى باكستان، بنشاط هذه المرة في تشكيل "أفغانستان ما بعد أمريكا".

 

خريطة أفغانستان والدول المجاورة لها. Karte: DW
"أهم حدث جيوسياسي": قال وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل الخميس 19 / 08 / 2021 إن استيلاء طالبان على السلطة في أفغانستان يمثل "أهم حدث جيوسياسي" منذ أزمة القرم عام 2014 و"فرصة جديدة" للصين وروسيا وتركيا "لتوسيع نفوذها" في آسيا الوسطى. وقال بوريل إن الوضع في أفغانستان "سيكون له تأثيرات بعيدة المدى على الأمنين الإقليمي والدولي "، وأضاف: "يجب أن ننخرط بنشاط مع شركائنا الإقليميين والدوليين ... آسيا الوسطى ستصبح منطقة ذات أهمية استراتيجية أكبر بالنسبة لنا ... ندرك جيدا أن فرصة جديدة ستتاح لكل من تركيا والصين وروسيا لبسط نفوذها" على حساب الدول الغربية في آسيا الوسطى، داعيا إلى تعزيز العلاقات الدبلوماسية الأوروبية مع إيران وباكستان والهند. وأضاف أنه يجب على الاتحاد الأوروبي "العمل بشكل وثيق مع الولايات المتحدة وتكثيف جهوده الدبلوماسية من أجل التوصل مع حلفائه إلى نهج موحد" للتعامل مع نظام طالبان: "نحتاج إلى إنشاء قنوات اتصال مع الممسكين بزمام السلطة ... لكن علينا أن نكون واضحين بشأن حقيقة أن فتح قنوات الاتصال لا يعني بأي شكل من الأشكال اعترافا سياسيا دوليا بطالبان".

 

طالبان ودول الجوار

ومنذ أن بدأت الولايات المتحدة التفاوض المباشر مع طالبان، وأعلنت أنها ستنسحب من أفغانستان، بات من الواضح حتى لأكبر المتشككين أن طالبان لاعب رئيسي في أفغانستان، وأن الصراع لا يمكن حله بالوسائل العسكرية.

ويخدم استقرار أفغانستان مصالح جميع الدول المتاخمة لها، لما في ذلك من منع لامتداد الصراع إليها. وتحاول كل من إيران والصين وروسيا، بالإضافة إلى باكستان، ملأ فراغ السلطة في أفغانستان. وقد أجرى ممثلو حركة طالبان مفاوضات ثنائية مع هذه البلدان في الأشهر الأخيرة، ويبدو أنهم قد تمكنوا من التوصل إلى اتفاق بشأن الاعتراف بنظامهم.

وعليه، ترغب الصين بدمج جارتها أفغانستان، بوصفها محطة  مهمة، في "مبادرة الحزام والطريق" وهي  مبادرة اقتصادية صينية تقوم على أنقاض طريق الحرير، تهدف إلى ربط الصين بقارات آسيا وأوروبا وأفريقيا عبر تطوير البنى التحتية في عدة بلدان بما يكوّن في نهاية المطاف بنية تحتية مشتركة عملاقة. فوجود حكومة مستقرة في أفغانستان، حتى ولو شكلتها حركة طالبان المتطرفة، سيسهّل على الصين تنفيذ مشاريع البنى التحتية في هذا البلد. كما ترغب الصين أيضًا بالحصول على ضمانة من طالبان بعدم تمكين مقاتلي مقاومة الأويغور -في إقليم شينجيانغ الصيني ذاتي الحكم "تركستان الشرقية" المتاخم حدوديًا لأفغانستان- من ترسيخ وجودهم على الأراضي الأفغانية.

ويحتل الوضع الأمني في آسيا الوسطى واحتواء الجماعات الإرهابية المحلية أهمية مركزية بالنسبة لروسيا، إذ تخشى موسكو زعزعة استقرار جمهوريات آسيا الوسطى؛ ولذلك فقد أجرت موسكو محادثات مباشرة مع حركة طالبان، على الرغم من تصنيفها للجماعة رسميًا جماعةً إرهابيةً.

وينطبق الأمر كذلك على إيران، إذ تحارب التنظيمات السنية الإرهابية في شرق البلاد، وتريد منع تنظيم داعش من اكتساب القوة في أفغانستان، كما ترى إيران نفسها قوة حماية للشيعة الأفغان وتحرص على ضمان أمنهم.

أما موقف باكستان تجاه حركة طالبان فهو محكوم بعدة عوامل جيوسياسية ذات أهمية بالنسبة لها، إذ تريد إسلام أباد من حركة طالبان أن تبقي فرعها الباكستاني، المعروف اختصارًا بـ TTB (حركة طالبان الباكستانية)، تحت السيطرة، وأن تمنعه من تنفيذ هجمات ضدها انطلاقًا من أفغانستان.

صحيح أن الجيش الباكستاني قد تمكن سابقًا من طرد مقاتلي حركة طالبان الباكستانية من المناطق القبلية في المنطقة الحدودية مع أفغانستان، إلا أن ذلك لم يتحقق إلا بعد عدة حملات عسكرية فاشلة؛ وبالتالي، فإن عودة مقاتلي حركة طالبان الباكستانية إلى سالف عهدهم سيكون له عواقب وخيمة على الوضع الأمني في باكستان.

كما يجد الانفصاليون من إقليم بلوشستان الباكستاني مأمن لهم في أفغانستان، وينشطون بحرية نسبيًا من هناك. وتشكّل الهجمات التي يشنّها مسلحو بلوشستان أكبر تهديد للممر الاقتصادي الصيني الباكستاني (CPEC)، وهو مشروع طموح ترغب إسلام أباد وبكين من خلاله تحسين تعاونهما في مجال تطوير البنية التحتية للنقل والطاقة، بما في ذلك طرق العبور عبر أفغانستان، ومن المقدر أن يتيح ميناء كل من جوادر وكراتشي إمكانية الوصول المباشر إلى خطوط التجارة العالمية. كل ذلك سيكون تنفيذه أسهل في ظل حكم طالبان.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة