كانت رحلتي إلى تونس تفرّعاً من ذاك المشروع. ولأزيدكم وضوحاً، ذهبت إلى تونس لسببين اثنين. أولاً: بوصفي ناشطاً -كجزء من تلك القافلة- يُظهِر التضامن مع شعب تونس في الجنوب المنسي. وثانياً، لأنني كنت أتبع أحد أشخاص فيلمي (الذي صادف أنه كان مدعواً أيضاً ليكون جزءاً من هذه القافلة) من إميضر: عمر موجان –صديق، وأيضاً مزارع لوز، وعامل معصرة زيت زيتون، وطالب علم اجتماع وواحد من السجناء السياسيين السابقين في حركة احتجاج إميضر. وربما يفسر هذا تركيزي على عمر كشخصية طوال الفيلم.
 
 
بجميع الأحوال، بعد أسبوع من توثيقي للقافلة، بدأ إدراكي للتسجيلات والمشاهد (بوصفها جزءاً من وثائق إميضر) يتغير. وقد حثّ على ذلك بشكل كبير النقاش مع أحد منظمي القافلة الأساسيين، حمزة حموشان، وهو رفيق شغوف علمني الكثير حول مسألة استخراج المواد الخام والروابط بين الاستعمار الجديد والبيئة. ووصلنا أخيراً إلى خلاصة مفادها أن بحوزتي مواد أكثر مما احتاجه ومجموعة أشخاص استثنائين بحد ذاتهم ويستحقون قصة خاصة بهم.
 
 
وهكذا وُلِد "جناتٌ فوق الأرض"، وهو عنوان استلهمته من المؤرخ "الأمازيغي" العظيم، ابن خلدون الذي وصف ذات مرة قابس بأنها "جنة على الأرض". بيد أنه قد بدا لي بعد ذلك أن قابس لم تكن الجنة الوحيدة. فشمال إفريقيا مليئة بالجنات التي كانت ضحية للعنف الاستعماري، تماماً مثل قاطنيها –"معذبو الأرض" لفرانز فانون.
 
وقد قررنا أيضاً تقسيم الفيلم إلى سلسلة وثائقية من أربعة أجزاء على شبكة الإنترنت، وهي وسيلة ظننا أنها ستكون أكثر قابلية للهضم وأكثر سهولة للوصول إلى جمهور شمال إفريقيا اليوم الذي هجر مقاعد السينما منذ وقت طويل. أما خيار جعله مجانياً ومُتاحاً للجميع على شبكة الانترنت، فقد اقترن بحقيقة أنه قد صُوِّر بتمويل قليل، ومن دون تصاريح سخيفة من الدولة وبنقص بالمعدات والطاقم، وهذه أيضاً طريقة للقول: "نحن نرفض انتظار أن نروي قصصنا. سنرويها الآن".
 
 
 
نادر بوحموش
ترجمة: يسرى مرعي
حقوق النشر: أوبين ديموكراسي / موقع قنطرة 2018
 
اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.