مشهد من الفيلم العراقي القصير "حدود الهوية" - الموصل. "حُكم داعش كان واقعنا وهو جزء من تجربتنا. ومواجهة ذلك فقط تجعلنا أقوى".
أفلام من إخراج نساء عراقيات تعالج الجمود والمآسي

العراق سائر نحو التغيير على يد المرأة أيضا

أشباح عاثت في العراق خرابا - تتصدى لها أفلام تستحق المشاهدة، من إخراج عراقيات ضمن مشروع "نساء يصنعن أفلاما" الرافع لصوت المرأة. أفلام تعالج دور الرجل والمرأة وتداعيات الديكتاتورية والإرهاب. الصحفي الألماني كريستوفر ريش يكتب لموقع قنطرة أنها أيضا جزء من حركة ثورية ضد الفساد وتسلط الميليشيات.

ينظر سائق سيارة الأجرة نظرات احتقار في مرآة الرؤية الخلفية إلى صبي ووالدته جالسين في المقعد الخلفي. أسئلة الصبي الطفولية تكشف عما حدث وتؤثِّر في النفس تأثيرًا عميقًا: "أمي، لماذا يقول الناس إنَّ أبي مع داعش؟" - "أمي، لماذا طرَدَنا مدير المدرسة؟" - "أمي، هل سنذهب إلى المدرسة مرة أخرى في الغد؟ - لا".

تسير سيارة الأجرة مهتزة عبر شوارع الموصل، وهي أكبر مدينة في شمال العراق. كانت الموصل في يد تنظيم الدولة الإسلامية من عام 2014 وحتى عام 2017. بمجرَّد أن خرجت الأم مع ابنها من السيارة في منطقتهما وباتا على بعد خطوات قليلة من منزلهما، أحاطت بهما فجأةً مجموعة أطفال راحوا يصرخون: "داعش، داعش، داعش!". وفي النهاية، حلَّت الأمُّ المشكلة - بتوزيعها الحلوى على الجميع.

"داعش في الموصل، لم يكن ذلك مجرَّد كابوس"، مثلما تقول داليا قتيبة، وهي نفسها من مدينة الموصل، أنتجت الفيلم القصير "حدود الهوية" مع هاجر أزهر الدليمي (وهي أيضًا من الموصل). "حُكم داعش كان واقعنا وهو جزء من تجربتنا. ومواجهة ذلك فقط تجعلنا أقوى".

 

مشهد من الفيلم العراقي "انتظار" - حالة صمت كئيب داخل أسرة يعود إليها الأبُّ بعد قضائه سنوات في أَسْر الحرب.  Foto: elbarlament
يصف الفيلم العراقي "انتظار" حالة الصمت الكئيب داخل أسرة يعود إليها الأبُّ بعد قضائه سنوات في أَسْر الحرب، أصبح بعدها رجلًا مكتئبًا ومنكسرًا وملتجئًا إلى التديُّن بل ومتأَمِّرًا يُملي الأوامر ولا يتحمَّل أن ترتدي زوجته أحذية أنيقة وأن تحبُّ ابنتُه المراهقة الرسم.

 

شاركت كلٌّ من داليا قتيبة وهاجر أزهر الدليمي مع أربع عشرة امرأة أخرى في مشروع "نساء يصنعن أفلامًا"، وهو برنامج للمبدعات والفنانات العراقيات، أسفر عن إنتاج أربعة أفلام قصيرة. والكثيرات منهن - مثل داليا قتيبة نفسها - لم تكن لديهن من قبل أية خبرة تقريبًا في صناعة الأفلام. كانت داليا قتيبة ترى نفسها ككاتبة أقوى بكثير. وبصفتها عضوةً في حلقة القراءة بالموصل، فهي على معرفة أيضًا بالكاتبة رولا براق، التي كانت مؤخرًا في جولة قراءة بألمانيا ضمن إطار مشروع إنانا للمؤلفات العراقيات.

تنظيم "الدولة الإسلامية" وظله الطويل

لا تزال حلقة حكم داعش تعمل وتختمر، وستؤثِّر على الأجيال القادمة في هذا البلد الغني بالتاريخ والحكايات أكثر من غيره. "توجد على الرفوف في العراق آلافُ القصص، التي لم يَرْوِها أحدٌ من قبل"، هكذا وصفت المخرجة البغدادية نور علي الوضع. وقد تناولت إحدى هذه القصص في فيلمها "انتظار"، الذي صوَّرته مع كوثر جبارة ومريم الزايدي وطيبة عادل. تدور أحداث هذا الفيلم خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات.

وفي هذا الصدد تقول نور علي: "هذه الحرب كلفت أرواح آلاف الأشخاص، ولكن لأنَّها حدثت في عهد الديكتاتور صدام حسين ولأنَّه لم تكن هناك وسائل إعلام حرة وطبعًا لم تكن هناك شبكات اجتماعية، فقد بقي الكثير مما حدث خلالها طيّ الظلام".

يصف فيلمها حالة صمت كئيب سيطرت على أسرة تمزَّقت بعدما تم استدعاء الأب إلى الحرب. ومن ثم تمزَّقت مرة ثانية عندما ظهر مَا فعل الأَسْر في الحرب بالأب: فقد أصبح رجلًا مكتئبًا تَسلُّطيًا ومُلتجئًا إلى التديُّن. رجلٌ محطَّمٌ لا يتحمَّل أن ترتدي زوجته أحيانًا أحذية أنيقة وأن تحبّ ابنتُه المراهقة الرسم. تتركه في النهاية زوجتُه، التي صحيح أنَّها تبدو عازمةً على تقرير مصيرها وقوية، ولكنها حزينة أيضًا. تأخذ معها صورة زوجها الملتقطة من أوقات أفضل.

 

 

"نساء يصنعن أفلامًا" هو مشروع أقامته منظمة البرلمان وقد سار -بحسب تعبير مديرة البرنامج كنزة راضي- في النهاية بشكل مختلف تمامًا عما كان مخططًا له في البداية. فبسبب جائحة كوفيد-19، لم يكن من الممكن عقد ورشات العمل الخمس المخطط لها في العراق إلَّا عبر الإنترنت - على الأرجح أنَّ هذا كان التغيير الأكبر بالنسبة للمدرِّبة، المخرجة المصرية سلمى الطرزي.

وكذلك كان يجب في الختام نقل الندوة النهائية الكبيرة في بغداد إلى الفضاء الافتراضي. تقول كنزة راضي إنَّ وجود شركة إنتاج في الموقع، هي شركة عشتار للإنتاج -والتي أسستها بالمناسبة امرأة أيضًا- كانت ضربة حظّ.

داليا قتيبة وكذلك نور علي أكَّدتا على أنَّ هذا المشروع غيَّرهما كثيرًا، بعد أن كانتا لا تعرفان في السابق سوى القليل عن تصوير الأفلام. ولا عجب عندما تجيبان ومن دون تردُّد بـ"نعم" على السؤال إن كان بإمكان الفنّ والثقافة تغيير بلدهما. تقول نور علي: "صناعة الأفلام هي عملية إبداعية وعملية ابتكار". وتشدِّد داليا قتيبة قبل كلِّ شي على قوة القصص الجيِّدة، وتقول: "نحن البشر نؤمن بالقصص. نروي لبعضنا كيف يواجه الإنسان المصاعب وكيف يتغلَّب عليها، وكيف ينشأ مع المآسي ويتعلَّم منها الدروس. بإمكان الأدب والأفلام نقل ذلك".

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة