أهميَّة التَّفَرُّد في الإبداع

رغم ذلك، يتمكن الفنانون أعلاه من الاحتفاظ بهوياتهم الإبداعيَّة المنفرِدة. على عكس أعمال أخرى كتلك التي تلجأ إلى استخدام موسيقى من ثقافات مختلِفة لتوصيل فكرة ما، إلّا أن المطاف عادةً ما ينتهي بهم إلى إهمال الدَّلالات الحقيقيَّة لتلك الموسيقى. وبهذا، لا يحترِم ألبوم "حُبٌّ صامِت" موسيقى الثقافة المختلِفة فحسب، بل يضمن كذلك بأن لا يتِم التقليل من قيمة الموسيقى الصوفيَّة بأي شكل من الأشكال، وبألا يُحال دورها إلى وظيفة زخرفيَّة لا أكثر.  

 

 

في مقطوعة "أغنية البُرج الأعلى"، وهي نسخة مختلِفة لقصيدة رامبُو  المنثورة "فَصلٌ في الجحيم"، نستمِع إلى سمِيث مرَّة ثانية وهي تتلُو مقتطفات من القصيدة، كنوع من الطِّباق ما بينها وبين إنشاد الفرقة الصوفيَّة. وعوضًا عن موسيقى غلاس، نستمع هنا إلى مُولاتُو أَسْتاتكِيه.

تُقَدِّم لنا إيقاعات أَسْتاتكِيه طِباقًا رائعًا ما بينها وبين قراءة سمِيث وغناء الفرقة الصوفيَّة الإنشادي. بينما يحوكون أصواتهم فيما بينهم، يتمكن الفنانون من ابتداع نسيج باهِر جذّاب. وكما تَبعث فينا الموسيقى الصوفيَّة نشوة الروح، يأخذنا الموسيقيُّون على موج الصوت والكلمة كي نتمكن من الإبحار في عالم مدينة هَرَر الذي عايشه رامبُو.

الأغنية الرئيسيَّة في الألبوم التي تعطيه عنوانه، "حُبُّ صامِتٌ"، هي قصيدة من نَظم سمِيث تحيَّة إلى رامبُو. وبِقَدر ما هي قصيدة غنائيَّة مُهداة للشاعر الذي لطالما استَحضَرَت سمِيث أثر كتاباته على أعمالها، يبدو أن القصيدة تتتبَّع الجانب المُظلِم، أو ربما الآخَر الواقِعي، للشاعرة. نشعُر في بعض الأحيان أن القصيدة مُتنافِرة، وأحيانًا أخرى مُزعِجة، إلا أنها تُبَيِّن مدى انصراف رامبُو عن معايير الحياة الأوروبيَّة في القرن التاسع عشر، كي يستقر به مقام الرَّاحة في مدينة هَرَر.

 

 

مع إصدار الألبوم في العاشر من نوفمبر / تشرين الثاني من عام 2019 احتفاءً بسنويَّة وفاة رامبُو في نفس التاريخ من عام 1891، وتوافقًا مع روحانيَّات الشاعر الفرنسي، فإن مقولة "حُبٌّ صامِت" لا تولي للتصوُّف دورًا زخرفيًّا. عوضًا عن ذلك، بَذَلَت مجموعة "ساوندوُوك" الموسيقيَّة أقصى جُهدها لإيجاد المُشتَرَك ما بين موسيقى الفنانين الضيوف من جهة وبين قصائد رامبُو وسمِيث من جهة أخرى.

في واقِع الأمر، من أكثر الجوانب لفتًا للنظر في هذا العمل هو الأسلوب الذي يتمكَّن المشاركون في تفاصيله من تقديم المَناحِي الأقل شُهرة في حياة رامبُو إلى المُستَمِعين، وكذلك، من طَرح أسرار وسَرَّاء الموسيقى الصوفيَّة الإثيوبيَّة. لهذا السبب، وَجَب أن يكون هذا الألبوم على لائِحة الاستِماع لكل من يُقَدِّر الشعر والموسيقى الرَّفِيعَة.

 

ريتشارد ماركوس

ترجمة: ريم الكيلاني

حقوق النشر: موقع قنطرة 2020

ar.Qantara.de

 

 

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة
إرسال التعليق يعني موافقة القارئ على شروط الاستخدام التالية: لهيئة التحرير الحق في اختصار التعليق أو عدم نشره، وهذا الشرط يسري بشكل خاص على التعليقات التي تتضمن إساءة إلى الأشخاص أو تعبيرات عنصرية أو التعليقات غير الموضوعية وتلك التي لا تتعلق بالموضوع المُعلق عليه أو تلك المكتوبة بلهجة عامية أو لغة أجنبية غير اللغة العربية. والتعليقات المتكوبة بأسماء رمزية أو بأسماء غير حقيقية سوف لا يتم نشرها هي الأخرى. ويرجى عدم وضع أرقام هواتف لأن التعليقات ستكون متاحة على محرك البحث غوغل وغيره من محركات البحث.
To prevent automated spam submissions leave this field empty.