ولأنّ شِعرَ الرُّوميّ لا يَطرَحُ وصفًا ساذَجًا لمَآثِر العِشق، فقد اختارَت گُودَرزي بعنايةٍ فائقة مع زميلها خان مَقاطِعَ أدبيَّة تعكِسُ تعدُّدِيَّة هذه المَآثِر. في أغنية "بَرِّيّ"، على سبيل المثال، يُحدِّثُنا الشَّاعِر عن التَّواصُل مع "الإلَهيّ" الذي من شأنه أن يُعِينَنا على إدراك العِشق بأكمله، لأنّ الحُبَّ – كُلَّ الحُبّ – هو امتدادٌ للحُبِّ المُطلَق الذي نَكِنُّه للكون.

ضابِط الإيقاع  شارِق مصطفى (تصوير: إنِّي سِينغ) Shariq Mustafa (photo: Inni Singh)
حَبكَةً سَمعِيَّة سِحريَّة من شأنها أن تأخُذَ المُستَمِع مُباشَرَة إلى "اللَّادُنيَويّ": "لطالَما رَفَعَ المُوسيقيُّون والشُّعراءَ أصواتَهم كشُعلَةٍ من الأمَل في الأوقات العَصِيبَة. وألبُوم "هذا الأُفُق" هو مثالٌ جميلٌ وبَدِيع للمُنتَج الفَنِّيّ المُتميِّز الذي يتمَخَّضُ عن هذا النَّوع من المُحاوَلات المُشتَرَكة،" كما يُخبِرُنا الكاتب ريتشارد ماركُوس. الصورة لضابِط الإيقاع شارِق مصطفى.

حين نتعمَّقُ في سِيرَة جلال الدِّين الرُّوميّ، نستطيعُ أن نُدركَ مُلاءَمة اختيار عُنوان المَقطُوعَة. هذا لأنّ الرُّوميّ كان مُتأثرًا بشكلٍ استِثنائيّ بصَداقته مع الشَّاعِر المُتَصَوّف شمس الدين التَّبريزيّ. فالتَّبريزيّ هو ليس مُجَرَّد الشخص المَسؤُول عمَّا نَعرفُ اليوم بمُصطلح "الدَّرويش" – الذي بِتنا الآن نَربُطُه بنَمَطٍ مُعَيَّن من العِبادة والتَّأمُّل ("الدَّرويش" الذي يَدُورُ حول نَفسِه حتى يَبلُغَ مرحلةَ الوَصلِ مع الله) – فقد كان يَدعُو أيضًا إلى عَلاقة العَبدِ المُباشِرة مع الخالِق.

حتى بالنسبةِ للمُستَمِعين الذين لا يعرفون اللغة الفارسيَّة، ما زالت الموسيقى قادرة على أن تَحكِيَ في الحُبِّ الجارِف. ولو نظرنا إلى عُنوان كُلّ أغنية: "أوحَد"، "مُحِبّ"، "أعذَب"، "باقٍ هُنا"، و "كُلُّ ما أملِك"، سنجدُ أنّ كُلَّ عُنوان يلعبُ دورَ المَعلَم المَكانِيّ في الرِّحلة السَّمعِيَّة للمُتَلَقِّي، لأنّ عناوينَ كهذه تُشيرُ إلى المُحتوَى العاطفيّ والوِجدانيّ خلف كُلّ لحنٍ من الألحان. وإن كانت الأغنية الاِفتتاحيَّة، "بَرِّيّ"، تَرمُزُ إلى فِتنَةِ المَشاعِر التي يُؤجِّجُها الغَرام، فإنّ المُستَمِع بإمكانه أن يَستَنبِطَ المَغزَى من بقيَّة الأغاني بكُلِّ سَلاسَة.

يَحمِلُ الحُبُّ في كُنهِ مَفاهيمَ مُختلِفة ما بين الشَّخص والآخَر، وفيما يَرغَبُ كُلٌّ من گُودَرزي وخان أن نتفكَّرَ في فَحاوَى السِّياق الخاص بكُلّ أغنية، إلّا أنّهما لا يُجبِران المُستَمِع على سلوك الطريق الذي يَصِلُ به إلى تلك الحالة. هذا الألبُوم الرَّائع هو احتفالٌ بكُلّ ظِلالِ المَعانِي المُختَلِفة للحُبّ كما جاء في شِعر الرُّوميّ. ولقد بَذَلَ المُوسيقيُّون المُشاركون قُصارَى جَهدهُم لاِحترامِ المادَّة الشِّعريَّة الأوَّليَّة، ولإبقاء مَقُولَتهِم الفنيَّة خالية من أيّ أجِنداتٍ أُخرَى.

لطالَما رَفَعَ المُوسيقيُّون والشُّعراء أصواتَهم كشُعلَةٍ من الأمَل في الأوقاتِ العَصِيبَة. وألبُوم "هذا الأُفُق" هو مثالٌ جميلٌ وبَدِيع للمُنتَج الفَنِّيّ المُتميِّز الذي يتمَخَّضُ عن هذا النَّوع من المُحاوَلات المُشتَرَكة.

 

 

ريتشارد ماركُوس

ترجمة: ريم الكيلاني

حقوق النشر: موقع قنطرة 2022

ar.Qantara.de

 

 

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة