الكاتب والفنان الألماني الساخر غيرهارد بولت.

ألمانيا ومصر
المسرح الساخر بين المصري باسم يوسف والألماني غيرهارد بولت

ما الفرق بين المسرح الساخر في البلدان الديمقراطية والدول ذات الأنظمة السلطوية؟ عن ذلك يكتب عارف حجاج لموقع قنطرة مسلطا الضوء على محتوى ما يقدمه الكاتب والفنان الألماني الساخر غيرهارد بولت.

يكتب عارف حجاج لموقع قنطرة عن أهمية المسرح الساخر سواء في الدول الديمقراطية أو ذات الأنظمة التعسفية كالحال في منطقة الشرق الأوسط ويُطلِع القارئ على عرض من هذا النوع للمسرحي وعلى الكاتب والفنان الألماني الساخر غيرهارد بولت المنحدر من ميونخ الواقعة في ولاية بافاريا الألمانية. كما يشير حجاج الى أهمية المسرح الساخر في مصر وسوريا على سبيل المثال أثناء الربيع العربي ليشدد على الأخطار الحياتية التي يتعرض لها رواده على نحو دائم.

 

***********************************

 

ازدهار المسرح الساخر في عهود سادها الطغيان

هناك اتفاق في الرأي على كون الأنظمة التعسفية توفر تربة أفضل للتنفيس عن الإحباط والاستياء من خلال توجيه النقد المستتر الساخر مقارنة بالديمقراطيات التي لا يخشى الفنانون تعرضهم للقهر والزج في السجون بسبب نقد لاذع قد يوجهونه للحكومة أو للدولة.

لهذا ازدهر المسرح الساخر في عهود سادها الطغيان كالعهد النازي أو الفاشي أو أثناء حكم فرانكو لإسبانيا. وبلغ الكرنفال ذروة أمجاده في حوض الراينلاند (رينانيا الألمانية) عندما احتلته قوات نابليون فلجأ رواده إلى استخدام الفكاهة ذات المعنى المبهم كوسيلة من وسائل المقاومة السلبية غير المسلحة.

يلعب المسرح الساخر دورا متزايد الأهمية في الأغلبية العظمى لدول الشرق الأوسط مثل مصر وسوريا وإيران وتركيا حيث يتم التنكيل بالحريات العامة وحقوق الإنسان ولا يتبقى للفنانين أو الفلاسفة أو الكتاب سوى اللجوء إلى أسلوب السخرية على وجه محنك غامض يحميهم في بعض الحالات -لا كلها- من إجراءات القمع والاضطهاد.

 

الإعلامي المصري الساخر باسم يوسف. Der ägyptische Polit-Satiriker Bassem Youssef  in seiner Satiresendung "AlBernameg" Foto Al Bernameg
المسرح الساخر يلعب في الدول ذات الأنظمة التعسفية دورا بالغ الأهمية إلا أنه يشكل خطرا دائما على رواده: كان من رواد هذا المسرح أثناء أحداث الربيع العربي في مصر عام 2011 باسم يوسف الذي عرف بلقب "جون ستيورات مصر". لكن فشل الربيع العربي هناك وفي معظم دول الشرق الأوسط شكل تحديا كبيرا لهؤلاء الفنانين وتهديدا مباشرا لحياتهم وحياة ذويهم، كما يكتب عارف حجاج.

 

الفن المسرحي الساخر في البلدان ذات الأنظمة الديمقراطية

هذا لا يعني بطبيعة الحال افتقاد المجتمعات ذات الأنظمة الديمقراطية لأشكال الفن المسرحي الساخر. ففي ألمانيا على سبيل المثال عدد كبير من فناني هذا النمط الفني يسخرون في المسارح العامة أو على شاشات التلفزيون أو في محطات الإذاعة من تعامل أكثرية أقطاب الدولة مع الوقائع السياسية والاقتصادية والاجتماعية على أرضية ما يسمى بالصواب السياسي.

من كبار فناني المسرح الساخر المعاصرين في ألمانيا غيرهارد بولت Gerhard Polt المولود عام 1942 في ميونخ والذي اشتهر ككاتب وممثل وكأحد أبرز رواد المسرح الساخر.

يعشق الألمان ولاية بافاريا الواقعة في جنوب البلاد (عاصمتها مدينة ميونخ) ويحبون فولكلورها الشعبي سواء كان موسيقياً أو غناءً أو مسرحياً. لكن أغلبهم لا يفهم جيدا لكنات هذه الولاية لاسيما المستخدمة في المناطق الريفية منها.

لهذا فهناك فروق في العرض المسرحي لهذا الفنان بين أدائه في بافاريا أو خارجها. وقد قدم بولت مؤخرا في دار بون للأوبرا عرضا مسرحيا راعى فيه عدم اتقان الجمهور في حوض نهر الراين للهجات البافارية فجاء العرض من الناحية اللغوية مزيجا بين اللغة الفصحى ولكنة ميونخ.

رافقَتْ بولت في عرضه المسرحي الساخر الفرقة الموسيقية للإخوة فيل Well المتخصصة بالموسيقى الفولكلورية البافارية منذ 40 عاما. وعزفت الفرقة مقطوعات موسيقية وغنائية بآلات موسيقية بعضها تقليدي وبعضها يقتصر استعمالها على مناطق جبال الألب في بافاريا وسويسرا والنمسا.

تعرض بولت في بداية عرضه الساخر إلى مفهوم الإنسان مستنتجا بأن أسوأ أنماطه الجار الذي كثيرا ما كان بشعا في التعامل من حيث العقلية والفضولية والميل إلى الثرثرة.

ينتقل بعد ذلك إلى البورجوازية الصغيرة ورؤيتها للشؤون السياسية والاجتماعية بأفق ضيق مبني على الأنانية وكراهية الغريب سواء المنحدر من أصول أجنبية أو حتى من مناطق أخرى من البلاد.

كما ينتقد الأشخاص الذين يعتقدون بأن لديهم خير المعرفة في شتى المجالات رغم أنهم في الواقع محض سطحيين يميلون إلى الثرثرة الخالية من المحتوى الجوهري.

يروي بولت ذلك بهذا المزيج اللغوي المحبب لدى الجمهور الألماني فيقاطعه كثيرا بالضحك العالي أو بالتصفيق المدوي. يسترسل بولت في الحديث مستخدما مصطلحا متداولا في بافاريا والنمسا المجاورة لها: وهو، "دِب" depp الذي يعني شخصا بليدا ساذجا وان كان في نفس الوقت طيب القلب.

الأدب الساخر الألماني كثيرا ما يستخدم مصطلح "أبله القرية"

فيروي قصصا عديدة عن بلاهة أشخاص يعرفهم جيدا أو سمع عنهم الكثير فيقول إنهم بحكم سذاجتهم وطيبة قلوبهم أفضل من أنصاف المثقفين المغترين بأنفسهم ويضيف بأن الحياة تصبح بدونهم أقل مرحا وإنسانية وتتسم بطابع بارد ورتيب.

 

 

المعروف أن الأدب الساخر الألماني كثيرا ما يستخدم مصطلح "أبله القرية" كما لو كانت لكل بلدة أو قرية شخص يتولى فيها مهمة البلادة والسذاجة على نحو شبه مؤسسي.

لم يبخل بولت على منظومة الكنيسة الكاثوليكية بالنقد والسخرية اللاذعين مذكرا بنشأته الدينية وبذكرياته المزدوجة وملمحا بالفضائح الأخلاقية لدى عدد غير قليل من أفراد الإكليروس مما جعل الكثيرين من المؤمنين يبتعدون تدريجيا عن الكنيسة وممارسة الطقوس الليتورغية تعبيرا عن استيائهم وحنقهم. 

يشير كذلك إلى انخفاض درامي في أعداد الأشخاص الذين يريدون تولي منصب القسيس مستقبلا بسبب تلك الفضائح أو بسبب تمسك الكنيسة الكاثوليكية بمنع الزواج لدى القساوسة.

أشار بولت على ظاهرة واسعة الانتشار في أوروبا وهي تجنيد قساوسة أفارقة وهنود ليحتلوا المناصب الشاغرة في الكنائس وقلد قسا هنديا جاء إلى ميونخ لهذا الغرض فنطق الفنان نصه بالإنكليزية بلكنة هندية شديدة وبرسالة تضمنت أن القس الهندي على وشك إصلاح الكنيسة عن رمة أبيها ليخلق منها كنيسة جديدة تماما.

أما السياسة الخارجية فلم تلعب في عرض بولت سوى دور ثانوي حيث اتضح بين السطور سخطه على التطورات السائدة سواء حيال حرب أوكرانيا ومواقف ألمانيا وأوروبا منها أو إزاء تعامل العالم مع الجائحة.

اقرأ أيضًا: مقالات مختارة من موقع قنطرة